الاتجاهات الفلسفية الكبرى

الاتجاه العَدمي في الفلسفة

الأصل الاشتقاقي للعدمية هو الجذر اللاتيني لكلمة nihil، والتي تعني «لا شيء»، والتي توجد بالمثل في المصطلحات ذات الصلة annihilate، والتي تعني «الإفضاء إلى اللا شيء»، وnihility تعني «اللا وجود».


ظهر مصطلح العدمية في عدة أماكن في أوروبا خلال القرن الثامن عشر، ولا سيما في الشكل الألماني Nihilismus، على الرغم من استخدامه أيضًا خلال العصور الوسطى للإشارة إلى أشكال معينة من الهرطقة.

ظهر المفهوم نفسه لأول مرة في الفلسفة الروسية والألمانية، اللتين مثلتا على التوالي تيارين رئيسيين للخطاب حول العدمية قبل القرن العشرين.


ومن المحتمل أن المصطلح دخل اللغة الإنجليزية من كلمة Nihilismus الألمانية أو كلمة nihilismus اللاتينية المتأخرة أو nihilisme الفرنسية.


عُثر على أمثلة مبكرة لاستخدام المصطلح في المنشورات الألمانية. في عام 1733، استخدمها الكاتب الألماني فريدريش ليبريشت جويتز كمصطلح أدبي مع noism (الألمانية: Neinismus). وفي الفترة المحيطة بالثورة الفرنسية، كان المصطلح أيضًا ازدراءً لبعض اتجاهات الحداثة المدمرة للقيم، أي إنكار المسيحية والتقاليد الأوروبية بشكل عام.


دخلت العدمية الدراسة الفلسفية لأول مرة ضمن الخطاب المحيط بالفلسفات الكانطية وما بعد الكانطية، وظهرت بشكل ملحوظ في كتابات عالم الباطنية السويسري جاكوب هيرمان أوبيرت في عام 1787 والفيلسوف الألماني فريدريش هاينريش ياكوبي في عام 1799.


وفي وقت مبكر من عام 1824، بدأ المصطلح يأخذ دلالة اجتماعية مع الصحفي الألماني يوزيف فون غوريس، وقد عزا ذلك إلى إنكار المؤسسات الاجتماعية والسياسية القائمة. ثم نُشرت الصيغة الروسية للكلمة، nigilizm، في عام 1829 عندما استخدمها نيكولاي ناديجدين بشكل مترادف مع الشكوكية. استمرت الكلمة بالحصول على دلالات اجتماعية كبيرة في الصحافة الروسية.

انتهى استخدام المصطلح تمامًا في جميع أنحاء أوروبا منذ عهد ياكوبي، حتى أعيد إحياؤه من قبل المؤلف الروسي إيفان تورغينيف، الذي جعل الكلمة تنتشر شعبيًا مع روايته الآباء والبنون عام 1862، ما دفع العديد من المفكرين إلى الاعتقاد بأنه صاغ المصطلح.


تُعرِّف الشخصيات العدمية في الرواية نفسها على أنها أولئك الذين «ينكرون كل شيء»، والذين «لا يعتنقون أي مبدأ في الإيمان، ومهما يكن احترام هذا المبدأ»، والذين يعتبرون «في الوقت الحاضر، اللا وجود هو الأكثر فائدة من أي شيء».

على الرغم من ميول تورغينيف المعادية للعدمية، فإن العديد من قرائه أخذوا بالمثل اسم العدميين، وبالتالي ينسبون إلى الحركة العدمية الروسية. بالعودة إلى الفلسفة الألمانية، جرت مناقشة العدمية بشكل أكبر من قبل الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، الذي استخدم المصطلح لوصف تفكيك العالم الغربي للأخلاق التقليدية.


بالنسبة إلى نيتشه، فإن العدمية تنطبق على كل من الاتجاهات الحديثة لتدمير القيم التي جرى التعبير عنها في «موت الله»، وكذلك ما رآه أن أخلاق المسيحية تنكر الحياة. وتحت تأثير نيتشه العميق، عولج المصطلح بعد ذلك في الفلسفة الفرنسية والفلسفة القارية على نطاق أوسع، بينما يمكن القول إن تأثير العدمية في روسيا استمر في العصر السوفيتي.


صرح علماء الدين مثل ألتيزر بأن العدمية يجب أن تُفهم بالضرورة من خلال علاقتها بالدين، وأن دراسة العناصر الأساسية في شخصيتها تتطلب اعتبارًا لاهوتيًا بشكل أساسي.


فالعدمية (Nihilism) إذاً؛ هي فلسفة، أو مجموعة من الآراء داخل الفلسفة، ترفض الجوانب العامة الأساسية للحياة وللوجود البشري، مثل الحقيقة الموضوعية أو المعرفة أو الأخلاق أو القيم أو المعنى. تؤمن الافتراضات العدمية المختلفة أن القيم الإنسانية لا أساس لها من الصحة، وأن الحياة لا معنى لها، وأن المعرفة مستحيلة، وأن مجموعة من الكيانات لا وجود لها أو لا معنى لها أو لا هدف لها.

قد يعتبر مفكرو العدمية أنها مجرد تسمية تطلق على فلسفات منفصلة مختلفة، أو أنها مفهوم تاريخي متميز ناشئ عن المذاهب الاسمية والشكوكية والتشاؤم الفلسفي، وكذلك ربما من المسيحية نفسها. ينبع الفهم المعاصر للفكرة إلى حد كبير من «أزمة العدمية» النيتشوية، والتي اشتق منها المفهومان المركزيان: تدمير القيم العليا ومعارضة إثبات الحياة.

ومع ذلك، قد تكون الأشكال السابقة للعدمية أكثر انتقائية في إنكار الهيمنة المحددة للفكر الاجتماعي والأخلاقي والسياسي والجمالي.


يستخدم المصطلح أحيانًا بالاقتران مع اللا معيارية لشرح المزاج العام للاكتئاب من عدم جدوى الوجود أو تعسف المبادئ الإنسانية والمؤسسات الاجتماعية. وصفت العدمية أيضًا بأنها تبرز في فترات تاريخية معينة أو تكون مكونة لها.

مثلًا، وصف جان يودريار وآخرون ما بعد الحداثة بأنها حقبة عدمية أو أسلوب تفكير. وبالمثل، ذكر بعض اللاهوتيين والشخصيات الدينية أن ما بعد الحداثة والعديد من جوانب الحداثة تمثل العدمية من خلال إنكار المبادئ الدينية. ومع ذلك، فقد نُسبت العدمية على نطاق واسع إلى كل من وجهات النظر الدينية واللا دينية.


في الاستخدام الشائع، يشير المصطلح عمومًا إلى أشكال العدمية الوجودية، والتي بموجبها تكون الحياة دون قيمة أو معنى أو غرض جوهري. تشمل المواقف البارزة الأخرى داخل العدمية رفض جميع الآراء المعيارية والأخلاقية (العدمية الأخلاقية)، ورفض جميع المؤسسات الاجتماعية والسياسية (العدمية السياسية)، والموقف القائل بعدم وجود معرفة أو وجودها (العدمية المعرفية)، وعدد من المواقف الميتافيزيقية، التي تؤكد أن الأشياء غير المجردة غير موجودة (العدمية الميتافيزيقية)، وأن الأشياء المركبة غير موجودة ( العدمية المجردة)، أو حتى أن الحياة نفسها غير موجودة.


  • أهم الاتجاهات في الفلسفة العدمية

  1. العدمية الميتافيزيقية: هي فلسفة عدمية تفترض أن الاشياء المادية في العالم المحسوس لدى البشر قد لا تكون موجودة في العالم الحقيقي، أو أنه حتى لو وجدت عوالم محتملة تحتوي على بعض الأشياء الملموسة، فهناك على الأقل واحدة تحتوي فقط على كائنات مجردة.
  2. العدمية المعرفية: هي فلسفة عدمية تفترض الشك في جميع المعارف البشرية على أنها غير صحيحة أو انها غير قادرة على التأكد من صحتها.
  3. العدمية الوجودية: هي فلسفة عدمية تفترض الأعتقاد بأن الحياة البشرية بأكملها غير مهمة بالنسبة للكون، بدون غرض ومن غير المرجح أن عُدمت تلك الحياة البشرية فأنه لن يتغير في الوجود شيء.
  4. العدمية الأخلاقية: هي فلسفة عدمية تفترض النظرة الفوقية الأخلاقية التي تقول بإن الأخلاق لا وجود لها كشيء ملازم للواقع الموضوعي المجرد من العواطف، لذلك لا يوجد فرق بين الأخلاق الحميدة والأخلاق الذميمة سوى في المنظور البشري، على سبيل المثال يقول العدمي المؤمن بالعدمية الأخلاقية.

إن قتل شخص ما لأي سبب كان، ليس خطأً بطبيعته، قد يجادل العدميون الآخرون بعدم وجود أي أخلاق على الإطلاق، ولكن إذا كان البناء الأخلاقي موجوداً، فهو بناء بشري مصطنع، حيث أن الأخلاق تدخل في نسبية البشر وحسب ما يرونه أخلاقياً أو غير أخلاقي.

على سبيل المثال ايضاً إذا قتل شخص ما شخصًا آخر، فقد يجادل ذلك العدمي بأن القتل ليس أمراً سيئًا بطبيعته، أو سيئًا بمعزل عن معتقداتنا الأخلاقية، وذلك بسبب الطريقة التي يتم بها بناء الأخلاق باعتبارها ثنائية بدائية.

ما يقال أنه أمر سيء هو إعطاء ترجيح سلبي أعلى مما يسمى جيدًا نتيجة لذلك، كان قتل الفرد سيئًا لأنه لم يسمح للفرد بالعيش، والذي تم منحه بشكل تعسفي ترجيحًا إيجابيًا، وبهذه الطريقة تؤمن العدمية الأخلاقية بأن كل الادعاءات الأخلاقية باطلة من أي قيمة حقيقية، ووجهة نظر علمية بديلة هي أن العدمية الأخلاقية هي أخلاقية بحد ذاتها.

 

بالعربيّة

بالعربية: موقع عربي غير حكومي؛ مُتخصص في اللّغة العربية وعلومِها ومباحثِها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لمشاهدة المحتوى يرجى تعطيل كابح الإعلانات