منبرُنا

مشروع الارتباط العاطفي والراحة النفسية

يحتمل مفهوم الارتباط العاطفي تعريفات كثيرة وتحكمه خلفيات ثقافية مختلفة لكننا سنعتمد مفهوم “مشروع الحياة الزوجية” بمعنى ارتباط موثق بين ذكر وأنثى. هذا الارتباط يكون ناجحا بنسب مئوية مختلفة بحسب درجة التفاهم والتنازل بين الطرفين. إلا أن السمة الغالبة على هذا الارتباط في العقود الأخيرة هو الفشل أو عدم الاستقرار النفسي.


 ومن هذا المنطلق نتساءل: ما الغاية من الارتباط؟ ولماذا يؤول معظمه إلى الفشل؟

 هذا واحد من الأسئلة التي كثيرا ما شاع إثارتها في ظل الظروف الراهنة التي أصبح واقعنا اليومي يعيشها. وقد كثرت الإجابات المقدمة حولها لدرجة وقوع الخلط بين القول والفعل. وتماشيا مع الطرح نفسه، فهل ما يتم الإفصاح عنه هو بالضرورة ما يؤمن به الشخص امرأة كانت أو رجلا؟ أم أنه مجرد تداعيات يوهم بها الشخص الآخر ليحكم عليه بدرجة النضج والوعي؟


فكثيرا ما نصادف أشخاصا يناشدون ويحملون شعارات توحي بالوعي التام لواقع الارتباط، والذي من المفترض أن يكون قائما على شروط وأفعال لا على شعارات، والتي يمكن اعتبارها بمثابة بديهيات تيسر الانغماس في حياة مفعمة باستقرار نفسي جيد، ونجمل جل الشروط والأفعال فيما يلي.

ونصدّر الاحترام قائمة هذه الأفعال، باعتباره مفتاح نجاح أية علاقة، والمراد به: الاحترام المتبادل بين الطرفين، لا أن يقتصر على طرف واحد دون الآخر، فما تحبه لنفسك أحِبه لغيرك (شريكك)، فإن أردت أن تحترمك زوجك لابد أن تبادر إلى احترامها كذلك، لأنه مع انتفاء هذا المقوم فلا مجال للحديث عن علاقة ناجحة.

وفي المقابل حضور شرط الاحترام يمهد الطريق لاستحضار قيم أخرى دون الحاجة إلى طلبها كالثقة ، فالثقة هي الأخرى أساس سير مشروع الحياة العاطفية، فباحترامك لزوجك أو باحترامها لزوجها تستطيع أن تثق بها، لأنها أو لأنه على يقين من أنَّ مَن يحترم لن يقدر على فعل شيء يمس بالطرف الآخر، وبالاحترام أيضا يمكن أن نمر بقيمة أساس يحتاجها الطرفان معا، وهي الاهتمام.


فلا طعم لحياة زوجية دون اهتمام متبادل بين الطرفين. فالزوج مثلا يحتاج إلى وجود زوجه إلى جانبه في مواقف متعددة، للاهتمام به خاصة في الظروف الصعبة، (الصحية منها والعملية). الصحية: نسوق مثالا: لا قدر الله المرض، فالرجل يحتاج إلى من يناوله طعاما أو دواء أو كلمة طيبة على الأقل للرفع من معنوياته، والعملية، مثلا عندما يأتي متعبا من العمل أو واجه مشكلا به، فبديهي أن يحتاج إلى من يحن عليه ويلطف به ويوفر له أجواء الراحة.


ففي هذه الحال مثلا، فتلبية الزوج لاحتياجات زوجها، يزيد من قيمتها ويرفع من شأنها بالنسبة إليه. فطبعا نقصد الرجل السوّي، الذي يفهم أفعال زوجه فهما إيجابيا. ونقصي الزوج الأناني أو الاستغلالي. والشيء نفسه يقال عن الطرف الآخر، فهي الأخرى بحاجة إلى كل ذلك، فبقدر عطائه يزيد عطاؤها، وبقدر اهتمامه يزيد اهتمامها.


وبالعودة إلى تقدير المجهودات في ارتباطها بالاهتمام نقر بوجوبه. فمن يخدم الآخر (الزوج)، ويضحي من أجله، ويقوم بمجهود لإرضائه، فهو ليس مضطرا إلى ذلك، وليس واجبا عليه، بل تفضلا منه فقط وعربونا لحبه القوي للشخص ومكانته الرفيعة عنده هما حملاه على فعل ذلك. فكيف له أن يحتج بعذر معين ويتجاهل تقدير الطرف الآخر له؟ فالاعتراف بالجميل يحفز على العطاء الجزيل.


لذا لا بد من الالتفات إلى بعض الأمور البسيطة التي قد تبدو في ظاهرها تافهة، إلا أن لها شأنا كبيرا في تحقيق الراحة النفسية للطرفين معا. وغيابها يؤدي حتما إلى تهديد الراحة النفسية. ومن ثمة قد نتساءل: عن محل الصبر في الحفاظ على الاستقرار النفسي أو تخريبه. فالصبر حقيقة هو قيمة معنوية تحمل الآخر على التجاوز والترفع عن بعض الأمور التي تخلق مشكلا.


وبهذا المعنى فهو واجب نظرا لحرصه الشديد على استمرارية العلاقة العاطفية، إلا أنه منبوذ في أحيان أخرى عندما ينفذ بسبب معاناة الطرف الآخر من الإهمال العاطفي. الذي يغيب معه كل مقومات الارتباط، والتي نضيف إليها الحب والمودة، فبدونهما لا سبيل للحديث عن حياة سعيدة. فبقدر حبك للشخص تستطيع توفير حياة جميلة له قائمة على الشروط جميعها التي ذكرناها سالفا. من تضحية… فكل هذه الأفعال يرتبط الواحد منها بالآخر ارتباطا وثيقا.


فالراحة النفسية بهذا المعنى هي مزيج من الحب المتبادل والاحترام المتبادل والاهتمام المتشارك والتقدير المتبادل. فبالتزام الطرفين بهذه الأفعال، فيقين أنهما سينعمان براحة نفسية جيدة وحياة سعيدة. فهي أمور يسيرة ولا علاقة لها بعالم المثل كما يدعي ضعاف الشخصية.

فهي شروط قابلة للتفعيل وقادرة على حل جل المشاكل التي من شأنها أن تؤدي إلى الانفصال العاطفي والطلاق. ونقصد بالانفصال العاطفي الطلاق المعنوي أو النفسي. فلا معنى لحياة يتقاسمها اثنان ولا يتقاسمان الحب والاحترام والاهتمام والتقدير والصبر. ونقف عند هذا الأخير لتحديده مرة أخرى، وفي هذا السياق نقدم مثالا.


فالمرأة قادرة على تحمل فقر زوجها المادي (لا يملك سيارة، بيت مأجور فقط، لا يستطيع أن يوفر مبالغ لخرجات وأسفارو ملابس…)، فإكراما منها تصبر على أمل تحسن الظروف المادية لاحقا، أو أنها تساعده على تجاوز الظرفية إن قدرت على ذلك، وإن لم تستطع فالصبر في حد ذاته مساعدة.

لكن الصبر في مواضع أخرى غير مقبول، وليس هناك ما يبرره، كالصبر على فقر في المشاعر والمعاملة السيئة، خاصة إن نبهت المرأة إلى ذلك وابتكرت وسائل لتغيير طباع سيئة تنعكس على المعاملة بفتح باب النقاش والحوار اعتبارا منها أن الحوار في حد ذاته حلا، وعدم الاستجابة واللامبالاة سببان مباشران إلى نفاذ الصبر. لأن الطريق الذي سلكته هو صبر بنفسه.


فأين محل التقدير هنا؟ فهذا سبب كاف لتهديد الاستقرار النفسي. وينطبق الأمر نفسه على الزوج كذلك، لأن نفاذ الصبر هو دليل قاطع على خلل عند الطرف الآخر، غير المستجيب وليس الصابر طبعا. وهذا الخلل غالبا ما يكون ناتجا عن اللامبالاة والإهمال، وهذا الأخير (الإهمال) هو قاتل ومدمر الراحة النفسية ومهدهها، الذي يتصدر قائمة تهديم الاستقرار النفسي وزعزعته وحلول المعاناة.


إضافة إلى الشك غير المبرر الذي حبذا لو حلت محله الغيرة، فالغيرة المقننة جميلة من خلالها يحصل اليقين التأكيدي لحب الشخص للآخر، فلا حب بدون غيرة. ومن مهددات الراحة النفسية نشير كذلك إلى الكذب، الذي يفسح المجال أمام ظهور المشاكل، التي قد تصل إلى ذروتها، فيصعب أو يستحيل الحل، فاحترام الشخص وتقديره رهين بالصدق معه والصراحة، مهما كانت الظروف.


فالحقيقة جميلة وإن كانت مرة والكذب حبله قصير، فعندما تحضر الصراحة والصدق يجران معهما الحب والتقدير للشخص الآخر الصادق الصريح، وإن لم يتم الاتفاق على الموضوع الذي فعله أو ينوي فعله، فالقيمة قد تعلو بالأفعال أو تنقص أو تصل إلى درجة الموت.


فالحياة السعيدة والراحة النفسية بسيطة ورهينة بتوفر شروط وأفعال متبادلة، قائمة على الاحترام، والحب، والاهتمام، والتقدير، والحنان، والصدق، والغيرة المقننة والمتبادلة والمشروطة بالثقة المتبادلة، باعتبارها دليلا على الحب ولا علاقة لها بالشك أو زعزعة الثقة.

ومشروطة كذلك بتخلل أنشطةٍ الحياة اليومية، لتكسير الروتين والملل وإن كانت رمزية، فكلها وسائل تسعى نحو غاية واحدة، وهي تحقيق حياة زوجية سعيدة واستقرار نفسي. وإهمالها ينعكس سلبا على الارتباط العاطفي ويهدد الراحة النفسية التي من أجلها قام الارتباط.

بالعربية

بالعربية: منصة عربية غير حكومية؛ مُتخصصة في الدراسات والأبحاث الأكاديمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى