منبرُنا

تراسل الفنون السمعية والبصرية في رواية مذكرات “دي”

لا اخفي إن النجاح الباهر الذي حققته رواية ” فرانكشتاين في بغداد” بفوزها بالجائزة العالمية للرواية العربية 2014، ووصول ترجمتها الإنجليزية إلى القائمة القصيرة ألمان بوكر العالمية 2018، هي أحد أهم الدوافع الذاتية والموضوعية لقراءة الرواية الجديدة لأحمد السعداوي ” مذكرات دي” لمنشورات (نابو في بغداد 2020).

وذلك لمتابعة مسارات وتحولات الكتابة الروائية لكاتب شاب لديه مشروعه الأدبي في مجال الكتابة السردية. إن المتتبع لمسيرة الاشتغال الروائي للكاتب في روايته الأخيرة ” مذكرات دي” يدرك أن دمقرطة الرواية بإدامة شعلة الكتابة التجريبية ما بعد الحداثية كانت وما زالت قضية محورية في مسار اشتغاله السردي، يسعى بها إلى اللحاق بركب الرواية العربية والعالمية.

تدور الحكاية الروائية حول فتاة بغدادية( ديالى) تعاني من إعاقة برجلها. تعيش الفتاة في أسرة مأزومة لم تتلقى فيها على الرعاية السليمة، ورغم تطابق رؤاها الفلسفية الوجودية والتمرد على الأعراف والقيم الاجتماعية مع الأب(عبدالواحد) لم تستشعر منه الرعاية الأبوية، ولم تكن الأسرة مشحونة بعواطف الإخوة فالأخ الوحيد( ميسان) مهاجر، والأخت غير الشقيقة( نينوى) لا تتورع من إهانتها في إي مناسبة في ظل غياب الأم التي تعددت روايات هروبها مع عشيقها أو موتها الغامض.

وكوسيلة للتخفيف من الضغط للتخفيف من ضغط الواقع هذا الواقع المأزوم اختارت” ديالى” شريكاً افتراضياً أشبه بملاك كحارس وصديق اسمته “ديفالون” تشرح له معاناتها عبر تدوين رسائلها في دفتر مدرسي، حتى وجدت نفسها تدمن على الكتابة (17)، فاستمرت بالتدوين المنتظم لمذكرات حبلى بالتوترات والانفعالات النفسية، والأحلام، والأسرار، والرغبات، وهواجس الرجل والمرأة، ثم تذيلها بتوقيع مرفوق بحرف “دي” اختصاراً لأسمها،

وكما جاء في عنوان الرواية مذكرات “دي” بوصفه عتية نصية دالة على مضمون النص كما ذهب إليه جيرار جينت، لم تركن الفتاة إلى حالة الانكسار التي تعتريها فظلت في كفاح مستمر لتغير واقعها المأزوم وتنمية شخصيتها وتطويرها حتى وصلت إلى مرحلة تحيق الذات، وتحررت في رؤاها ومواقفها الاجتماعية، فتبنت مواقف ليبرالية رافضة للسطوة الذكورية، وانخرطت في منظمات اجتماعية مناهضة للعنف والإساءة والوصايا التي يمارسها الرجل ضد المرأة.

وفي أتون هذه الصراعات المتقدة للتحرر من السطوة الذكورية تتجلى على مستوى البناء السردي الثنائية التضادية التي تتمظهر في كامل الرواية كتقنية أسلوبية وثيمة رئيسية، وعند القراءة الثقافية للنص تكشف بانها ثنائية ضدية مؤسسة على الصراع بين المركزي الذي يمثله المجتمع ( الذكوري) بأعراقه وتقاليده، والهامشي هو ممارسات ديالى الاحتجاجية والمعارضة لتفكيك كل ما هو سلطوي من اجل تغير نظام القيم وبنية العلاقات الاجتماعية السائدة وبناء مجتمع قائم على مفهوم المساوات، وقد تمثل ذلك في صراعات ( ديالى مع الآخر لتحقيق ذاتها، تمارا مع أسامة، قلعة الرجال الصيادين وجمعية الفتيات المحاربات، صراع ممه مع آمو كاني).

لقد اجتهد السعداوي على إكساء الرواية سمتها ما بعد الحداثية سواء على صعيد الشكل أو على صعيد التقنيات الكتابية أو المضمون بعد ما حكم مجما اشتغاله السردي في الرواية باستراتيجيات وتقنيات الروي ما بعد الحداثة، كالمنحى الميتا سردي المتمثل في إعلان الشخصية المحورية في الرواية بتوثيق الأحداث في الدفاتر الأربعين، وهيمنة مظاهر الانحراف السردي المؤدي إلى التشظي السردي عن طريق تقطيع الأحداث بالانتقال من مشهد لآخر،

وكذلك تقطيع النص إلى شظايا أو أقسام تفصل بينهما أرقام وعناوين، وتعدد البؤر السردية، إلى جانب تداخل الأزمنة السردية، وتداخل الحكايات المتعددة وتشظيها، علاوة إلى تعدد الحبكات المفتتة لزوايا السرد بتوزيعها على شخصيات عديدة بالنص مع تصاعدها برتابة غير متوقعة، فضلاً عن التناص الخارجي مع الأسطورة ، ومحاولاته الجادة للتعبير عن مواقف من الحياة والفن أو رؤى وتصورات فلسفية وجودية جمالية، بالإضافة إلى الخطاب المهجن اللافت في تراسله مع الفنون السمعية والبصرية والذي نسعى في دراستنا هذه إلى رصده.

مرة أخرى يكشف السعداوي شغفاً واضحاً بالفنون السمعية والبصرية من خلال توسيع بنية الرواية السردية بانفتاحها على أجناس متعددة، مؤسساً عالمه السردي على قاعدة التفرع من الفنون السمعية والبصرية بأنواعها في محاولة لاستعمال أساليب روائية تجريبية تضفي مظاهر جمالية على الصورة الروائية، وتأثيرية يحاول أن يصل بها إلى وجدان المتلقي وحواسه.


  • التراسل مع السينما

إن استخدام الصورة في أي جنس أدبي يكشف تراسله مع السينما، على اعتبار أن الصورة تقنية سينمائية ولغتها قائمة على الصورة والحركة، ونلمس قصدية الكاتب في شحن السرد بعناصر سينمائية عند سرده لأحداث كثيرة كالحركة زمانياً ومكانياً مع انتقال الكاميرا من شخصية إلى أخرى كما في هذا المشهد( وقبل انتصاف الظهيرة دخل المركب المهيب للجيش المنتصر الذي جلب بشارة توحيد المماليك السبعة تحت قبضة ملك واحد كانت الأجواء صاخبة بالهتافات والأيادي ترفرف بسعف نخيل والرز الأبيض والماء المعطر يتناثر في الهواء من أيدي عذارى كيش وموكب “نندا شبر مانو” يتقدم الجمع حيث كان محمولاً على محفة مظللة يرفعها ثمانية من العبيد ورأى الناس قائدهم المحبوب جالساً بشموخ وهو يرفع يده اليمنى بثبات محيا من يمر بجواره حتى دخلوا رواق القصر ثم اختفت المحفة بالاستدارة إلى احد الأبواب الجانبية ….ص٥١).

ويلاحظ أيضا جمالية التشكيل الفني في العديد من البنيات التصويرة التي تقترب من السينما وظفت باقتدار ووعي بدقة وكأنها كاميرا متحركة تلتقط أفعال ومناظر دالة كما في هذا المقطع (كانت الغيوم الخريفية من جبال حمرين تبدو مثل كائنات عملاقة تتشكل وانا انظر اليها من مكاني في السيارة المسرعة، بهيأة مخيفة أحياناً وكأنها تنحني لتبتلع شيئا من سلسلة الجبال…اخرج ذراعي من نافذة السيارة واترك تيارات الهواء ترفعها وتنزلها وكأنها جناح طائر. أغمض عيني وأفكر بهشاشة الهواء.. ص٣٩٢).

كما أشرنا تقارب المونتاج السردي مع المونتاج السينمائي من الناحية التقنية والأهداف في العديد من المواضع والمشاهد، عبر عدت خصائص أو أشكال من تقنية المونتاج كخاصية الازدواج، والمزج، والقطع، بالإضافة إلى خاصية الاختفاء والظهور التدريجي التي اشتغل عليها الكاتب بتراكيب معينة لمشاهد متتالية، فعلى سبيل المثال كانت لشخصيات عديدة مؤازرة للشخصية المحورية ” ديالى عبد الواحد ” كشخصية أبيها وأخيها ميسان وصديقتها تمارا ظهور واختفاء متواتر؛ لكن كانت لشخصية أختها نينوى، وسلوى عشيقة أبيها أقوى شخصيتان حققت هذه التقنية السردية،

فقد ظهرت نينوى ظهوراً سريعاً في استهـلال الرواية في مشهد سردي تقديمي لشخصيتها والشخصية المحورية ( لم تكن العلاقة بين الأختين جيدة، وكانت نينا الجميلة لا تتورع عن إهانة أختها غير الشقيقة في أي مناسبة تحصل، مستفيدة من ضعف ما في شخصية ديالى لتسديد لكمات متتابعة وكأنها تتدرب على كيس ملاكمة.ص١٣).

وبعد هذا الظهور تعود نينا للاختفاء السريع فتغيب في مشاهد(إلا أنني شاهدت نينا تغادر البيت قبل انتهاء المدة المعتادة التي تكون قبل إجازة زوجها بيوم واحد ص١٣٥)، ثم تبدأ بالظهور التدريجي في العديد من المشاهد المتقطعة والمتباعد(كانت نينا في زيارة إلى البيت خارج التواريخ المعتادة لحضورها بعد التحاق زوجها بالعسكرية، لم تسألها ديالى عن السبب وتركتها تتفحص المكان وتقلب الخلاط الحديد وبعض الأغراض والحاجيات التي جلبتها في زياراتها المتباعدة للبيت.. ص٣١٣)،

وتنطبق هذه التقنية على شخصية سلوى أيضا فبعد ظهورها بعدة مشاهد تغيب تدريجياً ( منذ أن غادرت سلوى صديقة والدي بيتنا مساء ذلك اليوم دخل أبي في حالة من القنوط يقضي اغلب وقته في مشغله .. ص١٣٤)، ثم تظهر فجأة ( كنت أتأمل الحركة القليلة على الرصيف من خلف زجاج سيارة آيات المكيفة حين لمحت وجهاً مألوفاً ثم صرنا مع الزحف البطيء للسيارة قريبين اكثر ليتضح لي أنها سلوى الوردان الرسامة صديقة والدي السابقة ..ص٢٢٥).

ويتوالى تواتر الاختفاء والظهور التدريجي للشخصيتين ( عادت نينا إلى بيتها بعد أن صالحها زوجها، وبسب ذلك ربما عادت سلوى للظهور في البيت مجدداً ولكن دون ابنها صوفي . تبيت يومين أو ثلاثة ثم تسافر …ص٣٨٩).

وتتجلى الثقافة السينمائية بشكل واضح في أسلوبية تقطيع الحكاية والزمان والمكان وتركيب المشاهد واللقطات عبر توظيف تقنية “التقطيع الحكائي” كتقنية سردية حداثية وهي أيضا من مظاهر تأثير السينما كفن من الفنون السمعية البصرية في فن الرواية.


  • التراسل مع الأغنية

في مواضع عديدة من الرواية رصدنا توظيف الأغنية توظيفاً جزئياً من غير إيراد نص الأغنية فعلى سبيل المثال اكتفى الكاتب بذكر اسم الفنان حسن بريسم الذي تميز بالصوت الشجي والمعاني العميقة ( كان غالبية من في القاعة ينتظرون صعود الفنان حسن بريسم للغناء. أججت الأغنيات المشاعر وتجاوب الحضور معها وتمايلوا يرددون مع المطرب بعض المقاطع.. التفت إلى ديالى الناظرة إلى المطرب وأنغامه العاطفية وقال لها أحبك… ص٣٠١-٣٠٢ )، لقد برع السعداوي بتوظيف الأغنية كمعين سردي ساعد في خلق الأجواء التي مهدت ليوسف مصارحة ديالى.

ومن الأغاني التي وظفها الكاتب أغنية حاسبينك للفنان فاضل عواد لتعميق دلالة النص الفنية والجمالية (ولأنهما كانا يسمعان من مذياع الكافيه أغنية فاضل عواد “حاسبينك” ويغنيانها سوية.. بوحي من المقطع في الأغنية الذي يَقُول: الدنيا حلوة. والناس حلوة.. ص١٢٣).

علاوة على توظيفه الأغاني التراثية بطريقة التضمين الإشاري ( كانت فرقة من ثلاث عازفين على العود والإيقاع والأورغن الكهربائي قد بدأت تعزف بعض المقطوعات العراقية التراثية ..ص٣٠٠).

وبالإضافة إلى توظيفه الأغنية وظف الكاتب الشعر في البناء الموسيقي الرواية لتحقيق مغزى دلالي يستثمر طاقاته الإيحائية والجمالية كما في هذا المقطع (فهو جمال راجح الشاعر الذي فقد زوجته قبل سنوات وكتب عنها مرثيات مؤلمة، تم تصويره ونشره على اليوتيوب، أتذكر ذلك التسجيل على مسرح مع موسيقى عود، وكيف انتهت قراءته بأن انفجر باكياً وابكى الحاضرين معه ..ص٩٢).

أو كشكل من أشكال التناص والتلاقح بين الأجناس الأدبية من خلال استحضار أبيات من قصيدة حجر الشمس للشاعر المكسيكي ” أوكتافيو باث” ( دعني أشهد وجه النهار، دعني أشهد وجه هذه الليلة، الكل يتواصل، يتجلى، قوس دم، جسر نبضات، خذني إلى الجهة الأخرى من هذه اللية، حيث أنا انت، حيث نحن الآخرون ، في مملكة الأسماء المتشابكة..ص٣٩٢).


  • التراسل مع المسرح

لقد لمسنا ثمة وعي لدى السعداوي على توظيف الأدوات المسرحية كأسلوب فني مساند في معمار الرواية وبناؤها، ومد جسور التبادل والتلاقح بينهما تكريساً لمشروعه الروائي الحداثي؛ لذا تعددت أشكال إفادة الرواية من المسرح على مدار صفحاتها ال (٣٩٨)؛ لكن استرعى انتباهي قصدية الكاتب في تراسله مع الفن المسرحي في فصول المحاكمة في القاعة الرئيسية لمجمع الأطياف في السماء العليا (مجمع الآلهة) التي نالت حظاً وافراً من مساحة الخطاب الروائي بشغلها زهاء ثمانين صفحة من مساحة الرواية وشكلت فيها الاستعارة من فن المسرح ملمحاً سردياً بارزاً.

يستهل الكاتب الرواية بمشهد مسرحي صامت ( كانت “ممه” تعجن بيدييها القويتين كتلة صلصال زجاجية الشكل على طاولة مشغلها الواسعة حينما سمعت صوتاً خفيضاً بجوارها، وهذا من النوادر، فهي غالباً تمضي وقتها في عزلة تامة.. توقفت عن عملها ورفعت جسدها وثدييها الكبيرين الملتصقين بحافة الطاولة. فركت يديها وهي تلتفت إلى هذا المتطفل الذي بدا خائفاً وخمدت ما يدور في ذهنه..ص٧).

ثم تنساب وتتابع المقاطع المكملة لمشهد المرافعة لاحقاً (أنهى آمو كاني جزءاً من مرافعته، ثم مثلما توقع الكثيرون، فها أن صبره ينفذ ويقفز من كرسيه الذي يتوسط المجلس السباعي ويغادر المنصة، متجولاً في وسط القاعة من دون أن يتوقف عن الحديث المسرحي، يقترب من ديفالون ثم يبتعد، يشير بيديه إلى أعضاء المجلس وإلى كرسيه الفارغ في المنتصف، ثم يلتفت بحركة مفاجئة ليواجه جمهور الأطياف، وقد تلتقي عيناه مع العينين المتعبتين لممه، وكأنه يطلب منها تأكيداً لمقاصد كلامه..ص١٠).

فبالإضافة إلى تحقيق سمة العرض المسرحي في تتابع عدة مشاهد تواكب الحدث الدرامي في الرواية، لم يغفل الكاتب التوليف الدرامي المرتكز على السينوغرافيا المسرحية التي لعبت دوراً وظيفياً في تفعيل الأحداث كما في هذا الشاهد الذي آثرنا إثباته رغم طوله، لإبراز تراسل الرواية مع المسرح (كانت القاعة الرئيسية المعدة للمحاكمة واسعةً فخمة تناسب تصور من يشغلها ويستخدمها عن عظمة وجلالة المهام التي يقوم بها، أو أهمية الشخصية قياساً بغيره، ومن لم ير هذه القاعة سابقاً سيحتاج إلى وقت طويل للإحاطة بتفاصيلها العديدة المتنوعة،

فهي لا تعكس مزاجاً معمارياً محدداً، وإنما تجميعات لطرز متباينة، وفِي العمق، تحت زخرف السطح، تبدو الأساسات والجدران والسقف وكأنها شكل لمعبد قديم، أو كاتدرائية قوطية. ما يعزز صور المعبد أن هناك في الزوايا صوراً وتماثيل نصفية، وحفراً على ما يشبه الجبس أو الرخام لعدد لا يحصى من الآلهة الميتة التي لم يعد يعبدها احد، تنتمي إلى الثقافات السبعة أو الثمانية الأساسية للعصور القديمة، وقد وضعت هنا في الأساس كنوع من الزينة لا أكثر، وأيضا للإيحاء بديمقراطية المكان،

وانه لا ينتمي إلى فئة محددة بعينها. في العمق كانت الطاولة العالية قاتمة اللون للمجلس المكون من السبعة الكبار الجالسين باسترخاء العجائز الحكماء يحيط بهم مساعدون شبان ويواجه كتلة الجمهور المنتخب بعناية، المتوزعين على ما يشبه دائرة غير مكتملة، بينهما تتوسط الفضاء الداخلي لهذه الدائرة، منصة صغيرة يقف عليها المتهم.. ص٨).

ومن التقنيات التي ارتكز عليها الكاتب لخلق إيقاع مسرحي الحوار والمشهد باعتبارهما عنصرين أساسين من عناصر الحبكة، ونستشهد بهذا المقطع كقرينة دالة على طريقة العرض الدرامي واختراق النسق المسرحي للهيمنة السردية( حضرت ممه وحين تأكد آمو كاني أنها جلست على الكرسي الواطئ من دون مسند ظهر بجوار منصة الأطياف الكبار السبعة، هتف كما هي عادته بصوت تقصد أن يكون مسرحياً :
-الدي..فا..لون.

وإذ كانت الأنظار تتجه إلى الديفالون إلا أن الدامستا هو من نطق، قاطعاً الهرج الذي حصل مع إعلان آمو كاني المسرحي:

-لقد كسب بسببي، لو الألم الذي سببه البشري الذي كنت أرافقه لما حصل هذا على الديكالات.
-كيف هذا؟
صاح آمو كاني من مكانه .
-لقد أنتج الذي رافقته مئات الديكالات ولكنها صبت في خانة أطياف آخرين ..
كان الدامستا يرتجف، ولم يعد قادر على رؤية ملامح الأطياف القريبين منه، وبَقى آمو كاني على هدوئه، مستثمراً هذا الوضع لغاياته المسرحية:
-آه.. ليست هناك عدالة.. لا أصدق يا عزيزي أننا نناقش البديهيات…ص٣٦٥).
وتتجلى قصدية الكاتب في مسرحة خطابه الروائي عندما استهل الرواية بمشهد مسرحي وختمها بهذا المشهد الحي المتحرك:
-خوصي وحدك يا بنيتي، اخترقي طبقات هذا العالم، لا تثقي إلا بما ترينه وتختبريه.
قالت ممه ذلك بصوت خفيض وكأنها تقرأ تعويذة تحصن بها” دي” ثم استدارت لتسير بين صفي أشجار تمتد حتى الأفق المضبب، متجاهلة، ما عزمت عليه من استراحة قصيرة، ومستجيبة لقوة عادتها في العمل. وخلال ذلك تفرك يديها مما علق بهما من أحلام بشرية، وتختفي بخطوات ثقيلة شيئا فشيئاً خلف أحراش الأشجار المتشابكة.ص٣٩٥).


  • التراسل مع الفن التشكيلي

وبفعل التجريب تبرز استراتيجية الكاتب الجادة في الابتعاد عن ضفاف النص الكلاسيكي ومكوناته، وتشيد المعمار الروائي على قاعدة التراسل بين الخطاب الروائي والفن التشكيلي كآلية لتشكيل خطاب بصري يمد النص بشحنة جمالية فنية يصل بها إلى وجدان المتلقي عن طريق الحواس باستخدام الألوان والأشكال.
وتتجلى ملامح التراسل مع الفن التشكيلي مع أول قراءة بصرية لواجهة الغلاف اذ تتصدره لوحة للفنانة العراقية حنان البياتي تترجم الحالة النفسية للشخصية المحورية في الرواية، مع هيمنة اللون الأصفر المائل إلى القاتم على الجزء الأكبر من الغلاف مقارنة بالألوان الأخرى.

إلى جانب ذلك تقصد الكاتب إقحام شخصيتان مساندتان للشخصية الرئيسية، شخصية سلوى الوردان المحاضرة في قسم الخزف في كلية الفنون الجميلة، فهي عشيقة عبدالواحد والد ديالى، النحات الذي استيقظت لديه الموهبة الفنية بعد ما ارتبط بسلوى الوردان (اعرف أن لديه علاقة مع امرأة اسمها “سلوى”، وربما بسببها، لأنها رسامة ونحاتة، قلب غرفة مكتبه إلى مشغل للمنحوتات الجبسية غريبة الشكل.. ص36).

فكانت الشخصيتان وسيلة لمد الجسور بين الروائي والتشكيلي، وتوسيع دائرة المحكي الروائي عبر تقاطع السرد الروائي أحياناً مع محكيات الحديث عن فن الرسم والتشكيل(وها هي تعود إلى قواعدها سالمة! تضع مسند الرسم على حشائش الحديقة وتسمع ملاحظات سلوى بشأن رسم الغيوم. كانت تريها على الآيباد في يدها رسومات ذلك الرسام ما قبل الانطباعية “بوجين بودان” الذي كان يسمى ملك السماوات لإجادته رسم السماء والغيوم.

– ما السماء سوى صفحة زرقاء بلا تفاصيل إن رسمناها. أثاث السماء هي الغيوم تقول سلوى وهي تعلق على صور للوحات أخرى لرسامين إنكليز كما هو جون كونستال وتيرنر. ثم تعبر إلى الرسوم الميتافيزيقية لوليم بليك وخلفيات السماء وقطع الغيوم المتفرقة في رسوم غويا مثلاً ..ص266-267).

وهذا نموذج اخر نستشهد به أيضا رغم طولهما لأنهما نموذجان ساطعان لمدى الانفتاح على الفن التشكيلي(كان مشغولاً بتمثال غريب مصنوع من أسلاك معدنية قوية، بد امثل هيكل عظمي لمجسم بشري بطول متر، ثم ها هو يخلط مادة الجبس، وما أن تتكتل قليلاً حتى يلصقها على أجزاء المجسم، وكأنه يكسو العظام لحما، غير أن الخليط الجبسي في الطاسة المعدنية سرعان ما يجف ويفقد خاصيته، لهذا كان يخلط مقادير قليلة في كل مرة.

لقد انتهى من القدمين، وصار شكلهما مشابهاً لأقدام إنسان، وضعت الشاي على حافة الطاولة، فنظر على حافة الطاولة، فنظر إليّ وسألني عن رأيي، لم اعرف بماذا أرد، قلت له إنه كما يبدو لي يشبه هيأة رجل رياضي، واذا وضعنا رمحاً أو قرصاً في يده فسيغدو شبيهاً بمجسمات ألعاب الساحة والميدان..ص37).

كما يتخلل السرد العديد من المشاهد الوصفية التي تعطي المتلقي انطباعاً بأنه أمام لوحة تشكيلية كما في هـذين الشاهدين ( لم تكن السماء السفلى سوى حديقة واسعة بأشجار كثيفة متراصة بجوار بعضها البعض الآخر، وتبدو طاولة ممه وكأنها نقطة في بحر أخضر مائل للزرقاوي، تمثله الأغصان المتشابكة لملايين الأشجار، مل شجرة تمثل الحياة الحلمية لإنسان واحد. أشجارٌ متفاوتة في الطول والارتفاع تماثل مسار الحياة الطبيعية لِلإنسَان، بالشجيرات الواطئة تحيل مباشر إلى أطفال يرتفعون بأعمارهم ببطءٍ نحو الأعلى، أما تلك الأشجار المتيبسة الخالية من الأوراق فهي لأناس كبار في العمر..ص203).

(في اللوح الوسطي وهو الأضخم في القاعة نجد رسماً يشبه رسوم التشريح البشرية، على شكل جسد إنسان مفرغ، وقد قسم هذا الجسد عرضياً إلى خمس خانات، في الخانة الأولى الرأس نجد “اسم الألوهية ” ثم في الصدر” الأطياف العليا”، وفِي منطق البطن “الأطياف السفلى” وفِي منطقة الساقين “البشر” أما خانة الأقدام فمشغولة بعبارة “الكائنات”. ثم مفردة واحدة تشير إلى هذا الحسد بكل تفاصيله وتقسيماته: الوجود السامي ص77).

رواية “مذكرات دي” دراما بشرية شكلت المرأة المأزومة قوة درامية فاعلة فيه، فهي المدونة للمذكرات، والمكونة والمحركة للأحداث، استعارت دون أفراط من الفنون السمعية والبصرية تقنيات وأساليب فنية مساندة في عملية البناء، تسربلت سربالاً حداثياً متعدد الجوانب على مستوى البنية الفنية والمادة السردية والموضوع، رواية تكشف استراتيجية السعداوي السردية في تموضعها في دائرة الكتابة القائمة على التنوع الأسلوبي المتمرد على النمطية، والمزج بين اللغة والصورة والمُشاهدة وفق صياغة بصرية ما بعد الحداثية.

صفاء الصالحي

صفاء الصالحي من العراق من مواليد 1975 خريج كلية الهندسة الجامعة الحرة الهولندية وخريج كلية الاعلام الجامعة العراقية وعضو النقابة الوطنية للصحفيين وعضو اتحاد كتاب الأنترنيت العراقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى