الدراسات الثقافية

لا تحشّ

ينشأ الطفل في حلب على سماع حرف الألف / الهمزة بدلاً من القاف في كل المفردات، و ابدال الألف / الهمزة بالقاف، لغة يتميز بها أهل حلب أكثر من غيرهم في باقي مناطق الشام، و رغم أن قسماً كبيراً من أهل الريف الذين سكنوا مدينة حلب يلفظون القاف قافاً، فإن أولادهم ينشؤون على سماعها ألف مفخمة أو همزة في الشارع، و هكذا يميزون بين لفظ القاف في البيت مع أفراد الأسرة، و بين لفظها ألف مفخّمة / همزة في الشارع مع أولاد الحارة، و على هذا الأساس يتصرفون و يصرّفون ألفاظهم.


في المدرسة يكتشف معظم الأطفال – ذوي الأصل الحلبي خصوصاً – بأن حرف الألف المهموز أو الهمزة في الكلمات التي حفظوها غيباً و بالفطرة أصله حرف القاف الصريح ، و يجب ابداله في القراءة إلى أصله، كأن يقرأه قال في كلمة (آل)، و قلبي في كلمة (ألبي) ، و هكذا دواليك.


بالنسبة لي لم أُعاني من هذه الإشكالية، فأهلي يلفظون حرف القاف على أصله، و أتقنت ابداله بالألف المفخمة أو الهمزة عندما أتحدث مع رفاقي من أهل مدينة حلب، و أنهيت دراستي المدرسية بنجاح و سلام ، ثم صرت “معلماً وكيلاً” في سنتي الدراسية الأولى في جامعة حلب، و في أحد زياراتي لبيت أحد الأصدقاء، عرفني صديقي على اخوته الصغار بأنني استاذ مدرسة عن حق و حقيقي ، و طلب من صغيرهم أن يسمعني انشودة “الأرنب” المقررة في كتاب القراءة و الأناشيد المدرسية للصف الثاني الابتدائي على ما أذكر، أو ربما الصف الأول الابتدائي .


أخرج الطفل الصغير كتابه المدرسي من حقيبته، و فتحه على الصفحة التي تحتوي على النشيد، أعطاني إياه و قال لي بكل فخر و اعتزاز :
– اتسمعلي النشيدة ع الغايب يا استاذ.
قلت له هات يا حباب. و بدأ ينشد :
أفز (قفز) القرنب (الأرنب) خاف القرنب
كنت أريباً (قريباً) منه قلعب (ألعب) …


داهمني الضحك حال سماعي هذه المفردات العجيبة الناجمة عن إشكالية لفظ حرفي الألف بهمزة و القاف، فقد ظن الصغير أن العلاقة بينهما عكسية، فلفظ حرف الألف المهموز قافاً و هذا لا تجيزه أي لغة أو لهجة محكية. بعد أن هدأت نوبة الضحك شرحت له الفرق بين الحرفين، و علمته كيف يلفظهما في الكتاب و في الشارع …


ذكرتني هذه الحادثة بدعابة مقصودة فعلها أحد زملائي في الصف الثالث الثانوي بمدرسة “الشهداء” في درس العربي، كان زميلي مصطفى “صطيف ” حلبياً أصيلاً ، و يلفظ لهجة حلب على أصولها و بسلاسة و يسر ، و كثيراً ما أضحكنا بألفاظه الحلبية القحّة الطريفة.


في ذلك اليوم طلب منه استاذنا المرحوم “محمد العمر” أن يسمعه قصيدة جرير في رثاء زوجته المشهورة بمطلعها (لولا الحياء لهاجني استعبار)، و الاستاذ العمر – رحمه الله – أديب رصين عالم في اللغة العربية و فقيه، لكنه يتقبل المزاح الخفيف الظريف و لا يعاقبنا عليه، خرج “صطيف” من مقعده و وقف أمامنا و ظهره

للأستاذ، تنحنح قليلاً ثم انطلق يقول :
لولا الحياء لهاجني استعبار
و لزرت أبركِ (قبرك) و الحبيب يزارُ
و لأد (لقد) أراكِ كُسيتِ أجملَ منظرٍ
و مع الجمال سكينةٌ و وآرُ (وقارُ)
و الريح طيبة إذا استأبلَتْها (استقبلتها)
و العرض لا دنسٌ و لا خوّارُ…
“كفى، كفى ” ، صرخ الاستاذ محمد بصوت عالٍ مقاطعاً زميلنا صطيف بينما انقلب الدرس إلى هرج و مرج و تعليقات ساخرة و ضحك كثير.
قال له : لك يا ابني مصطفى، انت قاعد في ” استئبال “** ولّا في “عزا” ؟ و الله لو سمعك جرير لانتحر فوق قبر حبيبته في الحال !.


لم أعرف بأنني سأُحرم من سماع لهجة حلب، بعد أن قذفتني الأمواج و أرسلتني الأيام إلى بلد اجنبي غريب، أتعلم لغته في المدرسة بصعوبة كأنني تلميذ مستجد، نجحت في أول صف إلى ثالث صف، و في الرابع تراجعت و فشلت، لكنني نجحت في التعرف على زميلة بعمري من حلب، كانت تدخن مثلي و تحب شرب القهوة في الفرصة بين الدروس، فكنت أتسامر معها و نتبادل ضيافة القهوة و بعض الحلوى و السجائر، و نسرح في عالم الذكريات الجميلة في حلب.


في أحد الأيام ضيفتني قطعة “كاتو” صغيرة و لذيذة ،اكلتها بنهم، و قلت لها : هاتِ كمان.
اعطتني قطعة ثانية و قالت لي : لا تحشّ .

ضحكت من كل قلبي بمجرد سماع هذه المفردة الحلبية بامتياز، رأيت نفسي طفلاً في مدرستي الابتدائية اتقاسم لفافات “الزيت و الزعتر” و “ميّة الفرنجي” و “الجبنة المشلشلة “مع الزملاء الصغار ، و كلما نهش أحدهم لقمة كبيرة من لفافة الآخر، يقول له : لا تحشّ .


هذه الكلمة نكأت جراح الشوق في روحي، و رأيت روحي تهيم في حب بلدي حلب و في شوارعها ، فأنشدتها قائلاً :
هل إلى لؤياكِ (لقياكِ) جارة؟
و أد (قد) أشعلتِ فصط الألب (القلب) نارا
آ خيتو ما على العُشّاءِ (العشاق) صوجٌ
إذا ما جرّكهم الحب، و جارَ ***
ضحكتْ زميلتي الحلبية من قلبها، و ظنت أنني أتغزل بها، فقالت بغنج و دلال : لأ، ما في جارة. انت واحد ختيار كرّار، ما منك فايدة غير الكرّ، و الكرّارة ما مِنّا جارة…
تأسفت على هذا الصد الصريح، و رجوت ربي ألا تصدني حلب مثلما فعلت زميلتي الحلبية، و تأملت أن يقسمَ لي ربي العودة إلى ترابها، و سماع الفرح في أرجائها …


*النص من وحي مذكراتي، و كلمة (حشّ) تعني في لهجة حلب الأكل بكثرة و طمع و نهم و شراهة. 
**الاستقبال (الاستئبال) : عادة حلبية خاصة بالنساء، يجتمعن في بيت إحدى الجارات بصفة دورية، و يتبادلن أطراف الحديث مع الشراب و الطعام و الحلوى و غيره.


***مية الفرنجي : دبس البندورة أو معجون طماطم، عصير البندورة يجفف حتى يصبح مركزاً مثل المعجون. الجبنة المشلشلة : نوع من انواع الجبن يصنع على شكل خيوط مجدولة مثل ضفائر شعر البنات. جارة (الأولى) : وسيلة أو سبيل. و الثانية (في مثل الكرارة ما منّا جارة) : نفع أو مصلحة مفيدة، و المثل يعني أن الثرثارة لا يرجى منها نفعاً.

فصط : داخل، جوّا. صوج : كلمة تركية تعني ذنب أو إثم. جرْكَ : أعطب ، عطّل . جارَ فعل ماضي من يجور، المصدر : الجور أي التضييق الظالم.

جهاد الدين رمضان

جهاد الدين رمضان، محامٍ وكاتب مستقل من سوريا. مُقيم في النمسا حالياً بصفة لاجئ. أكتب القصة القصيرة والمقال ومُجمل فنون أدب المدونات والمذكرات والموروث الشعبي. نشرتُ بعض أعمالي في عدد من المواقع ومنصات النشر الإلكتروني والصحف والمجلات الثقافية العربية. لاقت معظمُها استحسانَ القراء و لفتت انتباه بعض النقاد لما تتسم به من بساطة في السرد الشيق الظريف و أسلوب ساخر لطيف؛ مع وضوح الفكرة وتماسك اللغة وسلامتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى