نحو فكرٍ عربيٍّ جديد

0

 

يحتاج الفكر أبدا إلى التجديد ليتلاءم مع تطورات العصر. وإذا تأخر عن مواكبته أصيب بالعطالة الفكرية التي تحول بينه وبين معرفة العصر أو الانخراط فيه.

منذ أن تنازل الفكر العربي عن اهتمامه بالبحث العلمي، وصار يدور في فلك اجترار ما أنجز في عصوره الذهبية انتهى زمان تجدده، ودخل مرحلة الجمود التي جعلته نهبا للدول التي جددت رؤيتها للكون، فكان الاستعمار، وبعده الاستعمار الجديد. ورغم محاولات التجديد التي طرأت منذ عصر النهضة إلى الآن، ظل غياب تحديد منطلقات التجديد ومبادئه، والإرادة السياسية مقومات لعدم تجدده، وانتقاله من عهد العطالة الفكرية إلى ممارسة النظر والعمل الملائمين اللذين يعطيانه إمكانية الإنتاج المعرفي الذي يمهد له طريقا للتحول والتطور.

تمحورت أشغال المؤتمر السابع عشر لمؤسسة الفكر العربي (فكر 17)، والذي احتضنته إثراء بالظهران في بداية شهر كانون الأول (ديسمبر) 2019، مناسبة مهمة لمعاودة النظر في واقع الفكر العربي ومستقبله من خلال مشاركات الكثير من المنشغلين بقضايا الفكر والثقافة والاقتصاد والاجتماع، ومن أجيال مختلفة، من الوطن العربي، والمهجر، وباحثين أجانب في اختصاصات متعددة. وعلى مدى ثلاثة أيام تنوعت المداخلات والأوراق سواء في الجلسات المفتوحة، أو الخاصة لتسائل مختلف الجوانب المتعلقة بواقع الفكر العربي، وبسط العوامل التي تسهم في خروجه من العطالة التي يتخبط فيها منذ أزمان عديدة.

كان السؤال المؤرق هاجس كل المتدخلين، وكان الاختلاف في التشخيص وتقديم البدائل دليلين على تشعب الموضوع وتعقده. كما كان ذلك مبينا لواقع أن الأجوبة السهلة والمكرورة لم تعد تجدي نفعا، ولا تنطلي على أحد. ولا يعكس كل ذلك سوى أن الوعي بما أنجز منذ زمان، وما يفرضه الواقع الحالي من تطورات غير منتظرة، بات يفرض نفسه على الجميع، وأن التصورات الجاهزة والمسبقة لم يعد لها أي إمكان لفرض نفسها على سؤال الفكر العربي وهو يبحث عن مسالك جديدة للخروج من الوضع السلبي الذي ظل يتخبط فيه. ولعل طبع أعمال المؤتمر يمكن أن يفتح نقاشا واسعا على متطلبات المرحلة الجديدة وما تفرضه من ضرورات للتجديد والتطوير.

إن كل الأسئلة التي ظلت تطرح على مستوى الفكر العربي الحديث حول التقدم والتأخر، والثقافة والمثقف، والفرد والمجتمع والسياسة، والاقتصاد والأخلاق، وحول القديم والحديث، والأنا والآخر… باتت تفرض تقديم أجوبة جديدة تتلاءم ليس مع الرغبة الخاصة، ولكن مع الضرورة العامة. لقد مر أكثر من قرن من الزمان على بداية وعي الفكر العربي بنفسه، وتساؤله حول واقعه ومستقبله. وخلال هذه المدة كانت تظهر بين الفينة والأخرى دراسات وكتابات تتركز على تحديث الفكر العربي وتجديده، وتحليل بنياته العقلية والذهنية وسياقاتها المختلفة. لقد تشكل تراث هام ساهم في الكثير من المثقفين العرب، من مختلف الاتجاهات الفكرية، والبلدان العربية. لكن كل تلك القراءات، كانت تثير وقتها بعض الجدل، أو السجال، ثم سرعان ما يتم نسيانها، أو تناسيها.

لا يمكن أن يتطور الفكر بدون تحقيق تراكمات، واختلافات، ونقاشات تركيبية تستخلص ما هو قابل للاستثمار والتطوير والتعميق. إن تاريخ الفكر العربي الحديث يكاد يخلو من رصد التطورات الطارئة على بنياته وعلى ترهين ما هو قابل منها للنقاش المتواصل والهادئ. إننا في كل حقبة تاريخية، رغم التبدلات الواقعة، نجد أنفسنا أمام إعادة طرح الأسئلة نفسها، ونعمل على التفكير فيها بدون اعتماد أي خلفية في البحث. فتكون النتيجة أننا نستعيد ما قيل في مراحل سابقة ولكن بلغة جديدة، ومصطلحية مختلفة. لكن الجوهر يظل واحدا. من يقول الآن: إننا تجاوزنا ثنائية الأصالة والمعاصرة؟ أو النحن والآخر؟ إن مدلول هذه الدوال لم يتغير من حيث الجوهر. قد تتغير المعلومات والمعطيات لكن المحتوى واحد. إننا ندور في متاهة، بسبب الانقطاع الفكري الذي لا ينهض على أساس الاستمرار في طرح الأسئلة الجوهرية. إننا نفكر بطريقة واحدة في كيفيات مختلفة. ولذلك لا يمكننا أن ننتج معرفة حول واقعنا ومستقبلنا.

من هنا تأتي أهمية الدعوة إلى فكر عربي جديد. إنها دعوة إلى تجديد عملية التفكير في التفكير العربي لإنتاج فكر جديد. ومدخل ذلك هو السؤال حول الفكر نفسه، وقد صار موضوعا للتفكير. يتطلب هذا في رأيي نقد الفكر العربي الحديث نقدا إبستيمولوجيا، من خلال قراءة موضوعية لا إيديولوجية تراعي السياقات التي ظهر فيها. إن النقد الإبستيمولوجي مطلب حيوي شريطة أن يتحقق من خلال القراءة الموضوعية التي لا تنطلق من المسبقات التي ظلت تتحكم في كل السجالات الفكرية التي هيمنت طوال تاريخ فكرنا الحديث. إن الوقوف على أهم محطات التحول التي عرفها الفكر العربي وتفسير العوامل التي ساهمت في تشكله، والعوائق التي ظلت تحيط به يمكننا من فهم لماذا كان التفكير يأخذ منحى، ويستبعد آخر، من جهة. ولا بد، من جهة ثانية، من وضع التفكير في الفكر العربي في نطاق مصلحة الوطن العربي بما يزخر به من تعدد وتنوع غنى، أي بدون الانحياز إلى أي عامل من العوامل التي يتشكل منها سواء كانت ذات طبيعة عرقية أو طائفية أو عقائدية. إن الرؤية الشمولية للإنسان العربي مطلب أساس لأنه يراعي مصلحة الوطن والمواطن أولا وأخيرا. وبذلك يتم تجاوز الرؤيات التجزيئية والمصلحة الضيقة. ومن جهة ثالثة لا بد من وضع التفكير في الفكر العربي في نطاق العصر المعرفي الذي نعيش فيه. إنه بدون فهم هذا العصر وشروطه، وإكراهاته، والعوامل التي تسهم في تطوره، وبدون التطلع إلى امتلاك المعارف والعلوم التي تتفاعل فيه، وتوجهه لا يمكننا أبدا الانخراط فيه. وسنظل أبدا موضوعا مستهدفا لمن يحكم السيطرة على تلابيبه. ولقد ظل هذا ديدننا منذ عصر النهضة إلى الآن.

لطالما برزت الدعوات إلى تجديد الخطابات الدينية والأدبية والفكرية وغيرها في ثقافتنا الحديثة. فما هي العوائق التي حالت دون ذلك؟ كيف يمكننا أن نجدد الخطاب، ومنتج الخطاب لم يتجدد؟ إن تجاوز التفكير المبني على الحس المشترك، وعلى المسبقات هو المدخل إلى التجديد. ولعل من بين أهم ما يمكن التساؤل حوله هو: “من يفكر؟” و”كيف يفكر؟” و”في ماذا يفكر؟” و”ما هي أدوات التفكير؟” أي ذات التفكير وموضوعه ووسائطه.

لقد ظلت ذات التفكير في ثقافتنا الحديثة متصلة بـ”الشخصية الرمزية”. نختزل الشخصية الرمزية في: الأب، الشيخ، الأمير، الحاكم، الزعيم، المثقف. ولعبت المؤسسات المختلفة من البيت إلى المدرسة فالإعلام دورا في تكريس هذه الشخصية. إنها تفكر، وتقترح، وتخلق الأتباع الذين يرددون ما تراه بخصوص القضايا الكبرى، سواء كانت تلك الشخصية في السلطة أو خارجها. وبما أنه هذه الشخصية “استثنائية” فلا يمكن أن يكون لها بديل. وبزوالها تنتهي حقبة بكاملها.

انتهت الشخصية الرمزية واقعيا في الوطن العربي، وإن بقيت بعض ظلالها وهي قيد الزوال. ذات التفكير صارت مرتبطة الآن بالوسيط الثقافي المتعدد الاختصاصات، والذي يفكر ضمن نسق، يحكمه العمل الجماعي المؤسس على رؤية بعيدة المدى ومتداخلة العناصر. ولا يمكن تشكيل الذات الجديدة للتفكير بدون خلق وسائط جديدة للتواصل والتفاعل بين مختلف المكونات التي تشتغل بالعمل الفكري والمعرفي، وقد صار إنتاج المعرفة واقتصادها موضوع التفكير في المجتمع.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.