المدارس اللسانية - Linguistic Schoolsلسانيات

المدرسة الدنماركية في اللسانيات الوظيفية

copenhagen school of linguistics

تشير المدرسة الدنماركية في اللسانيات الوظيفية إلى أحد أهم المسارات التي سعت إلى الربط بين الإرث البنيوي الكلاسيكي — ممثلا في أعمال هيلمسليف وسوسير — وبين التطورات الحديثة في اللسانيات المعرفية والنظريات الوظيفية في تحليل اللغة.

وقد جاء هذا الاتجاه ليعيد صياغة الفهم البنيوي للغة من زاوية وظيفية، لا باعتبارها بنية مغلقة، بل بوصفها منظومة تواصلية تسعى إلى تأدية وظائف اجتماعية ومعرفية محدّدة.

  • 1. الأساس النظري: المحتوى والتعبير

انطلاقا من إرث المدرسة البنيوية، تؤكد اللسانيات الدنماركية على ضرورة التمييز المنهجي بين مستويين رئيسيين في الظاهرة اللغوية:

  • طائرة المحتوى (Content Plane)
  • طائرة التعبير (Expression Plane)

ويتخذ هذا التقسيم موقعا مركزيا في التحليل، إذ تُفصَل مستويات الدلالة عن مستويات البنية الصوتية والنحوية، مع الإقرار في الوقت ذاته بأن العلاقة بينهما ليست اعتباطية تماما، بل إن الهياكل التعبيرية تعكس — بدرجات متفاوتة — البنى الدلالية.

  • 2. اللغة بوظيفة التواصل: منظور وظيفي خالص

يتفق رواد المدرسة الدنماركية مع الاتجاه الوظيفي كما صاغه سيمون ديك وغيره من اللسانيين الوظيفيين، في أن اللغة ليست مجرد نظام شكلي، بل هي قبل كل شيء أداة للتواصل الإنساني. ولذلك، فإن تحليل الظواهر اللغوية لا يكون كاملا ما لم يُدرَس من خلال وظائفه الخطابية والتداولية، وليس فقط من خلال قوانينه الشكلية.

  • 3. منهجية التحليل: فصل المستويين دون قطع العلاقة

في الممارسة التحليلية، يتم التعامل مع:

  • مستوى التعبير: وفق آليات التحليل الهيكلي التقليدية (صوتيات، مورفولوجيا، نحو).
  • مستوى المحتوى: من خلال أدوات الدلالة والتداوليات، حيث تُدرَس المعاني، الافتراضات، المقاصد الخطابية، وبناء الرسالة.

غير أنّ الفصل هنا منهجي فقط، إذ يفترض اللسانيون الدنماركيون وجود تناظر بين المستويين، يظهر بوضوح في النماذج النحوية مثل نموذج بول ديديريشسن لتقسيم الجملة الدنماركية إلى ثلاث حقول وظيفية:

  1. حقل التأسيس (Foundation Field) – ينهض بوظائف براغماتية تتصل بالسياق والخطاب.
  2. حقل الرابطة (Linking Field) – يؤدي وظائف نحوية وصلية أو شكلية.
  3. حقل المحتوى (Content Field) – يحمل الرسالة اللغوية الأساسية أو مضمون القول.

ويُظهر هذا التقسيم كيف أن ترتيب العناصر النحوية يعكس في الوقت ذاته تنظيما دلاليا وبراغماتيا متكاملا.

  • 4. من الأعلى إلى الأسفل: إعادة تصور عملية إنتاج الكلام

إحدى أهم إسهامات المدرسة الدنماركية هي فكرة أن تحليل الكلام لا يبدأ من الوحدات الصغرى نحو الوحدات الكبرى، بل العكس.

فالناطق — وفق هذا الاتجاه — يبدأ بإرادة التواصل: ماذا يريد أن يقول؟
ثم ينتقل إلى اختيار المفاهيم المناسبة، فالصيغ اللسانية، ثم التراكيب، وصولا إلى المستوى الصوتي.
أي أن إنتاج اللغة يسير من الوظيفة إلى الشكل، وليس من الشكل إلى الوظيفة.

  • 5. مثال تطبيقي: تحليل جملة “لم يقرأ أي شخص الكتاب منذ فترة”

يُظهر هذا المثال كيف تُدرس طائرتا المحتوى والتعبير بصورة منفصلة ثم متكاملة:

على طائرة التعبير (Expression Plane):

  • “الكتاب”: عبارة اسمية ذات محدد.
  • “لم”: أداة نفي ظرفية مرتبطة بالفعل.
  • “يُقرأ”: فعل مبني للمجهول يُشكّل نواة المسند.
  • “من قبل أي شخص”: وكيل (Agent) متأخر في البنية.
  • “منذ فترة”: ظرف زمان يحدد الإطار الزمني.

على طائرة المحتوى (Content Plane):

  • “الكتاب”: موضوع الخطاب أو موضوع القول (Topic) الذي يربط الجملة بالسياق السابق.
  • النفي “لم”: يحدّد «قوة الموقف التلفظي» عبر نفي صحّة الحدث.
  • المسند: «لم يقرأه أي شخص منذ فترة» وهو الرسالة الأساسية التي تسعى الجملة إلى إيصالها.

وبذلك يتكامل المستويان لإنتاج تحليل يتجاوز الشكل إلى التداولية والمعنى ووظيفة الرسالة في سياقها الخطابي.

  • خلاصة:

تقدم المدرسة الدنماركية في اللسانيات الوظيفية نموذجا متوازنا يجمع بين التحليل البنيوي والانشغال الوظيفي، معتبرة أنّ اللغة ليست بنية مغلقة، بل نسق دلالي ووظيفي يعمل ضمن سياقات اجتماعية ومعرفية محددة. وتبرز أهميتها اليوم في قدرتها على الجمع بين الدلالة، النحو، والتداوليات، في إطار تحليلي شامل ومتسق.

بالعربية

بالعربية: منصة عربية غير حكومية؛ مُتخصصة في الدراسات والأبحاث الأكاديمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

الإعلانات هي مصدر التمويل الوحيد للمنصة يرجى تعطيل كابح الإعلانات لمشاهدة المحتوى