هولغر غزيلا: الآرامية والعربية، تفاعل لغوي وثقافي طويل

0

 

يعد البروفيسور هولْغَر غزيلا (Holger Gzella) من جامعة لايدن الهولندية واحدا من الأسماء اللامعة في حقل الدراسات الآرامية في الأوساط الأكاديمية الغربية. وقبل تخصصه في هذا المجال، درس اللغات الكلاسيكية (اليونانية القديمة واللاتينية) والساميات والآشوريات في بلده الأم ألمانيا وجامعات أوروبية أخرى.

صدر له عشرة كتب حتى الآن، نذكر منها: “لغة العالم الأولى: تاريخ الآرامية” (2017، بالهولندية)، “التاريخ الثقافي للآرامية من البدايات حتى ظهور الإسلام” (2015، بالإنكليزية)، “المعجم الآرامي” (2016، بالألمانية)، و”الآرامية في إطارها التاريخي واللغوي” (2008، بالإنكليزية)، علاوة على عشرات المقالات العلمية والمنشورات المتنوعة في الصحف الجامعية. يمكنني تشبيه الرجل، وقد عرفته شخصيا لسنوات ست، بذلك الجيل من المستشرقين الألمان من القرن التاسع عشر (نولدكه، فلهاوزن، بروكلمان) الذين تمتعوا بمعرفة موسوعية جوهرها الرصانة الأكاديمية البعيدة عن تقديم مقولات جاهزة أو نظريات تلفيقية. فهو حذر مثلهم في تعامله مع التراث، ويؤْثِر المقاربة النصية الفقه-لغوية على سواها.

يتناول هذا الحوار نقاطا عدة تخص تاريخ الآرامية وعلاقتها بالعربية، أدبا وثقافة على مدار قرون طويلة.

* بداية، قد يوجد التباس لدى بعض القرّاء العرب حول صلة القرابة بين الآرامية والعربية. هل يمكنك إيضاح هذه النقطة في سياق ما يعرف بعائلة اللغات الساميّة؟

يمكن القول أن الآرامية بمثابة ابنة عم للعربية، وليست شقيقة مباشرة، فاللغتان ساميّتان غربيتان، لكن الآرامية تنتمي إلى الفرع “السامي الشمالي الغربي”، أو “لغات بلاد الشام القديمة” بالمعنى الجغرافي، والتي تضم أيضا الأوغاريتية واللغات/اللهجات الكنعانية (الفينيقية، العبرية القديمة، الموآبية، والعمونية). تتسم الساميات الشمالية الغربية بمظاهر لغوية تميزها عن باقي فروع الساميّة، منها على سبيل المثال انقلاب واو الاسم الابتدائية ياءً، فكلمة “وَلَد” في السامية الأم المفترضة (Proto-Semitic) أصبحت “يَلَد” في الساميات الشمالية الغربية، وكلمة “وَعل” أصبحت “يَعِل” (لاحظ أن العربية حافظت على الصيغتين الأصليتين، لكن هذا لا يعني أنها أقدم بالضرورة).

* متى انبثقت الآرامية وكيف تطورت في مراحلها المبكرة؟

تعود أقدم النصوص الآرامية إلى القرن التاسع قبل الميلاد (معاهدات ونصوص تذكارية)، حين انتقلت المجتمعات/القبائل الآرامية إلى مرحلة أكثر تعقيدا ونضجا، فتشكلت الدويلات أو الإمارات الأولى: (1) إمارات الجزيرة السورية والفرات الأوسط (تيمانا، بيت بحياني، بيت زماني، بيت عديني)، (2) إمارات سورية الشمالية (بيت أجوشي، يأدي)، (3) إمارات سورية الوسطى والجنوبية (حماة، دمشق، صوبا، رحوب، ومعكا). وكان لا بد من الكتابة للتعبير عن احتياجات المجتمع ومآثر الملوك وحملاتهم وإنجازاتهم، ولا شك في أن التجارة البينية والإقليمية لعبت دورا محوريا. أما تاريخ اللغة قبل تلك الفترة فما زال مجهولا. ويمكننا نظريا افتراض تشكلها (المرحلة الشفاهية) في فترة ما من الألف الثاني قبل الميلاد. لم تعمّر الإمارات الآرامية طويلا، فقد انتهت بتوسع الإمبراطوية الآشورية الحديثة، التي ما لبثت أن فرضت سيطرتها على بلاد الشام بعد صراع مرير.

* ثمة مؤرخون يتبنون “النظرية المناخية”، أي أن التغيرات المناخية الكبرى أثرت على البنى الحضارية سلبا أو إيجابا، فأدت في بعض الحالات إلى انهيار حضارات برمتها. أميل شخصيا إلى هذه النظرية. هل تعتقد أن الجفاف الذي شهده الحوض الشرقي للمتوسط في نهايات عصر البرونز (ما يعرف بالجفاف الميقيني) قد أثر على المعادلة الإقليمية ودفع بالآراميين من البوادي السورية إلى بؤرة المشهد الحضاري؟

لا يمكنني الجزم بأثر المناخ، فهذه النظرية ليست محل إجماع حتى الآن، لكنني أعتقد أن الفراغ السياسي الذي شهدته سورية عقب الصراع الحِثّي-المصري (انهيار الإمبراطورية الحثية وتقهقر مصر إلى حدودها التقليدية) أدى إلى اندفاع اﻵراميين من مواطنهم الأصلية في البادية السورية، حيث تمكنوا تدريجيا من تأسيس تشكيلاتهم السياسية الأولى. إنه لمن المستحيل أن تولد هذه الدويلات (أو الفسيفساء السياسية) في ظل وجود إمبراطورية مركزية قوية، كالحثية. وهكذا تطورت الآرامية بمرونة من دون أي تحّكم مركزي من قبل الدولة. ويمكننا تشبيه تنوعها اللغوي في تلك الفترة بالتنوع اللهجوي للعربية في بلاد الشام والعراق حاليا.

* ترى النظرية التقليدية أن مصطلح الآرامية مشتق من اسم الجد القبلي “آرام”. ما مدى دقة هذ التفسير؟

لا يوجد قبيلة في النصوص الأصلية (الوثائق الأكادية أو الآرامية ذاتها) بهذا الاسم. والمساعي النَسَبية-الإيبونيمية (سلف أعلى يدعى آرام) غير علمية، ولا تختلف عن القول بأن العرب انحدروا من جد أعلى يدعى يعرب. تنتمي هذه الإطروحة إلى ما يعرف بـ “التأثيل الشعبي” (folk etymology)، أي تفسير أسماء الشعوب والأماكن وفق التصور النَسَبي (السّامية نسبة إلى سام بن نوح وقبيلة تغلب لأنها غلبت بقية القبائل، إلخ)، وهي بالتالي بعيدة عن المنهج العلمي ومنطق اللغة المقارن. يُعتقد أن اسم “آرام” جغرافي، كان يدل على مناطق البادية السورية (أو على منطقة محددة فيها). لكن لا يمكننا الحسم بشأن جذره اللغوي. وكما تعلم، فقد قدّم ليبينسكي (Edward Lipiński) أطروحة مفادها أن الاسم “آرام” هو جمع التكسير للفظ السامي المشترك “رِئم” (يعني “ثور” بالأكادية والساميات القديمة، و”الغزال الأبيض” بالعربية) في سياق نظريته حول الأصل الطوطمي لأسماء الأشخاص في السّاميات القديمة، والتي يرى بموجبها أن الآراميين الأوائل اعتقدوا بانحدارهم من الثور لأنه شائع في منحوتاتهم وفنونهم. في الواقع، لا يوجد برهان لغوي قاطع على هذا الطرح. وقد كتبت أنت ردا مقنعا عليه في أطروحتك للدكتوراه كما أتذكر.

* يعد الأدب الآرامي من أغنى الآداب الساميّة (وربما العالمية) وأكثرها تنوعا، هل لك أن تحدثنا عن بداياته وملامح تطوره؟

لا يمكننا الحديث عن الأدب بالمعنى الصرف (مؤلفات شعرية ونثرية رفيعة المستوى) قبل منتصف الألف الأول قبل الميلاد (الحقبة الأخمينية)، فالنصوص السابقة، كالمعاهدات والنصوص التذكارية، تحمل بذورا أدبية بسيطة متجذرة في التراث الشعبي القديم (الشفاهي)، على سبيل المثال، نقرأ من صِيَغ اللعن: “عسى أن ترضع مئة شاة حَمَلا، فلا يشبع. عسى أن ترضع مئة بقرة عِجْلا، فلا يشبع. عسى أن ترضع مئة امرأة طِفلا، فلا يشبع” (نقش تل الفخيرية، قرب الحسكة)، أو “ليصُبّ (الإله) هَدَد كل ضُروب الشرّ في الأرض والسماوات وكل ما هو عمل (سيئ)؛ وليمطر (مملكة) أرفاد بحجارة البَرَد” (معاهدة السفيرة، قرب حلب). اللغة المجازية واضحة في هذين المثالين. تطور الأدب فيما بعد، ليتخذ شكلا تربويا يهدف إلى تثقيف أبناء النخبة والكَتَبة والمقربين من البلاط (هنا ينطبق المصطلح العربي “أدب” من التأدب). خير مثال على هذا هو كتاب “أحيقار” (موازيه العربي هو لقمان في القرآن)، الذي يعد من أقدم النصوص الأدبية الآرامية الكاملة، وقد عثر على المخطوط في جزيرة الفيلة المصرية (العصر الأخميني). يتألف هذا العمل من جزأين: قصة أحيقار والأمثال. وثمة جدل حول أصل الأمثال، فيما إذا جاءت من سورية أو العراق. من وجهة نظري، تبدو أقرب إلى التراث السوري، تحديدا التقاليد الشفاهية الشعبية (لنقل الأدب البراغماتي مجازا). أما لغة النص، من ناحية السبك والأسلوب، فرفيعة. يمككني مقارنة هذا المؤلَّف وأمثاله ببعض الأعمال الموسيقة الألمانية من القرن التاسع عشر، المبنية على ثيمات من الفولكلور الشعبي، كـ “الرقصات الهنغارية” لبرامز، وهو عمل مستوحى من التراث الهنغاري كما يستدل من العنوان، لكنه مصاغ وفق رؤية موسيقية فخمة وحديثة تعكس تقاليد المدرسة الكلاسيكة.

بالإضافة إلى كتاب أحيقار، ثمة عملان آخران مهمان بالآرامية، هما سِفرا “دانيال” و”عزرا” من العهد القديم، ويبدو أنهما من فترة أحدث نسبيا. يختلف هذان السفران عن بقية الأسفار الأخرى ذات الطابع المحلي ببعديهما العالمي، فهما مكتوبان بلغة رفيعة بلاغيا، غنية بالمجازات والاستعارات. وهذا مفهوم طبعا، فقد صِيغا في فضاء إمبراطوري “معولم” شهد تثاقفا أدبيا وفلسفيا مميزا.

* هذا بخصوص الأدب الآرامي القديم. لننتقل الآن إلى الفترات اللاحقة، كالأدب السرياني الكلاسيكي

بداية، لا بد من توضيح مسألة مهمة: السريانية بالمعنى الدقيق هي لغة النصوص الدينية من العصور القديمة المتأخرة (Late Antiquity). لم تكن لغة الكلام اليومي (لسان). ولا يجب الخلط بينها وبين ما يعرف بـ “السريانية الحديثة”، وهو مصطلح عام يدل على اللهجات الآرامية الشرقية المحكية حاليا في مناطق متفرقة من العراق والجزيرة السورية وجنوب تركيا. يمكن مقارنة السريانية الكلاسيكية بالعربية الفصحى (لغة الأدب والتعليم والثقافة والدين، لكنها ليست لغة التواصل اليومي). تشكّلت السريانية مع انتشار المسيحية في الشرق، وتعد آدابها الأكثر أصالة ونضجا بالمقارنة مع الأعمال المذكورة أعلاه، إذ يتخللها صور واستعارات ثريّة (النساء، الخمور، تمثيلات الجنة، إلخ). تتمحور هذه الأعمال، من شعر وابتهالات ونثر، حول سِيَر القديسين وشخصية السيد المسيح (على سبيل المثال، كتابات ابن ديصان/بارديصان من القرن الثاني الميلادي؛ أفرام السرياني من القرن الثالث؛ إسحاق الأنطاكي من القرن الخامس؛ ويعقوب السروجي من القرن السادس). شعريا، هذا المؤلفات موزونة بلا شك، لكن ليس على طريقة بحور الشعر العربية، بل مقطعيا (توازي مقاطع شعرية أو وحدات) مع غياب ملحوظ للقافية.

أما بخصوص الأدب اللا ديني، أو الدنيوي إن صح التعبير، فهو موثق في الأعمال المندائية (لغة الصابئة)، كأغاني الأعراس والاحتفالات، ومعظمها غير مدروس للأسف. وكذلك في بعض النصوص السامرية (نسبة إلى الطائفة السامرية في فلسطين) والحكايات الشعبية المدونة بـ “الآرامية الفلسطينية المسيحية” (انتشرت في فلسطين بين القرنين الخامس والثالث عشر).

* لقد تناولنا مسألة الأصل المشترك للآرامية والعربية في مطلع هذا الحوار. هل لك أن تشرح لنا بدايات التفاعل اللغوي والثقافي بينهما؟

ثمة فرق بين اللسان (المنطوق) ولغة الكتابة. وكما هو معروف، فقد تطور الخط العربي عن سلفه الآرامي-النبطي، ما يعكس فجوة بين اللسان والنص. يمكنني في هذا السياق تشبيه واقع العربية في فتراتها الأولى باللهجات المعاصرة. بمعنى آخر، العربية كلسان قديمة، لكنها لم تعبر عن ذاتها بالحرف العربي، أي لغة دولة ومؤسسات، إلا في فترات متأخرة (العصر الإسلامي). طبعا، ثمة الآلاف من النصوص العربية القديمة المنتشرة في بوادي الشام والجزيرة، لكنها مدونة بخطوط مختلفة، معظمها تطور عن المسند اليمني (كالنصوص الصفائية والحسمائية). تتسم هذه النصوص بالبساطة، إذ يغلب عليها الطابع الشخصي التذكاري والدَعَوي (ابتهالات قصيرة). لكن، لا يوجد معاهدات أو وثائق تجارية وعقود، كما هو حال الآرامية، التي تم تبنيها من قبل دول وإمارات عدة، أهمها المملكة النبطية، حيث أخذ التفاعل بين اللغتين درجة متطورة. أضف أنه قد تم العثور على نصوص آرامية في واحات الجزيرة العربية من العصر البابلي الحديث (عهد نبوخذ نصّر، الذي كانت أمه آرامية من حرّان) وأخرى من العصر الأخميني. بمعنى آخر، تاريخ الآرامية في الجزيرة قديم جدا. الكتابة ليست مجرد رصف أحرف، إنما عبارات ومفاهيم، وعندما يتبنى شعبٌ خطّا أو حرفا آخر، فإنه يتبنى مفاهيم ومصطلحات بطبيعة الحال. هذا هو واقع العلاقة بين العربية واﻵرامية. باختصار، شكّلت الآرامية دعامات انطلاق العربية كلغة نصيّة، وقد لعبت مملكة الأنباط، حيث كانت أكثرية السكان من العرب، الدور الأهم في هذا السياق.

* ثمة أسماء أشخاص وآلهة عربية في تدمر والحَضَر وأورفا ومناطق أخرى من العصر الروماني. هل هذا دليل على انتشار العربية هناك؟

لا يمكن الحسم بهيمنة العربية في المناطق التي ذكرت، فالأسماء تهاجر كما تعلم وليست دليل انتشار عرقي. هنا يأتي دور الدين والثقافة. الأسماء تهاجر مع الأفكار. ولتلافي التعميم في حالة شرقي المتوسط في العصر الروماني، يمكننا الحديث عن مجتمعات ثنائية اللغة، آرامية-عربية، في سورية الوسطى والشمالية، مع أكثرية عربية في الأردن وشمال الجزيرة العربية (الأنباط).

* لننتقل من العالم الهلنستي-الروماني إلى العصور الإسلامية الباكرة. ما هي ملامح التفاعل بين الآرامية والعربية آنذاك؟

قبل الخوض في التفاصيل، أرغب في تقديم تمهيد تاريخي يوضح الأمر: في الفترات ما قبل الإسلامية كانت الآرامية أكثر انتشارا في أرياف الشام والعراق وفلسطين (لغة الأديرة والكنائس الصغيرة)، في حين سادت اليونانية في المراكز الحضرية، حيث المجتمعات الهلنستية والرومانية، ثقافيا أو عرقيا. وهذا يفسر كتابة الأناجيل باليونانية، وبالتالي يوضح سبب انتشار الكنائس اليونانية في بلاد الشام في وقتنا الراهن.

إذن، عند انتشار الإسلام كانت الآرامية واليونانية تتصدران المشهد الثقافي. وكما نعلم، لم تبدأ حركة التعريب إلا في عهد عبد الملك بن مروان (فترة متأخرة نسبيا). لعبت السريانية، لغة النصوص الدينية كما أسلفنا القول، دور الوسيط الثقافي بين اليونانية والعربية. وتدريجيا، مع توطّد الخلافة في الشام، تشكلت نخب إسلامية (عربية الأصول أو متعرّبة) توّاقة إلى اكتشاف المعارف والعلوم السابقة، وقد كانت الترجمة من لغة نسيبة، كالآرامية، الحل الأمثل (الترجمة من الإنكليزية إلى الألمانية، وهما نسيبتان، أسهل بكثير من الترجمة من الصينية إلى الألمانية). في هذا السياق، لعبت الأديرة المسيحية الآرامية في القرن السادس الميلادي دورا أساسيا في حركة الترجمة من اليونانية إلى السريانية، ولاحقا إلى العربية. وهذا مبرهن من خلال المصطلحات الفلسفية والطبية وسواها. ولعل المثال الأهم هنا هو دير قِنّسرين جنوب حلب (يعني بالآرامية “قِن، عش النسور”). مع مرور الوقت، تمثّل المسلمون علوم العصر وطوّروها.

* هل لنا أن نفترض التحاق بعض أبناء النخبة العربية الإسلامية بالأديرة الآرامية؟ أفكر حاليا بما حدث في عصر النهضة العربية في بلاد الشام في أواخر العصر العثماني، حيث درس العديد من العرب المسلمين في الأديرة والمدارس الكنسية!

نعم، تبدو هذه المقارنة صائبة.

* بالعودة إلى الإسلام الأول، وتحديدا القرآن، لقد قدّم “كريستوف لوكسنبورغ” نظرية مثيرة للجدل تقوم على القراءة السريانية للقرآن. ما تقييمك لها لغويا وتاريخيا؟

لم أقتنع شخصيا بهذه النظرية، فهي تفترض وجود نص ما قبل قرآني بالسريانية، وذلك بموجب إعادة استقراء النص القرآني الصامت، وبالتالي تتجاهل مسألة القراءات والتواتر والروايات حول تدوين المصحف. يفتقر هذا التفسير إلى المنهج العلمي الرصين. لأوضح لك الأمر بمثال بسيط: لنأخذ الآن أي مقال صحافي بالعربية ولنسقط أحرف المد والحركات والنقاط، ثم نعيد تشكيل الصوامت وتنقيطها وفق ما نشاء. أجزم أن بمقدورنا توليد نصوص عدة من هذا النص، مختلفة جوهريا عن بعضها بعضاً. أين المنهج العلمي وفقه اللغة المقارن هنا؟

* ألا ترى أن هذه النظرية تفتقر أيضا إلى الفهم الدلالي والتاريخي للقرآن؟

نعم، فيجب النظر إلى المصطلحات والمفردات وفق رؤية شاملة تأخذ بالحسبان السياقات المختلفة. إن وجود كلمات آرامية الأصل في القرآن (ملكوت، جُب، مدينة، إلخ) ليس بدليل على الأصل السرياني للنص على الإطلاق، فهذه الكلمات مُعرّبة كما هو حال الكلمات الفارسية والحبشية في القرآن. أضف أن النص نفسه يصرح بأنه “عربي اللسان”، بل وينخرط في تثاقف ديني واسع مع المذاهب المسيحية آنذاك، مؤكدا رسالته التوحيدية. بغض النظر عن المسائل اللاهوتية وتفسيراتها، الهوية العربية للقرآن واضحة.

* هل يوجد أدلة على تأثر متبادل بين الأدب السرياني ونظيره العربي في عصر الخلافة؟

لقد تأثر الأدب العربي في العصر العباسي بنظيره السرياني (ولا سيما النثر)، لكن لا دليل يثبت صحة العكس. ويمكن رد هذا إلى سببين: أقدمية الأدب السرياني وعراقته، وميله إلى المحافظة في مواجهة المد العربي.

* بالانتقال إلى عصرنا الحالي، ما هو واقع الآرامية لغة وثقافة؟

لقد أثر انتشار العربية على الآرامية وأدى تدريجيا إلى انحسارها واقتصارها على بقاع متناثرة أشبه بالجُزر في بلاد الشام والعراق (ثمة مجتمعات صغيرة أيضا في إيران وتركيا). لكن يجب الحذر هنا. لا أعتقد بطغيان العنصر العربي على الآرامي نتيجة الهجرات. بمعنى آخر، لم تبتلع القبائل العربية التي استقرت في حواضر الشام والعراق وبواديهما السكان الناطقين بالآرامية. ما حدث على الأرجح هو أن هؤلاء تبنوا اللسان العربي تدريجيا، أي تعرّبوا، باستثناء المجتمعات (او التجمعات) الأكثر تماسكا، حيث صمدت اللغة ونَجَت. وخير مثال على ذلك الصابئة المندائيون، فقد حافظ هؤلاء على تلاحمهم، وبالتالي على لغتهم وتراثهم لقرون عدّة (للأسف، باتوا مشتتين وقيد الانقراض حاليا). وهذا هو حال بقية الناطقين بالآرامية الشرقية في مناطق الجزيرة السورية وشمال العراق وطور عابدين في تركيا، حيث لعبت الكنيسة والشرائح الاجتماعية التي تشكلت حولها دورا أساسيا في الحفاظ على اللغة والنصوص الكلاسيكية (السريانية). والأمر ذاته ينطبق على القرى الثلاث الناطقة بالآرامية الغربية في القلمون: معلولا وبَخْعة وجُبعَدين. والمثير للاهتمام هو أن سكان جُبعَدين مسلمون سنة وليسوا مسيحيين، لكنهم فخورون بلسانهم الآرامي. وعلى الرغم من الانحسار الملحوظ للآرامية في بلاد الشام والعراق، إلا أن تأثيرها جلي في المعجم العربي (الفصحى واللهجات على حد سواء)؛ ولا سيما أسماء الحيوان والنبات والمصطلحات الزراعية والتجارية وأسماء الأشهر (فيل، شبّوط، جِرّي، ناطور، زبون، بهاق، بلّوط، برقوق، كانون، شباط، إلخ)، حيث انتقل بعضها عن لغات أقدم، كالأكادية.

استدراك

بعد هذا الحوار الشيّق والمفيد مع الأستاذ غزيلا، أود أن أتطرق بإيجاز إلى مسألتين توضيحيتين، هما (1) التقسيم اللغوي التاريخي للآرامية، (2) واقع الدراسات الآرامية في العالم العربي.

(1) التقسيم اللغوي التاريخي للآرامية

لقد آثرت تناول هذه المسألة في هذه الفقرة كي لا أرهق القارئ في أثناء الحوار.

يتبنى التقسيم المُجمَع عليه في الأوساط الأكاديمية خطا خماسيا تعاقبيا: 1- الآرامية القديمة (900-700 ق.م)، وهي لغة الإمارات السورية الأولى؛ 2- الآرامية الإمبراطورية أو الدولية (700-200 ق.م)، لغة النصوص اللاحقة، ولا سيما من العصر الأخميني؛ 3- الآرامية الوسطى (200 ق.م-200 ميلادي)، أي النصوص النبطية والتدمرية والحَضَرية (نسبة إلى مملكة الحضر “عربايا”) ونصوص دورا أورابوس، إلخ؛ 4- الآرامية المتأخرة (200-700 ميلادي)، وتضم النصوص السريانية القديمة والآرامية البابلية اليهودية (لغة التلمود البابلي) والآرامية الفلسطينية اليهودية (لغة التلمود الفلسطيني) والآرامية الفلسطينية المسيحية (لغة ما يعرف بـ “الروم الملكيين الكاثوليك” بين القرنين الخامس والثالث عشر)، وبعض النصوص السامرية (نسبة إلى الطائفة السامرية في فلسطين)؛ (5) الآرامية الحديثة، وهي المستخدمة حاليا في مناطق متفرقة من العراق وسورية وتركيا وإيران والمهجر.

في المقابل، اقترح كلاوس باير، أستاذ غزيلا، تقسيما ثلاثيا بديلا: (1) الآرامية القديمة (منذ البدايات حتى 300 ق.م)؛ (2) الآرامية الوسطى (حتى انتشار الإسلام والعربية)؛ (3) الآرامية الحديثة (حتى عصرنا الحالي). أما غزيلا شخصيا، فيعتقد أنه من الصعوبة بمكان تقديم تقسيم زمني صارم وفق السمات اللغوية، فتطور هذه اللغة الغنية حكمته عوامل جغرافية واجتماعية متنوعة.

أما التقسيم الجغرافي للآرامية إلى شعبتين رئيستين، شرقية وغربية، لكل منهما سماتها الخاصة، فمحل إجماع بين الباحثين. وقد اتخذ هذا الانقسام ملامحه الأولى في فترة ما من العصر الهلنستي:

(1) الآرامية الشرقية: انتشرت تاريخيا في العراق والجزيرة السورية ومناطق متفرقة من تركيا (طور عابدين تحديدا) وإيران (حول بحيرة أورميا وفي طهران)، وتضم السريانية الكلاسيكية والآرامية اليهودية (لغة التلمود البابلي) والمندائية (لغة الصابئة) ونصوص مملكة الحضر (عربايا)، وغيرها. وما زالت تنويعات الآرامية الشرقية محكية في أيامنا هذه، فإلى جانب المندائية (قيد الانقراض كما أسلفنا)، يوجد “السريانية الحديثة”، الأكثر انتشارا، وهي لغة الآشوريين والسريان والكلدان (لغويا، لا علاقة مباشرة تربطهم بالآشوريين والبابليين القدماء، فقد تكلم هؤلاء الأكادية، وهي لغة سامية شرقية. العلاقة بالتالي ذات طابع جغرافي ثقافي).

(2) الآرامية الغربية: انتشرت في باقي المناطق السورية (النصوص التدمرية على سبيل المثال) وفي الأردن (النصوص النبطية) وفلسطين ولبنان. لكنها انحسرت بشكل واسع، إذ لا يتكلمها حاليا سوى ثلاث قرى في ريف دمشق (معلولا، بَخْعة، وجُبعَدين).

(2) الدراسات الآرامية في العالم العربي

لا يمكن فهم تاريخ العربية وتراث المنطقة من دون أن نأخذ بالحسبان التفاعل الغني مع اللغات السامية وغيرها (اليونانية الفارسية، التركية، الكردية، إلخ). وفي هذا السياق، تشغل الآرامية موقعا جوهريا. ثمة القليل من المؤلفات العربية حول هذه اللغة، لكنها قديمة بعض الشيء ولا تقارَن بحال من الأحوال بما أُنتج في الغرب، لذا نحن بأمس الحاجة إلى تحديث المكتبة العربية ومواكبة العصر، وهذا جهد مؤسسات ودول بالدرجة الأولى.

أذكر من المؤلفات المهمة بالعربية بعض المعاجم وكتب الأدب التي أعدّت من قبل باحثين عرب ورجال دين سريان ضليعين بلغتهم (بعضها موجود على الرابط الآتي):

http://www.syriacstudies.com/AFSS/ktb_fy_altrath_alsryany/ktb_fy_altrath_alsryany.html

كذلك، لا بد من الإشارة إلى كتاب د. فاروق إسماعيل: اللغة الآرامية القديمة (جامعة حلب، 1997)، وهو عمل أكاديمي ممتاز.

أما بخصوص “كتاب أحيقار”، فأحيل القارئ إلى كتاب أنيس فريحة: أحيقار، حكيم من الشرق الأدنى القديم (الجامعة الأميركية في بيروت، 1962) وأطروحة ماجستير بعنوان: أحيقار ولقمان في الأدبين السرياني والعربي (إعداد هزار أبرم، جامعة حلب، 2008).

وأخيرا، لقد شهد العراق اهتماما خاصا بالدراسات الآرامية منذ 1970، فافتتحت أقسام لها في جامعة بغداد وغيرها، لكنها تدهورت بشكل ملحوظ مع الغزو الأميركي، لتعود وتنتعش مؤخرا.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.