النحو الكلي عند تشومسكي وفلسفته اللغوية

0

 

  •  الملخص:

في هذه الدراسة سنركز على الفلسفة اللغوية عند العالم اللغوي الأمريكي نوام تشومسكي الذي اهتم باللغة في شقها الخفي والظاهر أداء و فهما من وراء تلك الكفاءة اللغوية المخبأة على مستوى العقل، فنظريته نظرية عقلية بحتة تهتم بالحقيقة الذهنية التي يترجمها الأداء اللغوي، لأن اللغة في نظره تتكون من مجموعة محدودة من الأصوات ومع ذلك فهي تنتج عددا غير محدود من الجمل، فتشومسكي يقول ببيولوجية الآلية اللغوية أي إن مصدر النظام اللغوي عند البشر موجود على مستوى الدماغ البشري، وبالتالي مادام البشر مشتركين في هذا المخ (الدماغ)، فهو يرى أنه بإمكاننا بناء نظرية لغوية عالمية أطلق عليها اسم النحو الكلي أو العام.فما هي الفلسفة اللغوية التي انطلق منها تشومسكي وكيف بنى عليها نظريته اللغوية أو ما يعرف بالنظرية التوليدية التحويلية التي تدور في فلك ما يعرف بالنحو الكلي؟


Abstract:
We will focus in this study on linguistic philosophy for the American linguist Noam Chomsky, who had an interest in language in both the hidden and apparent sides through performance and
understanding beyond the language proficiency hidden at the level of the mind, his theory is purely a mental theory that its main interest is mental truth that is translated by language performance, because language, in his view, consists of a limited range of sounds, however, it produces an unlimited number of sentences, and thus Chomsky says the biology of linguistic mechanism which means the linguistic system source for humans exists on the human brain level, and thus as long as humans share this brain, he sees that we could construct a linguistic global theory named as the Universal Grammar Theory.So, what is the linguistic philosophy which Chomsky started from and how did he build his linguistic theory or what is known as the generative transformational theory that revolves in the orbit of what is known as Universal Grammar?
◘ Keywords:language performance-linguistic philosophy – language proficiency-language – Universal Grammar – linguistic system.


 

  •  مقدمة:

إن البحث في القضايا اللغوية يتطلب تمرسا و دقة في العمل خاصة إذا تعلق الأمر بالجانب الفلسفي اللغوي مع عالم لغوي كبير مثل نوام تشومسكي (Noam Chomsky) صاحب النظرية التوليدية التحويلية التي أحدثت ضجة بين الباحثين والدارسين في مجال الدراسات اللغوية لما لها من أهمية بالغة، وانطلاقا من هذا كان هدفنا البحث عن الخلفية الفلسفية التي انطلق منها تشومسكي في بناء نظريته اللغوية.

فما هي الفلسفة اللغوية التي يمكن استخلاصها من الفكر اللغوي لدى تشومسكي ؟
إن المنهج الذي وظفناه واستخدمناه في عمل هذا منهج وصفي – تحليلي باعتباره الأنسب لمثل هكذا أهداف وأبحاث.


  •  بدايات النحو الكلي:

يتزامن ظهور نظرية النحو الكلي (النظرية التوليدية التحويلية) مع الكتاب الذي نشره العالم اللغوي نعوم تشومسكي الأمريكي (Noam Chomsky) سنة 1957 الموسوم بـ ‘البني النحوية’ (syntactiques structures) الذي يعتبر الدستور الأول للنظرية التي جاء بها تشومسكي، إذ أحدثت هذه النظرية ثورة عالمية كبرى كونها أتت بمفاهيم جديدة لم تكن مستعملة عند العلماء في الدراسات اللغوية من قبل، في مدرسة تؤمن بنظرية لغوية عامة، كما أنها تهتم بالقدرة العقلية المضمرة وراء الكلام والتي تسمى “القدرة” بينما الكلام يعتبر الجانب الإنجازي الذي يمثل المظهر الخارجي للغة (تشومسكي 5).

حيث رفض تشومسكي الخطوات التي طبقها المنهج البنوي في وصف اللغات باستقراء المادة اللغوية وفحصها، باختيار مجموع من اللغات والقيام بتحليلها، بينما النظرية التوليدية التحويلية ترى أن التحليل اللساني لا يتم إلا من خلال الخطوات الأتية:

• صياغة فرضية معينة قائمة على مجموع من القواعد المتشكلة من المواد اللغوية في كل لغة من لغات العالم.
• فحص الفرضية المصوغة، و تطبيقها على مواد لغوية أخرى تابعة للغات أخرى.
• إعادة صياغة الفرضية إذا دعت الحاجة لذلك لشرح الأمثلة اللغوية الشاذة الموجودة في اللغات الأخرى.
• تثبيت صحة الفرضية و البرهان عليها إذا أمكن (الوعر 26-27).

فقد ركز تشومسكي على النحو الشكلي في لغات عالمية عدة، وقد اعتبر هذا المنهجُ القواعدَ أساسًا للنظرية التوليدية التحويلية، وذلك لأن القواعد التي تنظم النحو هي قواعد توليدية تحويلية (الوعر 114) في نفس اللحظة التي يستعملها المتكلم، فإنه ينتج اللغة بتلك القواعد دون وعي منه على المستويين التوليدي التحويلي.

فتشومسكي كان يهدف إلى إقامة نظرية كلية للغات البشرية قاطبة صادرة عن اتجاه عقلي، فهذه النظرية العقلية التي تبناها تشومسكي تنبني في جوهرها العام على ما يمكن تسميته بلا نهائية اللغة، فهو يرى أن كل لغة تتكون من مجموعة محدودة من الأصوات ومجموعة محدودة من الرموز الكتابية، مما جعلها تولد أو تنتج عددا من الجمل التي لا نهاية لها(فهمي حجازي 113-114)، وبالتالي يمكن اعتبار اللغة ظاهرة خلَّاقة وإبداعية انطلاقا من تلك القواعد والأصوات المحدودة.

هناك من يرى «أن نظرية تشومسكي قد أعادت صياغة الكثير من أفكار ومبادئ علم اللغة البنوي وفق فلسفة جديدة، لا شك في أصالتها وجدتها، ورغم ذلك فإن هذه النظرية تتصل بأسباب مباشرة، وغير مباشرة، بعلم اللغة [البنوي)، يدل على ذلك أن تشومسكي عندما حاول وضع قواعد جديدة، لم يبتعد كثيرة عن المفاهيم [البنوية]»( حلمي 8) التي كان لها دور كبير في بلورة أهم مفاهيم النظرية التوليدية التحويلية، نحو مفهومي اللغة والكلام اللذين عبر عنهما تشومسكي بمفهومي البنية العميقة والبنية السطحية.
وهناك مجموعة من المبادئ ركزت عليها النظرية التوليدية التحويلية تمثلت فيما يلي:

  • أ- الذهنية وليست السلوكية:

الذي كان يعتبر اللغة سلوكا قائما على ما يعرف بالمثيرات الداخلية وكذا الاستجابات الخارجية، فكل نطق صوتي ما هو إلا استجابة لمثير لغوي أو غير لغوي، فقد ركز المنهج السلوكي في هذه الفترة على السلوك الخارجي للإنسان معتبرا إياه مادة للتحليل اللساني مهملا كل العمليات الذهنية الداخلية على مستوى الدماغ البشري، على أن تشومسكي انتقد هذا، ورأى أن المنهج السليم لدراسة اللغة لابد أن يكون منهجاً ذهنيا معتبرا اللغة قدرة خلاقة وفعالة غريزية وفطرية، وببساطة أراد تشومسكي من تحليله هذا أن يشرح اللغة ويعللها من الداخل وليس من الخارج أي لا من خلال ذلك المظهر الخارجي (السلوك) وحجته في ذلك هي طرح السؤال التالي: كيف يتعلم الأطفال الصغار أية لغة، وبشكل تطوري بغض النظر عن اختلاف ثقافاتهم وجنسياتهم وبيئاتهم، فهو يرى أن هذا دليل و برهان قاطع على أن العمليات اللغوية هي عمليات مرتكزة على أسس بيولوجية (الوعر 115).

  • ب- الشرح والتعليل والوصف وليس الوصف وحده:

النظرية البنوية اعتبرت أن الوصف وحده هدف التحليل اللساني، وبالتالي عملت البنوية على جمع أكبر عدد ممكن من المواد اللغوية لوصفها و تحليلها، و على حد تعبير بلومفيلد فإنه على عالم اللسانيات أن يقصر تحليله اللساني على الوصف اللغوي مبتعدا عن العمليات الذهنية التجريدية الموجودة في الدماغ البشري، وعلى العكس من هذا فقد ركز تشومسكي على التعليل والشرح، إضافة إلى الوصف اللغوي (الوعر 116)، كما لا يريد أن يتوقف عند حدود الوصف اللغوي بل يتعداه إلى إعطاء تفسير علمي دقيق لكيفية حدوث الظاهرة اللغوية حتى نتمكن من معرفة الطبيعة البشرية أينما كانت « فالنحو عنده لا بد أن يهتم بالحدس (intuition ) عند المتكلم، لأنه ليس آلة تصدر أصواتا وفقا لعوامل خارجية، وإنما هناك هذا الشيء الداخلي الذي يجعله يتحرك، وهو متحرر من هذه العوامل. ولما كان الحدس إنسانيا (يشترك فيه جميع الناس)، فإن النظرية كما قلنا تسعى إلى معرفة الظواهر الكلية في كل اللغات» (فهمي حجازي 118)، بهذا التصور الذي جاء به تشومسكي يمكن لعلماء اللغة أن يصوغوا نظرية من خلال تلك الكليات الموجودة بين اللغات قاطبة.

حيث ثار شومسكي على النزعة البنوية، التي تهتم بالوصف دون التفسير العلمي الدقيق للظواهر اللغوية وكيفية عملها-الآليات اللغوية أو ما يسمى بالنظام اللغوي- يقول: « يبدو لي أن نقطة الضعف الرئيسة في مقاربات البنويين لهذه المواضيع -يقصد ما يتعلق بدراسة اللغة والفكر- هو الاعتقاد في غياب التفسيرات العميقة. وفي أن أولى الافتراضات هي ما يجب يسمح بتفسير بعض الظواهر التي يمكن ملاحظتها »(تشومسكي 45).
إن ما طرحه تشومسكي أمر مشروع، ولكن التساؤل الذي لابد أن يطرح هل يعتبر المشروع الذي جاء به تشومسكي والمتمثل في نظريته التوليدية التحويلية أعطى التفسير الصحيح لتلك الظواهر اللسانية التي ينتجها الإنسان خلال حياته اليومية؟ وهل يمكن أن يعطي تفسيرا صحيحا لكيفية فهم اللغة و كذا إنتاجها؟

  • ج- الاستنباط والاستنتاج وليس الاستقراء والتجريب:

إن المنهج البنوي منهج يختلف في رؤيته لمفهوم الوصفية الذي كان سائدا قبل أواخر القرن التاسع عشر، وقبل ظهور المصطلح الذي يعرف باللسانيات العامة الذي كان يقابل مفهوم المعيارية عند جل الدارسين، فاللسانيات العامة كانت لها رؤية مناهضة لهذا الموقف ورأت بأن لا مفاضلة بين الألسن البشرية، وكذا مستویات استعمال اللغة الواحدة فكلها جديرة بالدراسة والوصف (بن حمودة 18-19)، كلنا يعلم أن المنهج البنوي اعتمد في وصف اللغات العالمية على استقراء المادة اللغوية و فحصها بشكل تجريبي مضبوط، وقد ركز على المواد اللغوية المجموعة من لغات عالمية، ثم يقوم بتحليلها متبعا الخطوات الآتية:

(1) ملاحظة المواد اللغوية.
(2) حدس للمواد اللغوية و أبنيتها.
(3) صياغة فرضية قائمة على نظرية معينة.
(4) فحص الفرضية من خلال ملاءمتها للمواد اللغوية (الوعر 116).

إن هذه الخطوات الأربع تجعل الأسلوب البنوي مؤهلا من أجل التحليل اللساني، لأن يكون بحثه بحثا قائمة على أسس علمية، فقد طبق هذا المنهج على لغات العالم عدة مرات.

  •  أسباب رفض المنهج البنوي:

لقد رفض تشومسكي رفضا تاما منهج التحليل اللساني البنوي الذي جاء به فيردينان دي سوسير (Ferdinand de Saussure)، فهویری-تشومسكي- أن هذا المنهج أسلوب آلي مهمته تمثلت في الوصف اللغوي ليس إلا، وحتي يتسني لعالم اللسانيات تحليل اللغة عليه أن يقترب من الوسط الاجتماعي للمتكلمين الناطقين بلغتهم، وذلك لسبر الكفاءة أو المقدرة اللغوية الفاعلة والمنفعلة في الدماغ البشري، وبعدها ينتقل لصياغة الفرضيات الشكلية المؤدية إلى نظرية لسانية شاملة، ثم البرهنة على تلك النتائج بدقة وموضوعية، وإذا كان للنظرية البنوية خطوات في التحليل اللساني (الوعر 116) فإن النظرية التوليدية التحويلية كذلك لها مجموعة من الخطوات تعتمدها في التحليل اللساني جاءت على النحو الآتي:

(1) صياغة فرضية معينة قائمة على مجموعة من القواعد المتشكلة من المواد اللغوية في كل لغة من لغات العالم.
(2) فحص الفرضية الموضوعة وتطبيقها على مواد لغوية أخرى تابعة للغات أخرى.
(3) إعادة صياغة الفرضية إذا دعت الحاجة لذلك لشرح الأمثلة اللغوية الشاذة الموجودة في اللغات الأخرى.
(4) تثبيت صحة الفرضية و البرهان عليها إذا أمكن (الوعر 117).

فنظرية تشومسكي تسعى جاهدة أن تفهم كيف يستطيع المتكلم أن ينتج عددا من الجمل التي لا حصر لها بطريقة لا إرادية، كما أنها تحاول أن تُميِّز ما هو مقبول نحويا مما هو غير مقبول، فالنحو المقبول في نظرها هو الذي يكون صالحا لتوليد كل الجمل النحوية في اللغة، وعليه عرف هذا النحو بالنحو التوليدي (فهمي حجازي 117)، فإذا توصلنا لهذه الكليات التي تربط بين لغات العالم تمكنا من بناء نظرية تسهل علينا فهم إنتاج الإنسان للغة، وكيف تعمل آلته اللغوية.

  •  مفهوم النحو الكلي:

تشومسكي عرف النحو أو ما يسمى بالنحو التوليدي بقوله: «نظام من القواعد التي تقدم وصفة تركيبية للجمل بطريقة واضحة، وأكثر تحديدا، وهذا هو المراد بالنحو التوليدي، وكل متكلم تكلم لغة، يكون قد استعملها واستبطن نحوا توليديا، وهذا لا يعني أنه واع بالقواعد الباطنية التي يكون قد استعملها أو سيكون على وعي بها. إن النحو التوليدي يهتم بما يعرفه المتكلم فعلا، وليس ما يمكنه أن يرويه من معرفته….» (تشومسكي 19)، من حيث إنتاج الجمل اللغوية، وكذا تأويلها وفهمها دون قصد لذلك، ودون إرادة إنسانية تجعل البشر يشعرون أو ينتبهون لذلك الإنتاج اللغوي، «فالنحو هو عبارة عن نظام من القواعد العامة التي تسمح بتعداد الجمل النحوية، أي أن يعتبر میكانزما قادرا على توليد مجموعة لا متناهية من الجمل» (الشكيري 20) التي يحتاج إليها المتكلم في حياته اليومية من أجل التواصل والتعبير عن مكنونات النفس.

إذن النحو التوليدي التحويلي ليس مجرد جهاز يسمح لنا بإنتاج الجمل بل إنه المعرفة غير الواعية بهذه القواعد، التي تؤهلنا إلى القدرة على استعمال اللغة التي ولدنا بها دون عناء أو جهد يذكر، والنحو التوليدي يهتم بوصف الجمل بطريقة واضحة وجلية، باستعمال القواعد الباطنية باعتبارها آليات وميكانزمات داخلية لتلك اللغة، فهو يسعى جاهدا إلى توليد عدد لا متناه من الجمل، وهذا ما عبر عنه تشومسكي بالنحو الكلي أو العام.
إن هذه الملكة اللغوية التي يشترك فيها البشر يرى تشومسكي أنها تمر بمراحل ثلاث هي:(الفهري 42-43)

أ- مرحلة فطرية: وهي المرحلة الأولى للدماغ أين تحدث التفاعلات اللغوية الموجودة بكيفية وراثية عضوية دون عوامل أخرى كعملية الاكتساب مثلا.

ب- حالة وسيطة: توجد عند الطفل أثناء اكتسابه اللغة.

ج- مرحلة قارة نسبيا: توجد عند الإنسان البالغ (النضج اللغوي) حيث يصبح الإنسان ممتلكا لنظام لغته امتلاكا كليا.

إن هدف الباحث والعالم اللغوي إذن هو تحديد خصائص المرحلة الأولى أي الكشف عن النسق أو النحو الكلي وتحديد مميزاته، كونها تمثل مرحلة جد هامة نسميها بالملكة اللغوية، وما هي إلا نسق (نظام) كلي للتمثل الذهني للغة.


  • تعريف اللغة من وجهة نظر تشومسكي:

عرف تشومسكي اللغة: «بأنها مجموعة (محدودة أو غير محدودة) من الجمل كل جملة فيها محدودة في طولها، قد أنشئت من مجموعة محدودة من العناصر» (الوعر.(118
فاللغة عبارة عن عملية حركية على مستوى الذهن تنتج عددا محدودا أو غير محدود من الجمل المتباينة في عدد العناصر اللغوية المستعملة أثناء إنتاج اللغة، كما أن هذه الجمل محدودة الطول سواء كانت هذه اللغات الطبيعية منطوقة أو مكتوبة.

إن اللغة لها علاقة وصلة بما يعرف بيولوجية الدماغ التي هي عبارة عن جهاز إعلام آلي يقوم بنظم العلاقات الرمزية اللغوية على نحو دينامي (حركي) رياضي، لأن اللغة ظاهرة بيولوجية (عضوية) تعمل في القسم الأيسر من الدماغ البشري، و بالتالي إذا أصاب هذه الأعضاء أي خلل أو اضطراب فإن ذلك يؤثر حتما على الوظائف اللغوية، والعكس صحيح (الوعر115) باعتبارها المصدر الذي ينتج اللغة بطريقة بيولوجية آلية.
فالعلاقة بين الوظائف البيولوجية والوظائف اللغوية في الدماغ هي علاقة فاعلة ومنفعلة (أي تفاعل) في الوقت نفسه، وهذا إن دل إنما يدل على أن اللغة (الوعر115) ظاهرة فيزيولوجية عضوية تجري عملياتها على مستوى الفم واللسان والحنجرة والشفتين والحلقوم و اللهاة .. إذا حصل مكروه لأحد هذه الأعضاء فإن ذلك سيسبب مرضا نطقيا ما كالتأتأة والفأفأة والتعتعة واللثغة والحبسة …(الوعر115)

إن العلاقة الموجود بين أعضاء النطق البيولوجية (الدماغ، و العين، والأذن، والفم) واللغة كظاهرة بشرية عامة علاقة جد هامة مما نتج عنها علم يسمی باللسانيات البيولوجية (العضوية) (الوعر115).
فهذا ‘إريك لينبرغ’ أيضا اعتبر «اللغة فاعلية من الفاعليات البيولوجية الطبيعية في الإنسان، وقد درسها دراسة تشريحية تشبه الدراسة التشريحية الأخرى للجسم البشري»، أي إن اللغة ما هي إلا نشاط عضوي طبيعي مصدره الدماغ البشري، الذي يمكن أن نجري له عملية جراحية تشريحية كباقي الأعضاء الأخرى عند الإنسان لمعرفة كيفية عمل تلك الفاعليات البيولوجية الفطرية.

والهدف الذي كان يرومه أمثال هؤلاء العلماء: «من هذه الدراسات هو بعث المفهوم البيولوجي للطاقات اللغوية وإرجاعه إلى مكانه الطبيعي في الدراسات اللسانية، وذلك من خلال شرح الفرضيات المتعلقة بهذا المفهوم البيولوجي من جهة، ثم توضيح هذه المفهومات من جهة أخرى، بحيث يمكننا أن نخضعها للفحص والتدقيق، فإذا كان ذلك كذلك فإنه يمكننا أن نعتبر الطاقة اللغوية عضوا فيزيائيا من أعضاء الجسم البشري، ثم يمكننا في الوقت نفسه أن ندرس المبادئ الفيزيائية التي يقوم عليها النظام العامل في ذلك الجسم وعلائقها بالمبادئ اللغوية المختصة بالفصائل الإنسانية وحدها» (الوعر172).

فاعتبارا مما سبق نجد أن تشومسكي يرى أن دراسة اللغة والبحث في نظامها لابد أن يمر عبر ما يسمى بيولوجية اللغة كون اللغة عنده طاقة فيزيائية داخلية تنبعث من الدماغ البشري، فما جاء به تشومسكي «قاد إلى ثورة علمية فعلية نجم عنها بروز أنموذج جديد للتفكير في اللغة، أفرز مجموعة من الإشكالات يجب أن يعتني بها اللغوي، وضمنها الاهتمام بالجهاز الداخلي (newparadigm) الذهني للمتكلمين، عوض الاهتمام بسلوكهم الفعلي. ومع الأنموذج بزغ زمن التركيب، حين اتجه اللساني ليس فقط إلى ما هو موجود من السلاسل اللغوية السليمة، ولكن أيضا إلى ما يمكن أن يوجد. واتضح حينه أن إجراءات التقطيع (segmentation) المستعملة في الأصوات و في الصرف لم تعد ناجعة بما يكفي حتى تمتد إلى التركيب»( الفهري 65).


  •  البنية العميقة والبنية السطحية:

إن البنية العميقة والبنية السطحية من أهم المفاهيم التي تعبر عن الفلسفة اللغوية لدى تشومسكي حيث كانت حاضرة بقوة في نظريته التوليدية التحويلية، ومفاده أن لكل جملة بنيتين: بنية عميقة (competence)، وبنية سطحية (performance)، أما البنية العميقة فهي شكل تجريدي داخلي يعكس العمليات الفكرية (الذهنية)، ويمثل التفسير الدلالي الذي تشتق منه البنية السطحية من خلال سلسلة من الإجراءات التحويلية» (مومن 112)، فاللغة في نظره تعتبر عملا للعقل أو آلة للفكر والتعبير الذاتي، وهذا يعني أن للغة جانبين اثنين جانب داخلي وآخر خارجي، كل جملة يجب أن تدرس من الجانبين؛ الأول يعبر عن الفكر والثاني يعبر عن شكلها الفيزيقي كأصوات ملفوظة (فهمي حجازي 124)، فلو أخذنا المثالين التاليين: “سُرِقَ المَنزلُ”بنية سطحية (صيغة المبني للمجهول) أما بنيتها العميقة فهي موجودة في الذهن إذ تتكون من شخص قام بسرقة المنزل، يمكنني القول بأن البنية السطحية عبارة عن مرآة عاكسة لما هو باطن (البنية العميقة):«فهذان المصطلحان الأداء performance والكفاءة competence يمثلان حجر الزاوية في النظرية اللغوية عند تشومسكي، إن الأداء أو السطح يعكس الكفاءة أي يعكس ما جرى في العمق من عمليات،

ومعنى ذلك أن اللغة التي ننطقها فعلا إنما تكمن تحتها عمليات عقلية عميقة، تختفي وراء الوعي، بل وراء الوعي الباطن أحيانا، ودراسة الأداء أي دراسة” بنية السطح” تقدم التفسير الصوتي للغة، أما دراسة الكفاءة “بنية العمق” فتقدم التفسير الدلالي لها» (فهمي حجازي 115) فالبنية السطحية بنية تظهر على مستوى السطح عن طريق الكلام المسموع أو المكتوب، أما البنية العميقة فإنها ذلك المعنى الموجود على مستوى الذهن، إنها عملية عقلية تحتية بحتة.

فتشومسكي يرى البنية العميقة قادرة على توليد الجمل اللغوية، وأنها تصف هذه الجمل وصفا بنويا صحيحا، و يمكننا تبين هذه القواعد التجريدية من خلال هذه البنية العميقة المشجرة. {لاحظ المخطط 1} (الوعر 126).

البنية العميقة المشجرة ليست واقعأ لغويا ملموسا بل مجرد فكرة تمتاز بالتجريد للعلاقات القائمة صوريا بين مكونات الجملة، إنها عبارة عن مجموعة من الرموز التي تمثل مجموعات توزيعية مختلفة، إذ الشجرة الواحدة لجميع الجمل التي لها البنية التركيبية نفسها، وحتى يصبح لها دلالة لابد أن نعطي للمتغيرات ما يقابلها من الرموز اللغوية الفعلية (غلفان 62-63.) نحو:

ضرب/ ال/ ولد/ ال/ كرة
أكل/ ال/ ولد/ ال/ تفاحة.


  •  اللغة وعلم الفيزياء:

تشومسكي اعتبر اللغة عضوا فيزيائيا من أعضاء الجسم، فإذا درسنا هذه الطاقة اللغوية توصلنا إلى ذلك النظام العامل في الدماغ البشري وما دام الدماغ البشري واحدا موحدا فإنه يسهل علينا أن نتوصل إلى نظام لغوي واحد، وهذا ما سماه تشومسكي بالنحو الكلي أو العام «وذلك لأن الجانب الداخلي يرتبط بالقدرات الأساسية للعقل الإنساني، وهي قدرات عامة بين الناس، ومن ثم كانت فكرة الكليات universals في المنهج التحويلي» (فهمي حجازي 125) حاضرة بقوة في فلسفته في دراسة نحو اللغة.

كيف يمكن لعالم الفيزياء أن يعرف بأن البنية التركيبية لنظريته الفيزيائية الفلكية تملك واقعا فيزيائيا؟ وبعبارة أخرى كيف يمكن أن يعرف بأن نظريته نظرية صحيحة؟ هذا السؤال محير فعلا للعقل البشري؟ لأن العلاقات النووية الحرارية هي موجودة داخل أعماق الشمس، فكيف تمكنوا من شرح العلاقات النووية داخل الشمس تلك العلاقات التي لا يمكن رؤيتها على الإطلاق، إلا أن علماء الفيزياء توصلوا إلى ذلك من خلال دراستهم للطاقة الضوئية، ثم تحديد عناصرها الكثيفة والمتشابكة وذلك انطلاقا علاقات فيزيائية دقيقة قادرة على توليد الطاقة الضوئية (الوعر 178 179 ). هل دراسة الطاقة الضوئية قد أعطت الإجابة الصحيحة والدليل الحاسم على صحة نظريته الفيزيائية لشرح الواقع الفيزيائي؟

إن دراستنا للفاعلية البيولوجية للكفاءة أو المقدرة اللغوية وعمليات داخل الدماغ البشري تشبه تمامأ تلك الأسئلة والاستفسارات ثم الإجابات عن ردود الفعل النووية الحرارية وعملياتها داخل الشمس تلك الردود الناتجة عن الطاقة الضوئية المنبعثة من المحيط الخارجي.
إذن ما يهدف إليه عالم الفيزياء هو نفسه ما يهدف إليه عالم اللسانيات البيولوجي من خلال الدراسة التجريبية للعملية الكلامية، هو التوصل إلى الفاعليات العاملة في الدماغ البشري، فحتما سينطلق عالم اللسانيات من نظريات وفرضيات معينة مبنية على هذه العملية الكلامية التجريبية المشاهدة ثم ردود الفعل السلوكية اللغوية من أجل شرح وتفسير هذه الفاعليات المخبأة في الدماغ البشري (الوعر 180- 181).

هناك سؤال لابد من طرحه على نوام تشومسكي هل الدراسة التجريبية للعملية الكلامية من خلال الواقع السيكولوجي لتلك الفاعليات العاملة في الدماغ كافية من أجل إعطاء نتائج صحيحة تثبت صحة النظرية اللغوية التي توصل إليها؟

هناك من يرى «أن الشواهد والأدلة المقدمة لشرح الواقع السيكولوجي وإثبات وجوده هي ضعيفة، بل إنها عرضة لتفسيرات وتأويلات مختلفة، أضف إلى ذلك أن الشواهد والمواد المقدمة لعالم اللسانيات البيولوجي لإثبات الفاعليات المخبأة في الدماغ البشري هي أقل رضى وقوة من الشواهد والمواد المقدمة لعالم الفيزياء الفلكي، وذلك لإثبات الفاعليات النيوترينية المخبأة داخل الشمس» (الوعر 182).

وعليه يمكن أن نقول بأن الدراسة التجريبية للعملية الكلامية من خلال الواقع السيكولوجي لتلك الآليات العاملة في الدماغ البشري – باعتبارها مواد و شواهد وأدلة – غير كافية لإثبات صحة النظرية التوليدية التحويلية.


  •  خلاصة:

خلاصة القول يمكننا إجمالها فيما يلي:
إن الفلسفة اللغوية التي انطلق منها العالم اللغوي نوام تشومسكي هي فلسفة يمكن وصفها بالفلسفة الجريئة و القوية الطرح، فالباحث انطلق من رؤية جد هامة معتبرا اللغة عضوا فيزيولوجيا كغيرها من الأعضاء الأخرى لدى البشر، فعالم اللسانيات البيولوجي المتخصص عليه أن يدرس اللغة انطلاقا من العملية الكلامية الظاهرة للباحث الدارس متوسلا بذلك إلى ما هو خفي التي ما هي إلا آليات لغوية مخبأة بالدماغ يشترك فيها جميع البشر تلك الفاعليات أو الآليات يعبر عنها بالقواعد والقوانين التي تعمل بها اللغة الذي سماه تشومسكي بالنحو الكلي، حيث إذا تمكن الباحثون و الدارسون من التوصل لهذه الفاعليات فإنه يسهل علينا استنتاج لغة واحدة موحدة يتكلمها جميع الناس، فالفلسفة التي انطلق منها تشومسكي نعتقد أنها فلسفة جد دقيقة وعميقة ومرد ذلك إلى أن الإنسان يُولَد مُزوَّدا بهذا الجهاز الذي يجعله قادرا على اكتساب أي لغة أراد تعلمها بعد اللغة الأم.


  •  مصادر ومراجع الدراسة:

1- أحمد مومن، اللسانيات النشأة والتطور، ديوان المطبوعات الجامعية، الساحة المركزية- بن عكنون-الجزائر، ب ط، 2002.
2- حسن خميس، نظرية التعليل في النحو العربي، دار الشروق، الأردن، د ط، 2000.
3- حلمي خليل، العربية وعلم اللغة البنيوي (دراسة في الفكر اللغوي العربي الحديث)، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية- مصر، د ط، 1996م.
4- عبد الرزاق دوراري، مدخل إلى النحو التفريعي من خلال كتاب تشومسكي”البنى التركيبية” دراسة تحليلية نقدية، موفم للنشر الجزائر،2007.
5- عبد القادر الفاسي الفهري، البناء الموازي (نظرية في بناء الكلمة وبناء الجملة)، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء المغرب، ط1، 1990.
6- عبد القادر الفاسي الفهري، اللسانيات واللغة العربية، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء المغرب، ط 1993، 3، ج1.
7- مازن الوعر، قضايا أساسية في علم اللسانيات الحديث، دار طلاس، دمشق۔ سوريا، ط1، سنة 1988م.
8- مازن الوعر، دراسات نحوية ودلالية وفلسفية في ضوء اللسانيات المعاصرة، دار المتنبي للطباعة والنشر، سورية-دمشق، ط1، 2001.
9- محمد الشكيري، دروس في التركيب بين النظرية التوليدية التحويلية والنحو المعجمي الوظيفي (تطبيقات على العربية)، مكتبة دار الأمان للنشر والتوزيع، الرباط-المغرب، ط1،2005.
10- محمود فهمي حجازي، مدخل إلى علم اللغة، الدار المصرية السعودية، للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة- مصر، ط4، 2006.
11- مصطفى غلفان بمشاركة امحمد الملاخ، حافظ إسماعيل علوي، اللسانيات التوليدية (من النموذج ما قبل المعيار إلى البرنامج الأدنوي:مفاهيم وأمثلة)، علم الكتب الحديث، إربد-الأردن، ط1، 2010.
12- نعوم تشومسكي، البنى التركيبية، تر: يوئيل يوسف عزیز ومراجعة مجيد السماشطة، منشورات عيون، الدار البيضاء، ط2، سنة 1987.
13- N.Chomsky Aspects de la théorie syntaxique, traduit de l anglais par jean-claud milner,edition du Seuil,1971.
14- Noam Chomsky, Le langage et La Pensee, (t.par lius jean calver), p.b.payot,paris, 1980.


د/ عامربن شتوح –
أستاذ محاضر”أ” جامعة عمار ثليجي بالأغواط – الجزائر.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.