في الكتابة الشذرية – قراءة في كتاب “كتابة الفاجعة”

- لِـ: موريس بلانشو -

 

         صدرت ترجمة كتاب “كتابة الفاجعة” لموريس بلانشو عن دار تبقال للنشر سنة 2018، ولا شك أن ترجمة إسهامات هذا الفيلسوف إلى اللغة العربية، وهو المتعدد الاهتمامات الفكرية، ليشكِّل مغامرة تنذر بالفاجعة، وهي فاجعة تحققت بالفعل في النص المترجم إلى لغة الضاد، حيث وجدت نفسي، باعتباري قارئا، في حيص بيص أمام عبارات لا معنى لها بلغة أهل الوضعية المنطقية، وأخرى تتنطع عن الفهم؛ الأمر الذي جعلني أشعر أن قراءتي للكتاب لا تخلو من فاجعة، بل إن هذا النوع من الفاجعة لا يقل أهمية عن ذاك الذي شكَّل عنوان الكتاب وكان مدار موضوعه.

         لقد كانت ترجمة الكتاب إلى اللغة العربية بحق فاجعة، بل إن هذه الترجمة أساسا هي التي جعلت من الفاجعة يشتد لضاها ويستعر لهيبها حتى صار لاشيء يعوَّل عليه لاحتوائها ووضع حدٍّ لدمارها الشَّامل. لكن ما عسى إلا أن نحسن الظَّن بالمترجم ولو إلى حين حتى لا نحمِّله ما لا طاقة له به، ولاسيما أن قدر التُّرجمان، أنَّى كانت براعته، أن يكون خائنا على حد إقرار جاك دريدا، دون أن نقصد بالخيانة هنا ذاك  المعنى الأخلاقي الضيق، إنما بما هي ضرورة أنطولوجية لا مفر منها، تتجاوز ذات المترجم مهما كان شأنه.

         ولعلَّ إحسان الظَّن بالتُّرجمان له حسناته، ويكفي الإشارة في البدء إلى أن ترجمته لنص “كتابة الفاجعة” لم يكن من باب تقديمه فحسب لقارئ بلغة أخرى، إنما جعل من أمر الفاجعة مضاعفا، مولِّدا بذلك أقصى إمكاناتها، وهذا من فضل الترجمة كيفما كانت، فَضْلٌ يجعل من الأصل فرعا، ومن البداية استئنافا، ومن التطابق اختلافا، ومن الألفة غرابة، وسنحاول وفق ما استطعنا إليه سبيلا في هذا المقال الكشف عن هذه التحولات سواء تلك التي لحقت النصَّ المترجم، أو تلك التي خصَّت موضوعة الكتابة التي كانت مدار الكتاب.

إن تجربة موريس بلانشو مع الكتابة على وجه العموم هي تجربة مغايرة؛ فقد كان  يعي أن الفاعل في الكتابة كيفما كان شكلها يبقى مجهولا، والبحث فيما تطرحه من إشكالات لا ينتهي، أو قل بلغته أن الكتابة فاجعة، من حيث إنها لا تتقيَّد بزمان أو مكان، إنَّما هي محكوم عليها للأبد بالفاجعة، وما القارئ أو الكاتب، أنَّى كان موقفهما، إلا صدى لهذه الفاجعة، ومن ثمَّة فَهُمَا من ضحاياها المخلصين؛ إذ في البدء كانت الفاجعة، ومن ثمَّة فهي بلغة موريس بلانشو تعبير عن فكرة «قبلية لكل فكرة»[1]

لهذه الأسباب الآنفة الذكر عبثا قرأت الكتاب موضوع المقال، وعبثا أكتب ما تيَّسر بشأنه، ولا يجمع بين هذه الكتابة وتلك القراءة غير العبث، محاولا بذلك الانخراط في لعبته هاته التي لا تتقيد بقواعد، بعيدا عن الجِدِّ المضني الذي نحمِّل فيه أنفسنا، مثلما نحمِّل فيه الآخر، ما لا يطيقان من صبر ومسؤولية وجهد، وفي ذلك يقول موريس بلانشو: «يوجد اللعب في ما وراء الجد، ولكنه لعب يبحث في ما وراء اللعب عمَّا يحبط: عن الاعتباطي الذي لا يمكن الانفلات منه، والعرضي الذي لا أهوى جراءه، وأنا لا أنفكُّ أسقط على الدَّوام»[2].

         لا ريب أن “كتابة الفاجعة” عنوان ملغز لقارئ يهتمُّ بأمر الكتابة، ويجرِّب تذوُّق ألمها، عسى أن يجد فيه دليلا ومرشدا أو خلاصا حتَّى من مخاض الكتابة الذي يكاد لا ينتهي. لكن، والحق يقال، عندما قرأت ثلث الكتاب عن مضض، صرت أتساءل في قرارة نفسي ما جدوى أن نكتب كتابا ضد الكتابة؟ وما الجدوى من مواصلة قراءة كتاب لا يجيب عن فضولي المعرفي، ولا يروي شغفي بالقراءة؟ أأضعه جانبا وأحكم إغلاقه دون رجعة؟ لكن ماذا لو جرَّبت أن أعيش تجربة المضض هذه إلى آخر الكتاب؟ هذا السؤال تحديدا ألهب في نفسي الحماس لكي أواصل القراءة حتى آخر شذرة من شذراته، بل شجَّعني على أن أكتب ما تيسَّر بشأنه، لا لشيء آخر إلا رغبة منِّي في أن أكتب، وأن أحرِّك قلمي حتى لا يتصَّلب مداده.

         ما أكتبه إذاً في هذا المقام لا يقصد أي غاية ذاتية أو موضوعية، ولعله إن كان هناك من درس استفدته من قراءة هذا الكتاب هو هذا بالتحديد. بأيِّ معنى إذاً نكتب عند موريس بلانشو؟ وما صلة الفاجعة بالكتابة؟ هل هي صلة جوهرية أم عرضية؟ وهل معنى الفاجعة هنا هو ذاك الذي تجود به قواميس اللغة أم أنه يكتسي دلالة خاصة عِلْمُهَا عند موريس بلانشو؟

         هذه جملة أسئلة تبادرت لذهني وأنا في غمرة القراءة، قد أتوفَّق في الجواب عنها وقد لا أتوفَّق، ولن ألزم نفسي بشيء حتى لا يحمِّلني أحد ما لا أطيق، مثلما حمَّلت في بادئ الأمر سواء الكِتاب أو ترجمانه الشَّيء الكثير، لكنهما أشعراني بخيبة أمل مضاعفة، قد يكون مصدرها النَّص، وقد يكون التَّرجمة، وقد يكون شيء آخر، ولا عزاء لي إلا أن أكتب كيفما اتَّفق تعليقا على هذا الشعور الذي يخالجني.

         يتبيَّن من قراءة الكتاب أن موريس بلانشو لا يلتزم بشيء قدر التزامه بالكتابة نفسها، بل إنه ينادي بشيوعيتها، من حيث إنَّها هي «الضَّامنة لحق الغير في الكلام»[3]، ولا يعني هنا بالكتابة نمطا خاصا، إنما هي التي تمحو الحدود بين مختلف أشكال الإبداع، أدبا كان أو نقدا أو فلسفة وغيرها[4]، ولعل هذا ما يجعل عنوان الكتاب موضوع المقال يطرح مفارقة؛ إذ ماذا يقصد موريس بلانشو بالتحديد؟ هل يقصد الفاجعة باعتبارها موضوعا للكتابة أم الفاجعة باعتبارها شكلا من أشكال الكتابة؟ بمعنى آخر، هل الأمر إذاً يتعلق بكتابة عن الفاجعة أم هو فاجعة الكتابة نفسها؟ وأيُّ شكل يمكن أن تتَّخذه هذه الكتابة الفاجعة؟

         يَفْرِدُ المترجم، بعد كلمات شكر، أربعين صفحة لتقديم الكتاب[5]، عسى أن يتمكن من تقديم صورة عامة عن الكتاب، وسياق كتابته، وسيرة صاحبه، لكن ما إن نشرع في قراءة النص حتى تغدو تلك المقدمة الطويلة لا تسمن ولا تغني من جوع؛ إذ هيهات أن تسعفنا في فكِّ مغالق النص التي تبدو ألغازا على الأقل في لغة النص المترجم، وهي هنا لغة الضاد. غير أنه تجدر الإشارة إلى أن هذا اللغز سرعان ما ينجلي إذا ما أخذنا عنوان الكتاب بمعناه الحرفي وليس المجازي؛ إذ ما الذي يمكن أن تحيل عليه الفاجعة إن لم تحل على  هذا الحدث الملغز الذي لم يكن متوقَّعا، من حيث إنَّه يكسر أفْق الانتظار، ويجعل القارئ في حيص بيص من أمره، ما إذا كان بمكنته مواصلة القراءة أم يلقي بالكتاب جانبا؟ بل يجعله يتساءل ما جدوى القراءة والكتابة إن لم يهدفا إلى تحصيل مضامين معرفية، أو تحقيق منفعة آنية؟ أي نعم، ما الجدوى من هذه الانكسارات والتصدعات والخيبات التي يخلِّفها كِتاب من هذا القبيل؟

         لعلَّ العنوان الذي اخترناه لمقالنا يحيل على الشَّتات الذي تفرَّق في متن الكتاب، فإن كان من اللازم الحديث عن وحدة جامعة لهذا المتفرق، فلن تكون إلا الكتابة الشذرية، والتي يعرِّفها موريس بلامشو بكونها «لغة التشضي والتلاشي واللانهائي»[6]؛ وهو ما يعني أن الكتابة الشذرية انفتاج لا متناهي، وتوثر دائم، وانفصال مستمر، ذلك أنها لا تروم تحصيل معرفة، أو بلوغ وحدة، أو تحقيق كمال؛ كلاَّ، إنما الكاتب الشَّذري هو على شاكلة ذلك البَّحار التَّائه في بحر لجي متلاطم الأمواج، غير أنه لا يصيح: اليابسة، اليابسة، إنما هو يلقي بمصيره نحو المجهول، وهذا لعمري مسلك مغاير في الكتابة لا يستطيع إليه سبيلا إلا من جعل من موضوعة الكتابة هي الالتزام الأول والأخير، وما عداها من التزامات سياسية أو اجتماعية أو غيرها إلا تعبيرا عن إرادة قوة تطمح للتسلُّط الذي ما فتئ موريس بلانشو يقوِّض مختلف أشكاله سواء تجلَّى في مؤسسات أو سياسات أو خطابات تخفي استراتيجيات الهيمنة.

         ليست إذاً الكتابة الشَّذرية مجرَّد تسويد منفصل على البياض؛ ليست شذرات متناثرة على الورق؛ أو قل باختصار، ليست الكتابة الشذرية مسألة شكلية فحسب، إنما هي موقف من الزَّمان والكائن، موقف بموجه يصير الانفصال والتصدُّع والتشذُّر نمط وجود يَسِمُ فعل الكتابة، فتصير بذلك كتابة ضدَّ الكتابة، أي نعم كتابة ضدَّ نفسها، أي كتابة تحتفي بالعوز والفراغ والغياب والنَّقص والنِّسيان؛ أي تحتفي باختصار بما كان يشكِّل محاذير الكُتَّابِ، وعيوب الكتابة وسوءاتها؛ فأن نكتب إذاً مع موريس بلانشو هو أن نكتب ضدَّ أنفسنا، وأن ننازع رغبتنا في الكتابة، إلى الحد الذي يُجيز لنا القول: إن الكتابة الشَّذرية هي كتابة على أعتاب الجنون، ولعل في كتابة موريس بلانشو شيء من سيرة حياته النفسية والاجتماعية التي لم تكن تخلو من اضطراب وتوثر، بل إنه يحتفي بالجنون ويكفينا شهادة على ذلك قوله: «يصير الإدراك هو الجنون المحكم، واللذين لا جنون فيهم، هم ذوو إدراك فارغ وعقيم»[7].

         يستعيد موريس بلانشو قولا لفالير لكي يقرِّب المقصود بالكتابة الشذرية وهو الآتي: «التفكير؟…التفكير ! هو فقدان الخيط الناظم»[8]، وهو ما يعني أن الكتابة الشَّذرية هي وعي بالكتابة ضد الكتابة، ووعي بالتَّفكير ضد التَّفكير، أو قل هي التَّضاد المضاعف، أي التَّضاد الجذري الذي سرعان ما ينعكس على نفسه غير تارك الفرصة للاطمئنان لأي عنصر كيفما كان؛ ومن ثمَّة حقَّ لنا أن نقول عن كتابة موريس بلانشو أنَّها كتابة الفاجعة، بما تعنيه هذه من ارتياب جذري، وخسارات عظيمة، وقلق أنطولوجي، وتصدُّع كوني؛ فالكتابة هاهنا هي كتابة مسكونة بالألم، إلى الحد الذي يأمرنا فيه موريس بلانشو بالقول: «تعلَّمْ التفكير بألم»[9]، مذكِّرا في ذلك بالسيرة الفكرية لفريدريك نيتشه، إذ لا جرم إذاً أن هذا النوع  من التفكير الذي يدعونا إليه موريس بلانشو هو الذي تنتج عنه كتابة متصدِّعة ومتشضِّية ومفكَّكة ومنفصلة، أو قل بلغة موريس بلانشو الكتابة الفاجعة، وفي ذلك يقول: «لا شك أن فعل الكتابة هو التَّخلي عن الاستعانة باليد أو عن التَّنادي بالأسماء الشخصية، وهو في الآن نفسه ليس تنازلا، بل إعلانا يرحِّب بالغياب ولا يعرفه، أو اتصالا بما لا يمكن تذكُّره بالكلمات في غيابها، شاهدا على ما لا يتحقق، ولا يستجيب للفراغ القائم في الذات وحسب، بل للذات من حيث هي فراغ، ولتلاشيها في موت وشيك، قد حدث بمنأى عن أي مكان»[10].

         يتحصَّل إذاً أن الكتابة الشذرية مبعث على الخطر، لأنها تند على أيِّ شيء، ولا تروم أيَّ شيء، إنما هي سعي جذري لا يطمئنُّ لشيء؛ ومن ثمة نفهم ركوبها للخطر، واقتحامها للمجهول، وانفتاحها على الممكنات اللاَّمتناهية، ولعل هذا على الحقيقة ما يجعل موريس بلانشو يَسِمُهَا بالكتابة الفاجعة، ليس باعتبار هذه حدثا عارضا، إنما بما هي صفة جوهرية للكتابة الشذرية، إلى الحد الذي يسوِّغ لنفسه القول: «قد تكون الكتابة الشذرية الخطر عينه»[11].

         لا شك إذاً أن ترجمة عمل فكري لموريس بلانشو قد يبعث على التَّرف الفكري، ولاسيما أن الرجل يفكر في التفكير، ويكتب في الكتابة، والحال أن المجال التداولي العربي الإسلامي لازال في أمس الحاجة لتملك فعلا الكتابة والتفكير؛ ومن ثمة فالإشكال الذي تطرحه الترجمة ليس دوما إشكالا معرفيا أو فلسفيا يرتبط بثنائيات الأصل والنسخة، أو الإبداع والتقليد، أو الوفاء والخيانة، إنما هو كذلك نقاش نفعي؛ إذ أيُّ نفع نجنيه من ترجمة نصٍّ يبتعد عن مشاغلنا الفكرية، وعن أسئلة الراهن الذي يرهن الفكر، ويحدد استراتيجياته؛ لذلك فمن الطبيعي أن يستشعر القارئ لترجمة شذرات موريس بلانشو قلقا في العبارة، وتيها في المعنى، ومرَّد ذلك ليس دائما إلى التٌّرجمان مهما كانت معرفته باللغة المترجم منها والمترجم إليها، وليس إلى المتلقي مهما كان مستوى فهمه واختلاف مشاربه، إنما هي مردُّها بالأساس إلى اختلاف الظروف الموضوعية والتاريخية التي تجعل من الفكر ممكنا، ومن الكتابة كتابة بالفعل، وليس مجرد دعوة بالقوة.


  • الهـوامـش

[1]  موريس بلانشو، الكتابة الفاجعة، ترجمة عز الدين الشنتوف، دار تبقال للنشر، الدار البيضاء_المغرب، ط 1، 2018، ص 17.

[2]  المصدر نفسه، ص 61.

[3]  المصدر نفسه، ص 10.

[4]  المصدر نفسه، ص 29.

[5]  المصدر نفسه، أنظر من الصحة 7 إلى الصفحة 47.

[6]  المصدر نفسه، ص 67.

[7]  المصدر نفسه، ص 152.

[8]  المصدر نفسه، ص 143.

[9]  المصدر نفسه، ص 153.

[10] المصدر نفسه، ص 155.

[11]  المصدر نفسه، ص 103.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يستحسن طباعة المقال !!