الطبيعية أو الطبْعانية – سادس المذاهب الأدبية
الطَّبعانية، الطبيعانية ، المذهب الطبيعي مذهب في الفن والأدب نشأ في فرنسا عام 1880 وتميز بالنزوع إلى تطبيق مبادئ العلوم الطبيعية وأساليبها، وبخاصة النظرة الداروينية إلى الطبيعة، على الأدب والفن.
يعتبر إميل زولا مؤسس هذا المذهب، وقد أكّد في ” الرواية التجريبية ” le Roman experimental (عام 1880) التي تعدُّ البيان الأدبي لهذا المذهب، على أن الروائي ينبغي أن لا يبقى مجرّد مراقب يكتفي بتسجيل الظواهر،
بل أن يكون ” مجرّباً ” يخضع شخصياته وأهواءها لسلسة من الأختبارات ويعالج الوقائع العاطفية والأجتماعية كما يعالج الكيميائي المادة.
يعود المذهب الطبيعي Naturalism في الأدب الى اصول اوربية، ولكنه حركة مهمة في الأدب الأمريكي من التسعينيات في القرن التاسع عشر الى العشرينيات من القرن العشرين.
ومع ان المذهب الطبيعي يرتبط بالواقعية من حيث تأكيده على تصوير الواقع الظاهر، الأ انه اكثر من مجرد تقنية أدبية، بل هو يتجاوز ذلك الى فلسفة الحتمية.
وهو يتعارض مع الرومانسية من حيث تأكيده على قدرة البشر المحدودة على فرض ارادتهم في تحديد مصيرهم ومن حيث التقليل من قيمة تجميل الواقع باللجوء الى الخيال.
فوظيفة الكاتب الملتزم بالمذهب الطبيعي هي تصوير الواقع دون اوهام، وهي تقديم رؤى علمية باردة للواقع دون تشويه ودون تزيين ارضاء للمجتمع. كما ان هذا الكاتب يحمل على عاتقه مهمة تشخيص عيوب المجتمع والكشف عنها.
ويعود العنصر العلمي في المذهب الطبيعي الى نظريات تشارلس داروين وكارل ماركس ومن جاء بعدهما من علماء ساهموا في تطوير العلوم الأجتماعية في القرن التاسع عشر.
وقد تطور المذهب الطبيعي في الأدب الأمريكي باتجاهين: الأول يهتم بتصوير الحياة الريفية بعناصرها الأجتماعية والسياسية والثاني يهتم بتسليط الضوء على الجوانب البيولوجية لفلسفة الحتمية. ويبدو تأثير ماركس واضحا في الأتجاه الأول وتأثير داروين واضحا في الأتجاه الثاني.
ويعود الفضل في هذا العنصر التشخيصي في المذهب الطبيعي بشكل مباشر للروائي الفرنسي اميل زولا، وهو اهم من طور المذهب الطبيعي الأدبي. واعتقد الكتاب الأمريكيون في تلك الحقبة من التاريخ الأدبي الأمريكي، ومن ابرزهم ستيفن كرين، بأن مسؤولية الكاتب تتركز في التحليل العلمي.
ورواية كرين “ماغي، فتاة من الشوارع” تعتبر اثرا كلاسيكيا في المذهب الطبيعي. وفيها تبرز اهمية البيئة التي تعيش فيها الشخوص واثرها في تشكيل حياتهم ومصائرهم.
ويصور كرين في الرواية انهيار اسرة ماغي وانحرافها الى عالم الرذيلة وانتحارها في اخر الأمر. وهو يعتبر هذه الأحداث سلسلة حتمية نظرا الى ندرة الخيارات التي توفرها البيئة المعدمة في نيويورك التي تدور احداث الرواية فيها.
وتعتبر الرواية مثالأ للرواية الملتزمة بالمذهب الطبيعي. فالكاتب هنا يسجل احداثا في بيئة ريفية، وهو يرفض التنديد بانحراف ماغي. نذكر هنا ايضا ان تصوير البيئة الفقيرة والتركيز على القضايا اللااخلاقية يعتبران من الجوانب المتكررة في الأدب الطبيعي.
وكما كان الحال في الأدب الفرنسي في ذلك الوقت، كانت أعمال الكتاب الطبيعيين في الولايات المتحدة عرضة للمنع والتنكيل. وبالرغم من ان ستيفن كرين ابتعد في مرحلة لاحقة عن المذهب الطبيعي الكلاسيكي الأ ان اعماله حافظت على النزعة التشخيصية المعادية للوهم.
وطور روائيون امريكيون من امثال وليام دين هاولز W. D. Howells وثويودور درايزر Theodore Dreiser وفرانك نوريس Frank Norris وابتون سنكلير Upton Sinclair وجون شتاينبك John Steinbeck الأعتقاد بان البيئة الأقتصادية والأجتماعية تحدد السلوك البشري وترسم له طريقا لا يتجاوزه.
ونقرأ في روايات مثل “مأساة امريكية” 1925 لدرايزر، و”ماغتيك”1899 لنوريس عن اكتشاف مصير الفرد في اثناء التحول الصناعي والحضري في الولايات المتحدة.
وأدب المذهب الطبيعي الأمريكي مرتبط بشكل خاص بمرحلة التحول الأجتماعي في حقبة ثورة المد الرأسمالي وانتعاش المصالح التجارية على مستوى الشركات الكبرى. وتشكل الداروينية الأجتماعية اساسا للمذهب الطبيعي في اواخر القرن التاسع عشر.
اما الجانب الحتمي في القوى البيولوجية فهو بشكل عام اقل وضوحا في الكتابات الأمريكية منه في كتابات اخرى مع ان هذا الجانب ظهر واضحا في كتابات مارك توين Mark Twain في اواخر القرن التاسع عشر وفي بعض الكتابات النسائية.
ومع ان المذهب الطبيعي كان سائدا في الكتابات الأمريكية ما بين 1895 و1925 الأ انه استمر حتى مرحلة الحداثة. فارنست همنغواي Ernest Hemingway مثلا ابرز مفهوم الحتمية في تصوير شخوص اخضعهم لظروف بالغة الصعوبة وصورهم قادرين على ان يعيشوا بصدق مع ذواتهم.
وقدم كتاب الواقعية من امثال شيروود اندرسون Sherwood Anderson وسنكلير لويس Sinclair Lewis مصطلحات المذهب الطبيعي في تحليلاتهم لدوافع البشر وظروفهم.
عموما ؛ الواقعية والطبيعية مدرستان أدبيتان مستقلتان الواحدة عن الأخرى. غير ان المدرستين تتشاركان ببعض النقاط. فكلاهما تقدمان نظرة الى الحياة والأنسانية بمعزل عن الرومانسية وتتجنبان العناصر الخيالية والغيبية.
وقد ظهرت المدرستان في القرن التاسع عشر في فترة اتسمت بالفقر والأضطراب. واذا كانت الواقعية تسعى الى تصوير الحياة تصويرا امينا فان الطبيعية تقدم صورة يائسة لها.
والحق ان الطبيعية انطلقت من الواقعية وتعد امتدادا لها. وهي صورة مبالغ فيها للواقعية. وهي تصور حياة شخوص تحت رحمة البيئة والوراثة والأوضاع الأجتماعية – وكلها عناصر تقع خارج نطاق سيطرة الفرد. ومن هنا فان الفرد يعيش حياة بائسة ويعجز عن تغيير ظروفه الى افضل.
وتركز الأعمال الواقعية على الطبقة المتوسطة في المجمع. اما الطبيعية فان اهتمامها يقع على رسم صورة لافراد الطبقةالفقيرة المعدمة اقتصاديا وتعليميا بحيث تشكل بيئتها مرتعا للجريمة والعنف. والطبيعة في الأعمال الطبيعية قوة متوحشة لا تأبه لحياة الناس ومصالحهم.
ويعود الفضل في تطوير المذهب الطبيعي في أوروبا الى الكاتب الفرنسي إميل زولا. والحركة في الأدب الأمريكي مدينة لأصول أوربية في الأساس.
إعــداد : د. زياد الحكيم