لغة العبادة؛ قراءة في أركيولوجيا أغامبين

 

ذات يوم قال جيل دولوز ” ماذا تكون الأركيولوجيا إن لم تكن طلبًا لنظرية عامة في الإنتاجات ، عليها أن تتطابق مع ممارسة ثورية حيث يتشكل الخطاب الفاعل في عنصر خارج غير مكترث بحياتي وموتي” أو هي بالأحرى كما قال فوكو ” إنني لم أقدم الأركيولوجيا على إنها علم ولا حتى بصفتها الأساس الأولى لعلم مقبل.. لفظ أركيولوجيا ليس له البتة قيمة استباقية؛ إنه يشير وحسب إلى واحدة من كيفيات مباشرة المهارات التلفظية تعيين مستوى : مستوى الملفوظ والأرشيف “

ومن كلمات دولوز _فوكو يمكننا أن نصل إلى استنتاج مفاده إن الأركيولوجيا ليست أداة حكم على الأشياء، إنها لا مكترثة كلياً ، بيد أنها أداة عرض وإبراز، وهذا عين ما كانت ترمي إليه آنجيل مارياتي بعبارتها الحصيفة حين كتبت ” هذا العرض” الأركيولوجي” للماضي يساوي في الواقع التاريخي المعيش راهنا، ممارسة حقيقية جديرة بتثوير الممارسات الممأسسة”.

فالأركيولوجيا في معناها إذن هي؛ تتبع أصول موضوع ما وإنجاز تحليل تاريخي حول ظهور هذا الموضوع ونشأته وتطوره وكيفية عمله.

وتتألف لفظة أركيولوجيا من لفظتين يونانيتن هما (أركيوس) التي تشير إلي البدائي الأولى القديم و(لوغوس) التي تشير إلى الخطاب والعلامة والحساب والقانون والنظام.

وكما قدم كل من نيتشه وفوكو ودريدا أركيولوجياه في الأخلاق والمعرفة والجنون والجنسانية والكذب بدرجات متفاوتة السطوع، يقدم الفيلسوف الإيطالي ذو السطوة جورجيو أغامبين مساهمته الأركيولوجية أيضاً عن تاريخ الواجب ممركزاً عمله حول “الليتيريجيا” متتبعًا تاريخها وكيفية عملها وأثرها.

يشير أغامبين إلى الحداثة النسبية للفظ الليتيريجيا الذي ظهر في القرن السادس الميلادي كلغة طقسية، و الذي شاع إسخدامه خلال القرن التاسع عشر وعشرينيات القرن العشرين، وللفظ الليتيرجيا جذوره اليونانية من (لايتورجيا) فهو كما لفظ الأركيولوجيا يتألف من كلمتين يونانيتين هما ( ليتيوس) بمعنى عام أو عمومي المشتق بدوره من لفظة (لاوس) والتي تعني الشعب ، ومن (إرجون) والذي يعني خدمة، وهي مهمات كانت توكل للمواطنين اليونان يؤدونها كخدمة عامة ،من قبيل تجهيز الميادين الرياضية والتسليح وشراء الحبوب والزيت والسلفة التي كان على المواطنون الخمسة عشر الأكثر ثراءً تأديتها للمدينة تحت عنوان ” أداءت جميع المواطنين الخاضعين للضريبة” فينقل أغامبين عن ديموستنيس قوله ” بإمكان كل شخص أن يمارس الليتيريجيا بواسطة جسده الخاص كما بما يملك”

بهذا المعنى كان إستخدام بطرس الرسول، الليتيريجيا أي بوصفها خدمة عامة.
ويتابع أغامبين حفرياته وصولاً إلى عهد ما يعرف بالترجمة السبعينية للتوراة حيث تم إستخدام الليتيرجيا في الإشارة إلى الطقوس والخدمات والقرابين التي تقدم فيما كان يعرف بالهيكل كخدمة للعبادة بالإحالة على الوظائف الكهنوتية لهارون في خيمة الاجتماع وهنا يتحول المفهوم من خدمة يقدمها الرب للشعب إلى الخدمة التي يقدمها الشعب للرب أو لنقل أنها كانت خدمة متبادلة بين الرب والشعب. وهنا يشير أغامبين إلى وعي المترجمين لدلالة لفظ ليتيرجيا السياسي والذي يذكر بعهد الرب مع الشعب.

لكن التحول في مفهوم الليتيرجيا جاء من خلال تماهيها مع المعنى اليهودي أي خدمة عبادة تقدم للرب من خلال الطقوس والمزامير والتراتيل عن طريق ربط الليتيريجيا بما ورد من نصوص في الرسالة إلى العبرانيين، عبر المهمة الخلاصية التي يضطلع بها يسوع المسيح بصفتة الكاهن الأعظم كخدمة للرب و لمرة واحدة لا يمكن تكرارها، أي أن الليتيرجيا هي مهمة خاصة بيسوع المسيح لا سواه، “فالقربان قدم لمرة واحدة ولا يمكن إعادته” على حد تعبير أغامبين.

لكن المفارقة تتمثل في إعادة ما لا يمكن إعادته إذ يقوم الأساقفة والشمامسة بأعمال ليتيريجية للتذكير الدائم بتلك الخدمة الخلاصية التي أداها يسوع المسيح. لتتحول الليتيريجية إلى لغة عبادة في هذا السياق.
كما يرصد أغامبين الدور السياسي لليتيريجيا المسيحية، من خلال تطورها من مجرد واجب إلى سر والسر إلى محض فاعلية وإنجازية إذ يرى أنه لا واقعي سوى ما هو فاعلي إنجازي.

وكما حاول اغامبين في الملك والمجد بلورة سر الإقتصاد الذي بناه اللاهوتيون، يتعلق الأمر في صنيع الله بانتزاع سر الليتيريجيا من سطحية الأدب الحديث بأرجاعه إلى ألق المؤلفات القروسطية عند دو ماتز وغيوم ديران.

خلال عشرينيات القرن العشرين شاعت الحركات العمالية والنازية والنفسية التي حلت محل المدارس والمؤسسات وكافة الأنظمة الشمولية، وهنا أضم إلى تلك الحركات والأنظمة الشمولية كذلك الانظمة “الديمقراطية” الجمهورية منها والملكة الدستورية فأنه بالإمكان الإشارة الي طقوس تحية العلم وقسم الرئيس وأعياد الإستقلال والمواكب العسكرية والأيام الوطنية ، وهنا تأخذ الحركة الليتيريجية صورة مختلفة من خلال عودة أصولها إلى الوثنية والصمت الصوفي عند الفلاسفة اليونان وذلك من خلال الجدال بين مؤرخي الدين من أوسنار إلى دياتريش ومن رايتنزشتاين إلى فلهالم بوساي الذين برهنوا بما لا يدع مجالاً للشك على الرابطة الساطعة بين تجربة الخلاص القائمة على الأسرار الوثنية وبين الرسالة المسيحية.. بيد أن المفارقة أن التأكيد على هذا التعالق صدر من دير بندكتي على يد اللاهوتي اليسوعي هوغو راهنار في محاضرة بعنوان ” الأسرار الوثنية والأسرار المسيحية” ثم جاءت محاولات كازال للتأكيد على ذات الفكرة.

في هذا العمل المعنون ” صنيع الله أركيولوجيا الواجب ” يحاجج أغامبين بأن الفعل الأخلاقي يظل أخلاقيًا بشكل ذاتي بمعزل عن فاعله ، أي أن الواجب هو صاحب الفضل على الأخلاق الكانطية التي أنتهت لذات النتيجة في القانون والواجب والأمر القطعي.

كما أنه أي هذا العمل هو الجزء الثاني لكتابه المعنون” الملك والمجد ” المتعلق بسر الليتيرجيا ” ولكن يتعلق البحث هنا بالكهنة ذواتهم بالذات الحاملة للسر كأداة لله منفصلة بشكل كامل عن مدي أخلاقية الفاعل.


* جورجيو اغامبين
فيلسوف ومنظر سياسي إيطالي ولد في روما في عام 1942، له كرسي باروخ إسبينوزا في كلية الدراسات الأوربية، من أشهر أعماله حالة الإستثناء والهومو ساكر الملك والمجد وغيرها من الأعمال والمقالات.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يستحسن طباعة المقال !!