النظريات الدلالية

 

ظهرت في ميدان البحث اللغوي الحديث عـدة نظريات دلالية؛ عُنِيتْ كل منها بوضع منهج معين لدراسة المعنى، وكان من أبرز تلك النظريات: نظرية السياق ونظرية الحقول الدلالية ونظرية التحليل التكويني للمعنى .

  • النظرية السياقية Theorie contextuelle du signifie

اقترنت هذه النظرية باسم اللغوي الإنجليزي فيرث Firth الذي أكـد على أن معنى الكلمة هو استعمالها في اللغة، وصرّح بأن المعنى لا ينكشف إلا من خلال وضع الكلمة في سياقات مختلفة.

وقد اعتمد فيرث على عمل علماء الأنثروبولوجيا، واعتمد بشكل خاص على مالينوفسكي الذي طور نظريته لسياق الحال والتي وفقا لها ترجع معاني المنطوقات وكلماتها وعباراتها المكونة لها إلى وظائفها المختلفة في سياقات الحال الخاصة التي تستعمل فيها، وهذه المقاربة سحبها فيرث على اللغة بمعالجته للوصف اللغوي كله باعتباره تحديدا للمعنى، وبذلك مـدّ فيرث تطبيق معادلة “المعنى هو الوظيفة في السياق”.

ويمكن أن نمثّل لتطبيق هذه النظرية بالفعل العربي (أكـل) في السياقات القرآنية التالية :

قوله تعالى: “وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق” بمعنى؛ التغذية للإنسان.

وقوله تعالى: “أخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون” بمعنى؛ الافتراس للحيوان.

وقوله تعالى: “يا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله” بمعنى؛ الرعي للحيوان.

وقوله تعالى: “ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته” بمعنى؛ القرض للحيوان.

وقوله تعالى: “أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه” بمعنى الغيبة.

 وقوله تعالى: “إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما” بمعنى؛ سرقة والاختلاس.

وقوله تعالى: “حتى يأتينا بِقربانٍ تأكلُه النار” بمعنى؛ الاحتراق للجماد.

ويتكون سياق الحال عند فيرث من مجموع العناصر المكونة للحدث، وتشمل التكوين الثقافي للمشاركين في الحدث والظروف الاجتماعية المحيطة به؛ والأثر الذي يتركه على المشاركين، وهذا يعني أن سياق الحال عند أصحاب هذه النظرية يشمل: السياق اللغوي والسياق العاطفي وسياق الموقف؛ والسياق الثقافي .

والسياق اللغوي يمكن أن نمثّل له بكلمة (يـد) التي ترد في سياقات مختلفة على النحو التالي :

ـ أعطيته مالا عن ظهر يـد : أي: تفضُّلا لا من بيعٍ ولا قرضٍ ولا مكافأة.

ـ بايعته يدا بيد : أي نقداً.

ـ وقوله تعالى: {حتى يُعطوا الجزية عن يـد} : عن ذُل وخضوع وإرغام.

ـ سقط في يـده : نَـدِم، بوغت.

ـ فلان طويل اليد : إذا كان سمحا سخيا كريما.

ـ هم يـد على من سواهم : إذا كان أمرهم واحدٌ.

ـ يـد الرجل : جماعتُه وأنصارُه.

ـ يـد الطائر: جناحُه.

ـ يـد الفأس ونحوه : مِقبضها.

والسياق العاطفي هو الذي يحدد درجة القوة والضعف في الانفعال، مما يقتضي تأكيدا أو مبالغة أو اعتدالا، فكلمة (يكره) غير كلمة (يبغض) رغم اشتراكهما في أصل المعنى؛ حيث تحمل الثانية قوة وتأكيدا في الدلالة أكثر من الأولى؛ لأن البغض هو الكُره الشديد.

وعلى الرغم من ذلك فإن ثمة انتقادات وُجهت إليها، منها أن صاحبها لم يقدم نظرية شاملة للتركيب اللغوي، ولم يكن محددا في استخدامه لمصطلح السياق، وأن النظرية غير مفيدة في حالة إذا ما واجهنا كلمة ما يعجز السياق عن تحديد معناها .

يبقى أن نشير إلى أن العلماء العرب القدماء قد كانت لهم عناية بـ(سياق الحال) أو ما أسموه بـ(المقام)؛ يقول د.عبده الراجحي: “وقد لا يكون بعيدا عما نحن فيه أن نشير إلى أن العرب القدماء كانت لهم إشارات إلى الموقف أو المقام أو غير ذلك مما قد يشبه فكرة سياق الحال، ومن هذه الإشارات ما أفـرده المفسرون لمعرفة أسباب النزول” .

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يستحسن طباعة المقال !!