المُشكلة المُصطلحية في اللّسانيات (تقدير مَوقف)

 

طَـوَت اللسانيات قرناً من الزمن؛ منذ نشأتِها أولَ الأمر مع دوسوسير (1916). وإلى اليوم؛ ما زال هذا المبحث متنازَعا عليه من طرف مباحثَ أخرى كثيرة، أرادَ أن يستقيَ منها مصطلحاتِه التأسيسية؛ فاستحوذتْ عليه.

في المقابل؛ أورثَه هذا التنازع خاصيتيْن أساسيّتيْن هما؛ الإغراق في الغموض، والإمعان في التعالي. أما الغموض؛ فنلمَسُه في الكم الكبير من المصطلحات الفخمة والضخمة والمَهيبة التي عكف اللسانيون الأوائل على نحثها أو توليدِها أو استقدامِها جاهزة من علوم أخرى كالفيزياء والكيمياء العضوية، محاولةً منهم إقامة علم اللسانيات. وقد تعدى هذا الاستقطاب المصطلحي إلى الأخذ من اللغات القوية (التي لها حظ من إنتاج العلوم والمعارف) كالألمانية والإنجليزية والفرنسية والروسية، وصولا إلى المرادفات والمقابلات التي وُضعت لهذه المفاهيم والمصطلحات في اللغات الأخرى التي وصلتْها عدوى وموضة اللسانيات.

هذه الموضة؛ خلقتْ حالة من التعالي والهوس اللساني غير المبرر، والذي تسيَّدَه غير اللسانيين (النقاد والصحفيين)، من خلال إشباع كتاباتِهم بسيل جارفٍ من المصطلحات اللسانية؛ بهدف الظهور والتعالي والزهو المعرفي لا أكثر. هذه الوضعية الخادعة؛ أنتجت تناقضات ومفارقات جمة وممتدة إلى يومنا هذا. بدأ الأمر ببروز وشيوع اللسانيات (اسماً) من طرف غير اللسانيين. فأصبح كلُّ من هب ودبَّ لسانيا. بَدا الأمر أشبهَ بتجرُّؤِ مُضيفةٍ على قيادة طائرة في طور التجريب. (مرحلة اللسانيات التأسيسية)، فكانت النتيجة أن برزت المُضيفة والطائرة، وتم تنحية وطمس الرُّبان. (اللساني).

فكانت الأضرار جدُّ وخيمة على جميع المستويات. فعلى مستوى النخبة أو الجمهور القارئ؛ فقد وصلتهُم اللسانيات كموضة وليس كتخصص، وصَلتهُم من طرف أناسٍ مُثقفين؛ ولكن ليسوا لسانيين، فظلت اللسانيات بالنسبة لهم حقلا غامضا محفوفا بالمصطلحات الغريبة، الضخمة والقوية؛ المثيرة للإعجاب والالتباس في الآن نفسه.

أما الضرر الأكبر؛ فهو ذلك الذي لحق اللسانيين أنفسِهم، والذين فقدوا السيطرة على هذا المبحث الوليد والجذَّاب والنشيط. وتسرَّب منهم خارج مختبرهم اللساني، لتتلقَّفَه مباحث وتخصصات أخرى ناضجة وبالغة لتصبِغه بصبغتِها.
هذه الأضرار؛ ولَّدَتْ الثنائيات التعويضية التالية:

غير اللسانيين ـــــ في مقابل ـــ اللسانيين
وَهْمُ اللسانيات ــــ عوضا عن ــــ اللسانيات بمفهومِها الحقيقي

كل هذا التجرُّؤ على اللسانيات؛ كان سببُه؛ منبعُها الهش الذي هو حقل “الأدب” (إن صح هذا التحليل)، والذي يُقابِلُه “العلوم” ونقصد هنا؛ العلوم التجريبية والعلوم الدقيقة. والتي لا يتجرّأ غير المختص على الاقتراب منها؛ لأنها علوم كاشفة، تفضح جهلَ الجاهل وكذب المتحامِل وزيف المتعالِم.

هذه الميزة لم تتأتّ للأدب، وظل مستباحا لكل من هب ودب؛ لِقِصَرِ سورِه وكثرة أبوابِه، أما العلوم التجريبية فلها سُورٌ سميك
وعالٍ وبابان؛ واحد للدخول والآخر للخروج. لذلك نجد أن عالم الفيزياء قد يكتب رواية، وجائز جداً أن يُصبح بارعا في الشعر، وقد يحصد جوائز في الأدب، أما أن يُصبح الشاعر عالمَ فيزياء؛ فهذا مستبعدٌ؛ وإن لم يكن مستحيلا.

انتهت هذه المرحلة بنتائج غير مرغوبة أبرزُها؛ انشطار مبحث اللسانيات إلى لسانيات متعددة؛ اللسانيات البنيوية الفرنسية – اللسانيات اليونانية، اللسانيات السلافية والروسية والألمانية واللسانيات الأنجلو أمريكية واللسانيات المجرية …، واستدعت كل واحدة من هذه اللسانيات مصطلحاتِها الخاصة، وأصيبت اللسانيات بعدوى مصطلحية حادة وطافحة أدت إلى ترجمات طائشة.

في أوج المد اللساني مع بلومفيلد ويلمسليف، تروبتسكوي، جاكبسـون..، انكبّ الباحثون في اللسانيات على ترجمة كل ما يجد في هذا المبحث. ولأن اللسانيات تقوم أساسا على المصطلحية رغبة منها في التميُّز والاستواءِ علماً قائما بذاتِه. فإن الترجمات من وإلى لغات مختلفة، خلق حالة من التسرُّع والطيش في الترجمة، وعدم تحري الدقة المطلوبة. وفي أحيانٍ كثيرة؛ عدمُ الأهلية للترجمة. خصوصا الترجمات إلى الألمانية، ومن الإنجليزية إلى الفرنسية، ومن الألمانية إلى الإنجليزية؛ التي تصدى لها مثقفون متشبعون بروح الفضول وحُبِّ قصب السبق؛ وليسوا متخصصين.

هذا التضارب في اللسانيات التأسيسية انعكس بشكل أكثر غموضا على القارئ الخارجي الذي سمع باللسانيات توًّا، وأراد اكتشافها أو دراسَتها، أو التخصص فيها. ونركز هنا على مرحلة عولمة اللسانيات عموما؛ ونقل اللسانيات إلى حقل الدراسة العربي. خصوصا؛ وأن منبع غالبية المصطلحات اللسانية الغربية منبعُها الذوق؛ بسبب النزوع نحو العمل الفردي. فرغم أن كل المشتغلين باللسانيات في تلك المرحلة كان هدفهم واحد (تقريبا)؛ وهو وضع أرضية علمية للسانيات، إلا أن النزوع نحو العمل الفردي وتجنب الاندماج في وحدات عمل متكاملة، أنتج كما كبير من المصطلحات الجامدة والصلبة والمتعالية، جعلت من اللسانيات مبحثا مُهابا ومُغريا، نستحسنُه مِن بَعيد؛ ولا يَجرُؤُ أحدٌ على الاقتراب منه أو اقتحامِه.

إن العلوم الإنسانية بمرجعياتِها الأدبية والفنية؛ تبدو هشة نوعا ما، أو بتعبير أكثر اعتدالاً؛ لا تبدو دقيقة بما يكفي.
إن المصطلحية بخلاف الإنتاج الأدبي؛ لا تكون شخصية، لأنها في هذه الحالة تكون منغلقة، وأسيرة لدى مُبتكِرِها. وبتعبير أوضح؛ تبدو بلا فائدة، عندما يتم استدعاؤها للاشتغال في الحقل العام عموما، واللساني على وجه الخصوص.

وتطرح الأنانية في توليد المصطلحات والتراشق بها وبلغات مختلفة، مشكلة الاتفاق والتواطؤ على نموذج معياري واحد. إذا كنا حقا نطمح إلى تأسيس علم بمفهومِه الحقيقي. فالعلم للجميع؛ وهذا يستلزم قبلَ كلُّ شيء توحيد هذه المصطلحات وتغليب العمل الجماعي والمؤسساتي على الإنتاج الفردي الذي يتسم بالعزلة وبالقناعات الشخصية التي لا تكون ملزمة للساني الآخر الذي يشتغل بنفس الطريقة (العزلة وبقناعاته المعرفية الشخصية). هذا مقبول في مرحلة التأسيس والبناء، ولكنه غير مقبول طوال الوقت؛ بمعنى؛ لا يمكن أن تظل اللسانيات منذ مئة عام محصورةً في مرحلة التأسيس للأبد، فهذا يناقد العِلم والعلمية.

في الحالة العربية عموما؛ موضوع المصطلحية اللسانية لا يزال في بداياتِه التأسيسية الأولى، خصوصا إذا ما وضعنا في الاعتبار عدد المعاهد والمختبرات اللسانية؛ وكذا عدد الدوريات العلمية المتخصصة في اللسانيات في عموم الدول العربية؛ والتي تُعدُّ على رؤوس أصابع اليد الواحدة. نفس الملاحظة يمكن تسجيلُها على مستوى عدد الأساتذة والباحثين والأكاديميين اللسانيين العرب؛ الذين لا يبلغون المئة في أقسى درجات التفاؤل.

ويتركزّ أغلبهم في نطاقات جغرافية مَعلومة، فيما يغيب المشروع اللساني في بعض البلدان العربية غيابا تاما. في المقابل؛ نجد في فرنسا مثلا؛ عشرات الدوريات العلمية المحكَّمة المتخصصة في اللسانيات، وبِعضة ألاف من الأكاديميين اللسانيين في فرنسا وحدَها. والذين ينشطون في عشرات المختبرات والمعاهد والمؤسسات اللسانية ذات مستوىً عالٍ وشهرةٍ عالمية. فيما تنشط حركة البعثات العلمية اللسانية الفرنسية من وإلى الجامعات الأمريكية والكندية والأسترالية والبريطانية والإسرائيلية.

مسألة أخرى نسجِّلُها حول الحالة المصطلحية اللسانية في العالم العربي؛ وتتعلَّق بالتفاوتات النطاقية الواضحة بين المشرق والمغرب. فالترسانة المصطلحية اللسانية العربية يتم توليدُها ونحثُها وتعريبُها في المغرب وتونس، ثم تنتقل بشكل وظيفي للجامعات والمعاهد في المشرق العربي. بحكم تأثر المغرب العربي بالمنجز العلمي والمعرفي الفرنسي، الذي تم تكريسُه منذ فترة الاستعمار. وكذا بفضل انفتاح المدرسة اللسانية المغربية على المنجز اللساني في أمريكا. ونسجل هنا ريادة المغرب في نقل وترجمة النظريات اللسانية الغربية عموما إلى العربية. وفتح باب التجريب والاجتهاد اللساني (المتوكلالفاسي الفهري – ..).

على العموم؛ ظل وسيظل العائق المصطلحي مشكلة حقيقية أمام الساني المختص، وبدرجة أكبر للباحث وللقارئ المهتم على حدٍ سواء.

ختاماً؛ نطرحُ بعض المقترحات لتجاوز مشكل المصطلحية اللسانية العربية:

– في المقام الأول؛ يجب التخلص من المسلَّمة الخاطئة التي تقول؛ إن اللسانيات الفرنسية هي المعيار للسانيات عموما. لأن البنيات في اللغة الفرنسية تختلف اختلافا جذريا عن البنيات في اللغات الأخرى. لذا لا يجب القياس عليها في وصف اللغات الأخرى.

– توظيف التراث اللغوي العربي في توليد أو نحث المصطلحات اللسانية، وجعل التعريب الخيار الأخير لترجمة المصطلحات اللسانية الوافدة.

– ضرورة الفصل بين النظريات وعدم الخلط بينها، لأن ذلك سيؤدي حتما إلى الخلط في معاني المصطلحات.

– إعادة موضَعة المصطلحات ذات المعنى العام. وضبط تعريفاتِها بشكل أكثر دقة.

– اعتماد الأصيل من المصطلحات، وتجنب الاختراع فيما هو موجود ومُؤصَّل، والحرص على التوصيل والتواصل المصطلحي.

– اعتماد الإحالة المصطلحية على كل تغيير يلحق المصطلح من خلال نماذج أو قرائن تُحيل على المعنى أو التعريف المطلوب. ونستشهد بنموذج مارتينيه في مُعجمه “اللسانيات – الدليل الألفبائي”، الذي يُعطي للمصطلح الواحد 4 أو 5 معانٍ، حسب التعريفات المتاحة للمصطلح.

– إدخال آليات إجرائية تنص على اعتماد المصطلحات وحيدة الدلالة في الدراسات الأكاديمية، وتكثيف الجهود لحصر وتقليص المصطلحات ذات التعريفات والمعاني المتعدِّدة.

– التحوُّط من التوسُّع في توليد المصطلحات.

– التجديد؛ وإعادة التجديد لا يكون في طور البناء والتأسيس، وإنما يأتي بعد الاكتمال.

– الاقتراب (مِن)؛ والتَّجرُّؤ على المصطلحية المؤسِّسة والمتفق عليها بالفعل أو بالقوة، لا يكون إلا لِتحسينِها أو رفعِ كفاءَتِها الدلالية أو تصحيحِها عندما يثبُتُ خطؤُها.

– ضرورة الاستغناء عن مصطلحات النظريات الميتة.

– تكريس العمل والممارسة الجماعية والمؤسساتِيَّة ونبذ خيالات الموهبة والذاتية والعمل الانطوائي الفردي في المصطلحية.

– إنشاء قواميس ومعاجم لسانية عامة وخاصة (اللسانيات النفسية / اللسانيات المرضية ..).

– إقامة هيئة أو بنك للمصطلحات اللسانية؛ يضطلع بتوضيب وتوحيد هذه المصطلحات، يشرف عليها هيئات أو مؤسسات علمية لتوحيد المصطلحات (نشير إلى أن بعض الدول الأوروبية قد حققت تقدما كبيرا في هذا الباب والتجربة البلجيكية خيرُ مثال على ذلك).

– تعميم الترسانة المصطلحية اللسانية العربية أو المعرَّبة (المُوَّحدة) في مجال التعليم.

– إنهاء التعصب للمدارس اللسانية (فرنسا – أمريكا) والانفتاح على التجارب اللسانية الرائدة في كل من اليابان وكندا وإسرائيــل.


للاستزادة يُرجى العودة للمراجع التالية:

Lexique de la terminologie linguistique – Marouzeau (Jules). 1941

• Probleme de linguistique generale, ÉMILE BENVENISTE, 1966

• Linguistique historique et linguistique
générale. Antoine Meillet, Klincksieck, 1952.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

2 تعليقات
  1. احماد يقول

    صراحة موقع يستحق التشجيع
    وفقكم الله لما فيه خير

    1. بالعربيّـة يقول

      شكرا لك. نرجو أن نقدم الأفضل دائما

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.