السُّقُوطُ في وَهْمِ اِستِقلاليةِ العَقلِ والفِكْرِ

0

 

          ليس إعمال العقل وشحذ الفكر بنَبت غريب على بيئتنا العربية الإسلامية، فآيات القرآن الكريم تزخر بالدعوة إلى ذلك، ومنها قوله تعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا الحج/   46 ، ومنها قوله جل وعلا:  ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾٢١ الحشر، ولا تعني الدعوة إلى هذا الإعمال الخروج من دائرة المباح الرحبة، بدعوى استقلالية العقل وحرية الفكر، فتلك دعاوى ظاهرها الرحمة وممارسة الحق في إعمال العقل، وباطنها السقوط في مهاوي الشطط، والتمرد على الثوابت التي تحفظ للأمة الضرورات الخمس، التي تكفلت بها شريعتنا الغراء، وَهِيَ: الدِّينُ، وَالنَّفْسُ، وَالنَّسْلُ، وَالْمَالُ، وَالْعَقْلُ.


             وهذه الاستقلالية في قرارة نفسها ما هي إلا سيطرة وسطو على حريات الآخرين في الفكر وإعمال العقل، وأصحاب هذه الدعاوى إنما يوجهون دعواهم تحت راية التحرر الفكري والعقلي لاجتذاب أنصار ومريدين لهم وفق مبادئ محددة يعد الخروج عليها ردة فكرية وعقلية… وهذا لعمري تكبيل للعقل وحد من حرية الفكر. ولعل في المذاهب الفلسفية القديمة والحديثة البرهان الساطع على هذا الأمر.

              ولا يعنى الوقوف ضد هذه الدعاوى أن استقلالية العقل وحرية الفكر شيء ممقوت في ثقافتنا العربية الإسلامية، لكن المقصد أننا ضد الاستقلالية الذي تجعل صاحبها وحيدا فريدا يغرد خارج السرب، وتجعل منه إمَّعة لا يحمل العقل المنتج ولا الفكر المبدع، بل دون أن يعي  يردد كالبَبَّغاء ما يقوله الآخرون ، كما حذر البيان النبوي الشريف “لا تكونوا إمَّعةً؛ تقولون: إن أحسنَ الناسِ أحسنَّا، وإن ظلموا ظلمْنا، ولكن وطِّنوا أنفسَكم: إن أحسنَ الناسُ أن تُحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلِموا “() والحديث رغم ضعفه إلا أنه يؤخذ به في فضائل الأعمال.  فلا غضاضة مطلقًا أن نصنع كما صنع الآخرون وأن نفيد من عقولهم وأفكارهم، دون أن نفقد شيئًا من شخصيتنا وثوابتنا.


            ولو أن المجتمع الصغير الأسرة، صار كل فرد من أفراده يولى وجه شطر ما يمليه عليه عقله، وأضحى فكره يجول يمنة ويسرة دون بوصلة توجهه؛ لتشتت الشمل، واُفتقدت التكاملية وصار لكلٍ فكره المنعزل عن الآخر وبات الجميع ــــــــ الذين يحسبهم الناس جميعا ـــــــ قلوبَهم شتي. ولذا وجَّه الإسلام قبل تربية النشء إلى اختيار الأم (الزوجة) الصالحة التي لا تتصادم مع زوجها بدعوى استقلالية العقل والفكر، ولا تكون كذلك إمعة على المطلق، بل تتكامل مع هذا الزوج وتتشارك معه في الرأي والفكر…

يبحث كلاهما في عقل الآخر ليجد ما يؤيد الفكرة التي تعتمل في ذهنه، أو ما يؤكد رفضها. ولعل هذا بعض ما يفهم من قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الروم/٢١، ولئن ضن كلا الزوجين على الآخر في هذا الأمر التكاملي، لتعقدت الأمور، وسريعا ما يأتي المدد من اللعين إبليس ليزيِّن لهما البحث عن شريك آخر لا يرفع شعار الاستقلالية بل يرحب بالتكاملية ولو تظاهرًا، وهنا تبدأ أولى مراحل الشقاق، والتفكك الأسري.


             وقد حفظت لنا الأمثال العربية وهي مرآة المجتمع العربي ما يعبر عن هذا التوافق بين الرجل الزوج والمرأة الزوجة، ما حفَّز كلاهما على الاقتران بالآخر فقيل: “وَافَقَ شَنٌّ طَبَقَةَ” وقصة هذا المثل: أنَّ رجلا من دُهاة العرب وعُقَلاَئهم يُقَال له شَنٌّ، فَقَالَ: والله لأَطُوفَنَّ حتى أجد امرأة مثلي أتزوجها، فبينما هو في بعض مَسِيرَه إذ وافقه رَجُلٌ في الطريق، فسأله شَنٌّ: أين تريد؟ فَقَالَ: موضعَ، كذا، يريد القربة التي يَقْصِدها شَنٌّ، فوافقه، حتى إذا أخذا في مسيرهما قَالَ له شَنٌّ: أتحْملُنِي أم أحْمِلُكَ؟ فَقَالَ له الرجل: يا جاهل أنا راكب وأنت راكب، فكيف أحملك أو تحملني؟ فسكتَ وعنه شَنٌّ وسارا حتى إذا قَرُبا من القرية إذا بزَرع قد استَحْصَد، فَقَالَ شَنٌّ: أترى هذا الزرع أكِلَ أم لاَ؟ فَقَالَ له الرجل: يا جاهل ترى نَبْتاً مُسْتَحْصِداً فتقول أكِلَ أم لاَ؟ فسكَتَ عنه شن حتى إذا دخلاَ القرية لَقَيَتْهما جِنَازة فَقَالَ شن: أترى صاحبَ هذا النّعْشِ حياً أو ميتاً؟ فَقَالَ له الرجل: ما رأيتُ أجْهَلَ منك، ترى جِنَازة تسأل عنها أمَيْتٌ صاحبُها أم حي؟ فسكت عنه شَن، لأنه أراد مُفارقته، فأبى الرجل أن يتركه حتى يصير به إلى منزله فمضى معه، فكان للرجل بنت يُقَال لها طَبقة فلما دخل عليها أبوها سألته عن ضَيفه، فأخبرها بمرافقته إياه، وشكا إليها جَهْلَه، وحدثها بحديثه، فَقَالَت: يا أبت، ما هذا بجاهل، أما قوله “أ تحملني أم أحملك” فأراد أتحدثُني أم أحَدِّثك حتى نقطع طريقنا، وأما قوله “أترى هذا الزرع أكِلَ أم لاَ” فأراد هَلْ باعه أهله فأكلوا ثمنه أم لاَ، وأما قوله في الجنازة فأراد هل ترك عَقِباً يَحْيا بهم ذكرهُ أم لاَ، فخرج الرجل فَقَعد مع شَنٍّ فحادثه ساعة، ثم قَالَ أتحبُّ أن أفسِّرَ لك ما سألتني عنه؟ قَالَ: نعم فَسَّرَهُ، ففَسَّرْهُ، قَالَ شن: ما هذا من كلامك فأخبرني عن صاحبه، قَالَ: ابنة لي، فَخَطَبها إليه، فزوَّجه إياها، وحملها إلى أهله، فلما رأَوْها قَالَوا: وافَقَ شَنٌّ طَبَقَةَ، فذهبت مثلاً. يضرب للمتوافقين. ()

               وقد تعلمنا، وما زلنا نعلِّم شبابنا أساسيات التفكير العلمي، وأولى خطواته تبدأ بالإحساس بالمشكلة، التي نادرًا ما يختلف عليها المعنيون بالبحث فيها، ثم فرض الفروض التي لا يمكن بأي حال أن تكون منفصلة أو مستقلة بل متكاملة وأحيانا ما تكون هذه الفروض توافقية وصل إليها أكثر من شخص… وهكذا حتى آخر خطوة، وهي حل المشكلة التي تكون نتيجة جهد جماعي تكاملي، وليس جهدا فرديا استقلاليا كان صاحبه يفكر خارج الفريق الذي ينتمي إليه.

          وبعد فحري بنا أن نفكر جليًّا قبل أن نردد ألفاظًا أو تراكيب أو حتى عبارات، دون أن نعي ما وراءها من معان ومقاصد، وأرْبَأ بمن هم مسؤولون عن بناء النشء أن ينزلقوا في هذه المغالطات ويرددوا هذه التُّرَّهَات…. أسأل الله أن يجنبنا الشطط، ويهدينا سبل الصواب في الأقوال والأفعال.  

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.