تحليل اللغة ومفهوم المعنى عند “هانز ريشنباخ”

0

 

لقد رأيت أن أقدم للقارئ بعض الخلاصات لدراسة للدكتور حسين علي حول فلسفة هانز ريشنباخ الصادر عن دار المعارف. القاهرة . ط1. 1994. والدراسة تناول موضوع تحليل اللغة تحليلا منطقيا.

يرى ريشنباخ أن اللغة هي المشكل الطبيعي للمعرفة، ولذا لابد من دراستها . ودراستها يتم بواسطة الرموز symbols ، و تكور الرموز هي الموضوع الأول للحث الإبستمولوجي. فما هي الرموز أولا ؟
يقول ريشنباخ إن الرموز هي أشياء أو أجسام فيزيقية كخطوط المداد على الورق أو كالموجات الصوتية . فالرموز المستخدمة في الكتب تتألف من مساحات من المواد، في حين رموز الكلام المنطوق تتكون من موجات صوتية. وما يصدق على الرموز يصدق كذلك على ما يسمى بالطريقة الرمزية التي يتم التعبير بها من خلال رفع الرايات والأعلام أو الصلبات أو أنواع مختلفة كالتحية بواسطة التلويح باليد . فهي جميعها أجسام وعمليات فيزيائية . وبجانب هذه الصفات الفيزيائية صفة أخرى للرموز يطلق عليها عادة اسم “معنى” الرموز (‍1).
إذن فما معنى “المعنى “؟ يقول ريشنباخ إن المعنى هي تناظر crrespondance معين بين الرموز والوقائع

وبعبارة أخرى إن المعنى عند ريبشنباخ هو تناظر أشياء فيزيائية مع أشياء فيزيائة أخرى. وهذا التناظر لا يرتكز على أي تشابه مبني على اصطلاح (CONVENTION) . مثال ذلك أن لفظ أحمر يناظر صفة الاحمرار (‌2) .

وتتجمع العلامات أو الرموز على نحو ما من شأنه أن يكون (بضم الياء ) تجمعات معينة تسمى بالقضايا . وقد تكوذ القضية صحيحة وفق هذا التناظر. مثال ذلك إن القضية ” البيت أحمر ” تكون صحيحة إذا كانت تناظر حالة واقعية فعلية . وهناك قضايا أخرى ( تجمعات أخرى للعلامات ) غير صادقة إذا كانت تناظر حالات غير واقعية (3) .

فلفظ قضية عند ريشنباخ ليست مرادفة للفظ جملة وإنما يستخدم مرادف “وضع”SITUATION. فالرموز عند ريشنباخ ينقسم إلى وحدات رمزية (قضايا ) ، وفي رأي ربيشنباخ فإنها ذات طابع ذري ATOMIC لماذا ؟ لأن البناء الداخلي للغة مماثل لبناء الذرة لفيزيائية. فالقضايا هي ذرات لغوية . و القضية الوحيدة البسيطة هي الحد الأدنى من الكلام المفهوم لأن القضية الصحيحة هي التي لها معنى.
وعلى حد تعبير فيتخنشتين (1889-1951) فإن القضية ليست خليطا من الكلمات ، كما أن المقطوعة الموسيقية ليست خليطا من النغمات ، بل القضية هي ما يفصح عن شيء ، أي ما يكون له معنى على مستوى الواقع(4).

يكافئ المناطقة الجدد مفهوم” المعنى” بمبدأ “إمكان القابلية للتحقيق” (=للتحقق). والسؤال عن المعنى و عن مبدا القابلية للتحقيق يمثل مشكلا أساسيا في نظرية المعرفة ( الإبستمولوجيا )، وهو يبحث عن الشروط التي إذا توفرت كان للقضية معنى أي معنى دال على مدلول ( الواقع )، ويبحث السؤال كذلك في ما إذا كانت القضية صادقة أم كاذبة (5) .

والحديث عن مبدأ القابلية للتحقيق( أو التحقق) الذي بنت عليه حلقة فيينا مشروعها ليس حديثا في فلسفة العلوم، بل قال بها التجريبيون في جميع العصور. يقول ريشنباخ “وعلى الرغم من أن العقلانيين قد اعتقدوا أن هناك معاني في ذاتها (في العقل) ، فإن التجريبيين في جميع العصور قد أكدوا أن المعنى تتوقف على قابلية تحقيقها (6) . و في رأي الوضعيين المناطقة أن هناك ثلاثة مفاهيم للمعنى :
أولا : المفهوم البنائي كما يستخدم في الرياضيات والمنطق
ثانيا : المفهوم التجريبي كما يستخدم في العلوم التجريبية
ثالثا : المفهوم الانفعالي كما يستخدم في الفن والشعر
ففي هذه المقالة نحن نتحدث عن المفهوم التجريبي دون غيره لسبب وحيد هو أن المناطقة الجدد تجريبيون ويرفضون الميتافيزيقا.

ويقسم رودولف كارناب ( أحد أقطاب حلقة فيينا وأكثرهم إنتاجا وفكرا ) العبارات ( القضايا ) إلى ثلاثة أنواع :
1- عبارة تتبين صدقها أو كذبها من صورتها ( وهي تحصيل حاصل عند فتخنشتين ، وتشبه الأحكام التحليلية عند كانط). فهي لا تقول شيئا عن الواقع الخارجي .
2- نفي هذه العبارات السابقة (وهي قضايا التناقض عند فيتخنشتين، لذا يتبين كذبها من صوتها(7).
3- عبارات تجريبية تتعلق بمجال العلوم التجريبية . فهي قد تكون صادقة أو كاذبة . وينتهي كارناب إلى أن أي عبارة لا تدخل في أحد هذه أنواع تكون تلقائيا خالية من المعنى(8).‌
لقد أدرك آير Ayer(أحد رواد حلقة فيينا ) مبكرا وجاهة الاعتراضات التي قدمت على نظرية إمكان التحقيق في الصياغة التي صاغها كل من شليك وكارناب وهمبل ونويرات …
تحدث آير عن التحقيق القوي والحقيق الضعيف مما يعني أن التحقق سيكون احتماليا (9) ، ومن هنا تأتي النظرية الاحتمالية للمعنى. وإذا كان مبدأ التحقيق أساسيا في مشروع رواد حلقة فيينا فإن كارل بوبر قد رفضه رفضا قاطعا وأعطى البديل ، وكان البديل هو مبدأ التكذيب ( تكذيب الفرضيات ).

أما ريشنباخ فقد رفض بدوره مبدأ التحقق ودافع بدلا من ذلك عن النظرية الاحتمالية للمعنى والتي تقول إنه يكون للقضية معنى إذا كان من الممكن تحديد درجة احتمالها . وقد يكون للفضيتين نفس المعنى إذا كانت لهما درجة احتمال واحدة بواسطة كل ملاحظة ممكنة . وهكذا خالف ريشنباخ فلاسفة حلقة فيينا فيما يتعلق بمبدأ القابلية للتحقيق (10) مما يستدعي ربط علاقة بين هذه النظرية بالمنطق المتعدد القيم. فالقضية عند الوضعيين الجدد ليست من الضروري أن تكون صحيحة أو كاذبة فقط(إما وإما ) بل صحتها أو خطأها يتأرجع بين الطرفين ( طرفا الصحة والكذب للقضية ) . فهي تارة قد تكون محايدة و وتارة قد تميل إلى الصدق وتارة أخرى قد تميل إلى الخطأ .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش
* ولد هانز ريشنباخ في مدينة همبورغ الألمانية عام 1891 ، درس الفلسفة والفيزياء وعين محاضرا في برلين عام 1926 وفي جامعة كاليفرنيا من 1938 حتى وفاته 1956.
(1) دكتور حسين علي .فلسفة ريشنباخ .دار المعارف. لقاهرة . ط1. 1994.ص 85
(2) ن. م. ص 86
“3)ن. م . ص87
(4) ن.م. ص 88
(5) ن. م. ص89
(6)ن.م. ص 89
(7)ن.م.ص92
(8)ن.م . ص92
(9)ن.م. ص97
(10)ن.م. ص 104

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.