صحافة وإعلام

كيف نقلت وسائل الإعلام صور وأخبار الطفل ريان؟

“عندما مارستُ التصوير أول مرة، أحسست بأني شاذة جدًا”..

                                                                          (ديان أربوس).


منذ ابتكارها سنة 1839، صار كل شيء في أحضان الكاميرات وآلات التصوير الفوتوغرافية. صارت تراقب كل شيء، أو يبدو الأمر هكذا. هذا ما دفع الباحثة والروائية والناشطة السياسية الأميركية، سوزان سونتاغ، إلى اعتبار العالم أنطولوجيا من الصور. فبجمع الصور الفوتوغرافية نجمع العالم. لكن استيعاب هذا العالم (الأنطولوجيا) يحتاج إلى زوايا نظر جمالية وأخلاقية.

من هذا المنطلق، سننظر إلى حادثة سقوط الطفل المغربي ريان في بئر مائي في قرية تمروت الجبلية، عمقه يبلغ 32 مترًا، مند الثلاثاء الفاتح من شباط/ فبراير إلى ليلة السبت الخامس منه، حيث تم إخراجه، ثم وفاته بعد لحظات، بعد حفر وإزالة 750 طنًا من الأتربة. وبين السقوط في الجب، والخروج منه، جرت مياه كثيرة تحت الجسر، خصوصًا من ناحية التغطيات الإعلامية، وتداول الأخبار والصور في فضاء وسائل التواصل الاجتماعي.

 

 

في اليوم الثالث من الحادث، تناقلت مجموعة من المواقع، وحتى الحسابات الوهمية، عددًا من صور ريان وهو في حالة احتضار. ومن تلك المواقع والحسابات من نشرت أخبارًا عن الحادث. انتقلت الصور بسرعة، فـ”الصور شيء خفيف الوزن، رخيص التكلفة، من السهل حمله، وجمعه، وخزنه”، حسب جان لوك غودار.


مما اضطر المجلس الوطني للصحافة في المغرب إلى إصدار بلاغ صحافي رفض فيه “الممارسات المشينة التي صاحبت تغطية محاولات إنقاذ الطفل ريان”، ومسجلًا العديد من الخروقات المخالفة لميثاق أخلاقيات مهنة الصحافة، والتي تم ارتكابها من طرف بعض الصحف الإلكترونية، في تجاهل تام للمبادئ الإنسانية التي يتضمنها الميثاق.

ومن نماذج تلك الخروقات، ذكر البلاغ ما يلي: تصوير الطفل ريان في قاع البئر بوجهه الدامي، في وضعية إنسانية صعبة، الشيء الذي يشكل ضررًا لمشاعر عائلته، إضافة إلى خرق مبدأ “الحق في الصورة”، وكذا تصوير واستجواب أطفال قاصرين وهم في حالة إنسانية غير طبيعية، جراء التأثر بالحادث، ورأى المجلس أن ذلك كله تم تحت دافع الربح، وهاجس التسويق التجاري للصور والمشاعر.

والدا الطفل ريان قبيل إخراجه من البئر في شفشاون/ المغرب (5/ 2/ 2022/ الأناضول)

لقد ظهرت تلك الصور، وراجت، باعتبارها قطعًا من حقيقة ما حدث، غير مبالية بالعبث الذي تحدثه للطفل ولعائلته وللمجتمع. لقد دخلت تلك الصور إلى ذاكرة العالم، وسوف تُطبع في شرائح، وسيستمر نشرها إلى أمد غير محدود.

وستُعتمد وتُعرض على أنها براهين أمام الناس الذين لم يروا الحادث. إنها برهانٌ دامغ على أن ما حدث هو فعلًا ما حدث، هذا من دون الوقوف عند التحريفات (مثل الصورة التي نشرت لطفل وهو في سيارة الإسعاف على أنها لريان، في حين ثبت أنها ليست كذلك).

لا يمكن نكران أن الصور التي كانت تُبث عن الحادث كانت تهدئ من القلق الذي يحس به المتابعون في كل العالم للتطورات، وهدفهم التوصل، وبسرعة، إلى خبر إنقاذ ريان. فهذا هو الشيء الذي يمكن للصحافيين فعله. “إن الانفصال عن ريان، أو إهماله، هو في حد ذاته صدمة.

لا تدعوه وحده في الجُب، ابعثوا الصور تلو الأخرى، إن الصورة شيء خفيف ويمكن نقله بسرعة من أقصى الأرض إلى أقصاها”، هذا ما ظن الصحافيون أن عليهم فعله. لكن، للأسف، نسوا أن التصوير هو في الجوهر فعل تدخلي شنيع.

لا بد أن نستحضر هنا فيلم دزيغا فيرتوف “رجل مع كاميرا سينمائية”، الذي يقدم صورة عن الفوتوغرافي باعتباره شخصًا حائرًا في حركة دائمة، هدفه نقل أحداث مفجعة. لكن من له الحق في هدا التدخل؟ ترى سوزان سونتاغ أن المصورين مجرد متلصصين على آلام الآخرين.

إن تصوير الناس هو اعتداء عليهم. إن التصوير هو فن رثائي، “فن زمن الانحطاط”. وستبقى صور ريان على صلة بالرثاء. والفوتوغرافيون لا يسترعي انتباههم سوى المواضيع الشاذة، المثيرة للكآبة. والصور التي نُقلت عن ريان ستظل كناية عن شيء يُحفظ للتذكير بحتمية الموت، مثل جمجمة إنسان.


ومجرد التقاط الصور لريان هو “مساهمة في فنائه” (سوزان سونتاغ: التقاط صورة هو مساهمة في فناء شخص).

لقد نسخ الصحافيون والمصورون وحاملو الهواتف النقالة ريان آلاف المرات، وستبقى تلك الصور حضورًا زائفًا لطفل في وضع مأساوي لم يقدم له المصورون أدنى مساعدة. لكن، من جهة أخرى، يبدو ريان كأنه شخص رمزي، أيقوني، له علاقة استعارية بالعديد من القضايا الفنية والإنسانية والأخلاقية، وليس من قبيل الصدفة الشبه بينه وبين الجندي ريان في فيلم ستيفن سبيلبرغ “إنقاذ الجندي ريان” (1998).


ضفة ثالثة 

محمود عبد الغني

بالعربية: موقع عربي غير حكومي؛ مُتخصص في اللّغة العربية وعلومِها ومباحثِها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لمشاهدة المحتوى يرجى تعطيل كابح الإعلانات