لا تحشّ

من طرائف لهجة حلب *

0

 

ينشأ الطفل في حلب على سماع حرف الألف / الهمزة بدلاً من القاف في كل المفردات، و ابدال الألف / الهمزة بالقاف، لغة يتميز بها أهل حلب أكثر من غيرهم في باقي مناطق الشام، و رغم أن قسماً كبيراً من أهل الريف الذين سكنوا مدينة حلب يلفظون القاف قافاً، فإن أولادهم ينشؤون على سماعها ألف مفخمة أو همزة في الشارع، و هكذا يميزون بين لفظ القاف في البيت مع أفراد الأسرة، و بين لفظها ألف مفخّمة / همزة في الشارع مع أولاد الحارة، و على هذا الأساس يتصرفون و يصرّفون ألفاظهم.

في المدرسة يكتشف معظم الأطفال – ذوي الأصل الحلبي خصوصاً – بأن حرف الألف المهموز أو الهمزة في الكلمات التي حفظوها غيباً و بالفطرة أصله حرف القاف الصريح ، و يجب ابداله في القراءة إلى أصله، كأن يقرأه قال في كلمة (آل)، و قلبي في كلمة (ألبي) ، و هكذا دواليك.

بالنسبة لي لم أُعاني من هذه الإشكالية، فأهلي يلفظون حرف القاف على أصله، و أتقنت ابداله بالألف المفخمة أو الهمزة عندما أتحدث مع رفاقي من أهل مدينة حلب، و أنهيت دراستي المدرسية بنجاح و سلام ، ثم صرت “معلماً وكيلاً” في سنتي الدراسية الأولى في جامعة حلب، و في أحد زياراتي لبيت أحد الأصدقاء، عرفني صديقي على اخوته الصغار بأنني استاذ مدرسة عن حق و حقيقي ، و طلب من صغيرهم أن يسمعني انشودة “الأرنب” المقررة في كتاب القراءة و الأناشيد المدرسية للصف الثاني الابتدائي على ما أذكر، أو ربما الصف الأول الابتدائي .

أخرج الطفل الصغير كتابه المدرسي من حقيبته، و فتحه على الصفحة التي تحتوي على النشيد، أعطاني إياه و قال لي بكل فخر و اعتزاز :
– اتسمعلي النشيدة ع الغايب يا استاذ.
قلت له هات يا حباب. و بدأ ينشد :
أفز (قفز) القرنب (الأرنب) خاف القرنب
كنت أريباً (قريباً) منه قلعب (ألعب) …

داهمني الضحك حال سماعي هذه المفردات العجيبة الناجمة عن إشكالية لفظ حرفي الألف بهمزة و القاف، فقد ظن الصغير أن العلاقة بينهما عكسية، فلفظ حرف الألف المهموز قافاً و هذا لا تجيزه أي لغة أو لهجة محكية. بعد أن هدأت نوبة الضحك شرحت له الفرق بين الحرفين، و علمته كيف يلفظهما في الكتاب و في الشارع …
ذكرتني هذه الحادثة بدعابة مقصودة فعلها أحد زملائي في الصف الثالث الثانوي بمدرسة “الشهداء” في درس العربي، كان زميلي مصطفى “صطيف ” حلبياً أصيلاً ، و يلفظ لهجة حلب على أصولها و بسلاسة و يسر ، و كثيراً ما أضحكنا بألفاظه الحلبية القحّة الطريفة. في ذلك اليوم طلب منه استاذنا المرحوم “محمد العمر” أن يسمعه قصيدة جرير في رثاء زوجته المشهورة بمطلعها (لولا الحياء لهاجني استعبار)، و الاستاذ العمر – رحمه الله – أديب رصين عالم في اللغة العربية و فقيه، لكنه يتقبل المزاح الخفيف الظريف و لا يعاقبنا عليه، خرج “صطيف” من مقعده و وقف أمامنا و ظهره للأستاذ، تنحنح قليلاً ثم انطلق يقول :
لولا الحياء لهاجني استعبار
و لزرت أبركِ (قبرك) و الحبيب يزارُ
و لأد (لقد) أراكِ كُسيتِ أجملَ منظرٍ
و مع الجمال سكينةٌ و وآرُ (وقارُ)
و الريح طيبة إذا استأبلَتْها (استقبلتها)
و العرض لا دنسٌ و لا خوّارُ…
“كفى، كفى ” ، صرخ الاستاذ محمد بصوت عالٍ مقاطعاً زميلنا صطيف بينما انقلب الدرس إلى هرج و مرج و تعليقات ساخرة و ضحك كثير.
قال له : لك يا ابني مصطفى، انت قاعد في ” استئبال “** ولّا في “عزا” ؟ و الله لو سمعك جرير لانتحر فوق قبر حبيبته في الحال !.


لم أعرف بأنني سأُحرم من سماع لهجة حلب، بعد أن قذفتني الأمواج و أرسلتني الأيام إلى بلد اجنبي غريب، أتعلم لغته في المدرسة بصعوبة كأنني تلميذ مستجد، نجحت في أول صف إلى ثالث صف، و في الرابع تراجعت و فشلت، لكنني نجحت في التعرف على زميلة بعمري من حلب، كانت تدخن مثلي و تحب شرب القهوة في الفرصة بين الدروس، فكنت أتسامر معها و نتبادل ضيافة القهوة و بعض الحلوى و السجائر، و نسرح في عالم الذكريات الجميلة في حلب.

في أحد الأيام ضيفتني قطعة “كاتو” صغيرة و لذيذة ،اكلتها بنهم، و قلت لها : هاتِ كمان.
اعطتني قطعة ثانية و قالت لي : لا تحشّ .

ضحكت من كل قلبي بمجرد سماع هذه المفردة الحلبية بامتياز، رأيت نفسي طفلاً في مدرستي الابتدائية اتقاسم لفافات “الزيت و الزعتر” و “ميّة الفرنجي” و “الجبنة المشلشلة “مع الزملاء الصغار ، و كلما نهش أحدهم لقمة كبيرة من لفافة الآخر، يقول له : لا تحشّ .

هذه الكلمة نكأت جراح الشوق في روحي، و رأيت روحي تهيم في حب بلدي حلب و في شوارعها ، فأنشدتها قائلاً :
هل إلى لؤياكِ (لقياكِ) جارة؟
و أد (قد) أشعلتِ فصط الألب (القلب) نارا
آ خيتو ما على العُشّاءِ (العشاق) صوجٌ
إذا ما جرّكهم الحب، و جارَ ***
ضحكتْ زميلتي الحلبية من قلبها، و ظنت أنني أتغزل بها، فقالت بغنج و دلال : لأ، ما في جارة. انت واحد ختيار كرّار، ما منك فايدة غير الكرّ، و الكرّارة ما مِنّا جارة…
تأسفت على هذا الصد الصريح، و رجوت ربي ألا تصدني حلب مثلما فعلت زميلتي الحلبية، و تأملت أن يقسمَ لي ربي العودة إلى ترابها، و سماع الفرح في أرجائها …


*النص من وحي مذكراتي، و كلمة (حشّ) تعني في لهجة حلب الأكل بكثرة و طمع و نهم و شراهة. 
**الاستقبال (الاستئبال) : عادة حلبية خاصة بالنساء، يجتمعن في بيت إحدى الجارات بصفة دورية، و يتبادلن أطراف الحديث مع الشراب و الطعام و الحلوى و غيره.
***مية الفرنجي : دبس البندورة أو معجون طماطم، عصير البندورة يجفف حتى يصبح مركزاً مثل المعجون. الجبنة المشلشلة : نوع من انواع الجبن يصنع على شكل خيوط مجدولة مثل ضفائر شعر البنات. جارة (الأولى) : وسيلة أو سبيل. و الثانية (في مثل الكرارة ما منّا جارة) : نفع أو مصلحة مفيدة، و المثل يعني أن الثرثارة لا يرجى منها نفعاً . فصط : داخل، جوّا. صوج : كلمة تركية تعني ذنب أو إثم. جرْكَ : أعطب ، عطّل . جارَ فعل ماضي من يجور، المصدر : الجور أي التضييق الظالم .

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.