ماذا تعرِف عن “اللسانيات الحاسوبية” ؟

 

تعتبر اللسانيات الحاسوبية؛ أبرز العلوم اللغوية التي ظهرت في العصر الحديث ويتكون “علم اللسانيات الحاسوبية” من عنصرين أساسيين، أولهما اللسانيات، وهو العلم الذي يدرس اللغات الطبيعية الإنسانية في ذاتها ولذاتها، سواء أكانت مكتوبة منطوقة؛ أم منطوقة فقط.

ويهدف هذا العلم أساساً إلى وصف أبنية هذه اللغات وتفسيرها، واستخراج القواعد العامة المشتركة بينها، والقواعد الخاصة التي تضبط العلاقات بين العناصر المؤلفة لكل لغة على حدة. وثانيهما “الحاسوبية”؛ ويقصد بها، توظيف الحاسوب، بما يحتويه من إمكانات رياضية وحسابية خارقة، وسِعة تخزينية هائلة، في خدمة اللغة.

وضع العالم اللغوي David Crystal تعريفاً جامعاً للسانيات الحاسوبية، فقال: هو فرع من الدراسات اللغوية الذي توظف فيه التقنيات والمفاهيم الحِسابية، بهدف توضيح المشكلات اللغوية والصوتية.

سمح هذا العلم بـإنتاج أصوات كلامية بوسائل صناعية عن طريق توليد الموجات الصوتية ذات الترددات اللازمة، وتمييز الكلام، والترجمة الآلية، والترجمة الفورية، وفهرسة الأبجديات، وإجراء اختبارات قواعدية في النحو والصرف والعروض، وتوضيب التراكيب وفق نسق قواعد النحو المُضمَّنة في الحاسوب، إضافة إلى مجالات أخرى تستدعي الإحصاء اللغوي وتحليل النصوص والبيانات وحل الشيفرات اللغوية ، كما بدأ الشروع بتشخيص وعلاج الصواتة المرضية باستخدام الصواتة الحاسوب.

إن مواصلة إدماج اللغة مع الذكاء الاصطناعي في الحواسيب، سيزيد بلا شك من تحكم الروبوتات في كثير من أمورنا الحياتية ليس بالرياضيات فقط بل باللغة أيضا. وسيزيد من فعالية الإنجاز ودقته.

فالحواسيب تستطيع قيادة الطائرات في مساراتِه بشكل آلي ودقيق جدا، انطلاقا من سلسلة معادلات رياضية وحسابية جد معقدة، وتطمح اللسانيات الحاسوبية إلى تعزيز هذه المعادلات باللغة من خلال تضمين الحاسوب كما هائلا من البيانات والقواعد اللغوية بهدف الاحصاء أو التحليل أو التواصل.

ويبدو أن استعمال هذا الجهاز، لأغراضِ البحث اللغوي، قد بدأ في الغرب، وعلى وجه التحديد، في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان ذلك في بداية الخَمْسينيات من القرن العشـرين، ثم انتقل الأمرُ، بعد ذلك، إلى أوروبا.

وكانت المحاولاتُ الأولى لاستخدام هذا الجهاز، في دراسة اللغة، قد تمت في العام 1961م، في إحدى الجامعات السويدية، ولكنها كانت محاولاتٍ متواضعةً، وذاتَ طابعٍ محليِّ.

أما بدايةَ الاتِّصال بين جهاز الحاسوبِ والدرسِ اللُّغوي العربي، فكانت على يد أالأستاذ الدكتور “إبراهيم أنيس”، الذي كان من أوائل العلماء العرب الذين وجَّهوا الأنظارَ والاهتمامَ إلى إمكانات الاستعانة بالتِّقْنيات الممكنة التي يقدمها الحاسوب، وتوظيفها لخدمة الدرس اللغوي في اللغة العربية.

من خلال كتابه “دراسة إحصائية لجذور معجم الصحاح باستخدام الكمبيوتر”، حيث ذكر أنه انتهز فرصة زيارته للكويت، بوصفه أستاذاً زائراً للجامعة هناك، وتحدث مع الأستاذ الدكتور “علي حلمي موسى”، أستاذ الفيزياء النظرية بجامعة الكويت، بخصوص إمكانية الاستعانة بالحاسوب في إحصاء الحروف الأصلية لمواد اللغة العربية، بهدف الوقوف على نسج الكلمة العربية، فرحب د. موسى بهذه الفكرة وتحمَّس لها، وبدأ التخطيط لها وتنفيذها عام 1971م، وقد تمّ ذلك في كتابه الذي أشرنا إليهً، والذي تمت طباعته أكثر من مَرَّة.

إن أبرز تجليات اللسانيات الحاسوبية هو “علم اللغة الإحصائي” Statistical Language هذا العلم الذي يُعطي دارس اللغة تقييماً كمياً لبعض الخواص النوعية للغة، كمعدلات استخدام الحروف، والكلمات، والصيغ الصرفية، والموازين الشعرية، وأنواع الأساليب النحوية، أو التوزيع النسبي للأفعال المعتلة والصحيحة، أو للإفراد والتثنية والجمع، أو لحالات الإعراب المختلفة.

ومن خلال هذه المعطيات، يتمكن الباحث اللغوي، بما يمتلكه من مخزون علمي في اللغة المدروسة، من تفسير تلك المخرجات التي جاء بها الحاسوب، بل إن حكمه العلمي، وتفسيره اللغوي، في كثير من الأحيان، يكون قريباً من المسلمات؛ لأنه يستند إلى مخرجات صحيحة، فنتائج الحاسوب إذا ما أدخلت بطريقة صحيحة، فإن نتائجها تكون سليمة %100، فغاية هذا العلم، ليس عمل الإحصائيات على أهميتها، بل هو تحليل تلك المخرجات، والإحصائيات، تحليلاً لغوياً علمياً، وهو ما تفتقده كثير من الدراسات العربية القائمة على هذا العلم.

  •  نماذج من اللغويات الحاسوبية العربية:

من أحدث النماذج التي صدرت حديثاً في هذا المجال، ما قام به أ.د. محمد جواد النوري، بدراسات إحصائية لغوية حاسوبية، للغة العربية، معتمداً، في معطياته على المادة اللغوية لجذور الأفعال الثلاثية الواردة في المعجم الوسيط، الذي يُعدُّ نتاج هيئة علمية لغوية مرموقة في عالمنا العربي. وقد أخرج أ.د. النوري هذا العمل اللغوي الحاسوبي الرائد، في ثلاثة كتب، صدرت عن دار الجندي للنشر والتوزيع في2016، وهي:

1- لغويات حاسوبية: دراسة صوتية صرفية في أبواب الفعل الثلاثي في المعجم الوسيط، باستخدام الحاسوب.
2- لغويات الحاسوبية، دراسة صوتية صرفية في جذور الأفعال الثلاثية.
3- لغويات حاسوبية، دراسة صوتية صرفية في الأفعال الثلاثية المزيدة.

  • بعض المراجع في اللسانيات الحاسوبية:

1. – بناء الكلمة وتحليلها: مقاربات في اللسانيات الحاسوبية
2. – دليل الباحث الى اللسانيات الحاسوبية العربية
3. – العربية نحو توصيف جديد في ضوء اللسانيات الحاسوبية
4. – مدخل إلى اللسانيات الحاسوبية

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.