​علومُ الأعصاب الحديثة ولُغز المَعرفة الأزليّ

 

ما فتئ الجمهور يتناقل عن أفلاطون مصادرةً ميتافيزيقيّة لا سندَ لها في الواقع الموضوعيّ ولا سبيل إلى الاستدلال عليها بالتجربة والاختبار. ففي مُحاوَرة مينون، أجرى أفلاطون على لسان سقراط قولته الشهيرة “المعرفة تذكّرٌ والجهل نسيان”. وهي قولة مبنيَّة على مسلّمة مبدئيّة مفادها أنّ النفوس البشريّة خالدة، مدركة لجميع الحقائق المتأصّلة فيها، وقد تعلّمت كلّ شيء قبل حلولها في الأجساد الجزئيّة.

على الرّغم من أنّ سقراط، بمنهجه التعليميّ المُعتاد، قد قاد مينون إلى الإقرار من تلقاء نفسه بهذه الفكرة الغريبة، بعدما عايَنَ بنفسه نجاح غلام له جاهلٍ بالهندسة في حلّ مشكلة هندسيّة عُرفت لاحقاً بمربّع سقراط، فإنّ التسوية بين المَعرفة والتذكّر لم تكُن دوماً فكرة سائغة؛ ذلك أنّ الاعتقاد بوجود معرفة أزليّة مُطلقة تحملها الأنفس من دون سابق تعلّمٍ واكتساب، لم يلقَ التسليم من عامّة الناس، ولا منَ الفلاسفة المُشتغلين بنظريّة المعرفة على تنوّع مَشاربهم وانتماءاتهم، ولاسيّما أنّ المسألة ظلّت موضوعَ ظنّ وتخمين، ولا دليلَ يشهد بصحّتها في واقع الحياة الفكريّة لدى البشر، تلك الحياة المعوّلة تعويلاً مطلقاً على أنشطة التعلّم والتعليم.

ثمّ كانت الصدمة المُزلزِلة في أوساط البحث العلميّ بظهور ما سمّاه عالِم الأعصاب الأميركيّ بروس ميلّر (Bruce Miller) “مُتلازِمة المَوهبة المُكتسَبة” (Acquired Savantism)، والمقصود بها طفرة مُفاجِئة في القدرات الذهنيّة تظهر بفضلها مهارات ومَعارف جديدة لدى بعض الأشخاص المتقدّمين في السنّ، وذلك بعد تعرّضهم إلى حوادث ارتجاج بالمخّ، أو إلى إصابات دماغيّة، وأمراض عقليّة أكثر خطورة. وهكذا، ومن دون قصد، دفعت أبحاث ميلّر بمُصادَرة أفلاطون الميتافيزيقيّة إلى مقدّمة فرضيّات علوم الأعصاب الحديثة.

  • هل المَعرفة استخراجٌ للكامِن المَكبوح؟

كان ميلّر قد لاحَظ في أثناء إدارته مَركز الذاكرة والشيخوخة في جامعة كاليفورنيا، أنّ أحد المرضى المُصابين بالزهايمر قد بدأ يهتمّ بصورة غير طبيعيّة بالرسم التشكيليّ. والغريب أنّ جمال لوحاته وتميّزها الفنيّ ظلَّ يتناسب طرديّا مع تعكُّر حالته العصبيّة واشتداد أعراض المرض العقليّ. ثمّ بدأ ميلّر ينتبه إلى أنّ نزلاء آخرين في المَركز مُصابين بأمراض عقليّة مختلفة قد أخذهم هَوسٌ عجيب بمجالاتٍ لم تكُن من ضمن هواياتهم بشهادة أهاليهم، والأغرب أنّهم طوَّروا مهارات فائقة غير مسبوقة كلّما تدهورت حالتهم العصبيّة وتعطّلت في أدمغتهم المَواطِن المسؤولة عن اللّغة وعن المُعالَجة العرفانيّة العليا والتعامل الاجتماعيّ.

وفي المقابل، سُجّلت وقائع غريبة ساعدت ميلّر على صَوغ فرضيّته الجديدة. فهذا جرّاح عظام لم يلمس في حياته آلة موسيقيّة، تُصيبه صاعقة في يومٍ مُمطر فتسبّب له أضراراً عصبيّة، وما إن يتماثل للشفاء حتّى يكتشف في نفسه ولعاً بالموسيقى وقدرة عجيبة على التأليف الموسيقيّ، حتّى أنّه ألَّف سوناتا يُعارِض بها بيتهوفن نفسه. وهذا موظّف في شركة تسويق، يرتطم رأسه بقعر حوض سباحة، فيفقد وعيه، وينام أربعة أيّام متواصلة قبل أن يستيقظ بصممٍ خفيف تُصاحِبه مهارة عجيبة في العزف على آلة البيانو.

وهذا بائع أثاث يشجّ رأسه قاطعُ طريق، فإذا به يكتسب بعد تعافيه مهارة فائقة في رسْم مَشاهِد هندسيّة معقّدة وفي حلّ مشكلات رياضيّة. حوالى ثلاثين حالة مسجَّلة حول العالَم أحصاها الباحث ميلّر، جميعها تشهد بإمكانيّة أن تظهر على المرء فجأة مَعارِف لم يتعلّمها سابقاً بمجرّد أن يُصاب دماغه بضررٍ مّا. وما من شكّ في أنّ هذه الحالات تقوّي بشدّة فرضيّة المَعرفة الفطريّة الكامِنة. معرفةٌ لا تُعرَف لها حدودٌ يجهّز بها العقل البشريّ قبليّاً بحيث تتعالى عن أنشطة التعلّم والاكتساب.

  • الذكاء البشريّ بين قوّتيْ الكبح والتحفيز

لاحَظ ميلّر، بفضل تقنيّاتٍ متطوّرةٍ في التصوير المقطعيّ للدماغ بالأشعّة، أنّ ظهور “متلازمة المَوهبة المُكتسَبة” لدى نزلاء المركز من المرضى العقليّين تزامنَ مع تعطُّل وظائف الفصّ الصدغيّ الأيسر من الدماغ، وصاحَبه على وجه الدقّة تدمير أجزاءٍ محدَّدة من المخّ يربطها عُلماء الأعصاب في العادة بالتفكير المنطقيّ والتواصل اللّغويّ والفهْم. ولمّا كان منَ المسلّم به عندهم أنّ الفصّ الأيسر من الدماغ يتحكّم تحكّماً مطلقاً بالفصّ الأيمن، وأنّ الفصّ الأيمن هو المسؤول عن القدرات الإبداعيّة، فقد افترض ميلّر أنّ الأجزاء المعطّلة من الفصّ الأيسر بسبب المرض تفقد سيطرتها الطبيعيّة التقليديّة على الفصّ الأيمن، فيتحرّر عندئذٍ من قوّة الكبح (Inhibition) التي تمارسُها عليه في الحالات العاديّة دوائر الفصّ الأيسر لأغراضٍ اقتصاديّة في المُعالَجة العرفانيّة تقتضيها النجاعة المطلوبة في النفاذ إلى المعلومة بأقصر السبل أو في اتّخاذ القرار بأقصى سرعة.

تفصيل ذلك أنّ الذكاء البشريّ مكيَّف على نحو طبيعيّ ليشتغل وفقاً لنظامٍ انتهازيّ يضع حواجز أمام المعلومات التي يعتبرها هامشيّة أو ضعيفة الأهميّة. ويتمّ ذلك بواسطة آليّة عصبيّة تتيح التفكير وفقاً لقوالب مقوليّة جاهزة وذات حدود متفاصلة. هذه القوالب التصنيفيّة هي التي تجعل الذهنَ يتمثّل الشجرة على أنّها شجرة بدلاً من أن يرى آلاف الأوراق، ومئات الثمار، وعشرات الأغصان التي تكوّنها. وهي التي تسمح له أيضاً بأن يرى هذه الأسطر متكوّنة من كلماتٍ بدلاً من أن يرى عشرات الآلاف من النقاط الموضوعة فوق الحروف.

يعتمد الفصّ الدماغيّ الأيسر على “المَقْوَلة” (Categorization)، أي على تبويب الموجودات العقليّة من ضمن أقسامٍ وأصنافٍ معروفة سلفاً. ميزة المقْوَلة أنّها نشاطٌ تأليفيّ في التعقّل يُمكِّن الذهنَ من التكهّن والاستباق، بما يضمن له اشتغالاً جُمليّاً سريعاً وضعيف الكلفة من جهة المجهود العرفانيّ. وضمنَ نشاط المقوَلة يلعبُ الفصّ الأيسر دورَ المصفاة يضعها الوعي أمام السيل المدوّخ من المُثيرات الحسيّة التي يتعرّض إليها الذهن في كلّ حين. غير أنّه في حالة الإصابة الدماغيّة أو المرض العقليّ، تتوقّف تلك المصفاة عن لعب دَورها فتتعطّل قوّة الكبح مقابل اشتداد قوّة التحفيز (Stimulation) وهو ما يفسّر ظهور متلازمة المَوهبة المُكتسَبة باعتبارها تحريراً لقدراتٍ كامنة مكبوحة يقع تحفيزها لأوّل مرّة.

  • هل يُمكن تنشيط المَوهبة المُكتسَبة بالتجارُب المخبريّة؟

إنّ الإجابة عن هذا السؤال بالإيجاب كفيلة بتغيير وجه البشريّة. فيكفي أن يجد العلمُ طريقة لتحفيز القدرات العالِمة الكامِنة فينا حتّى يصبح لنا في كلّ بيت موزارت ودافنشي ومحمود درويش وابن خلدون والخوارزمي.. وقد أغرت هذه الفكرة عالِم النَّفس الأستراليّ ألّان سيندر (Allan Synder) الذي حاول مع فريق من عُلماء الأعصاب أن ينتج مخبريّاً متلازمة المَوهبة المُكتسَبة بالتدخّل على أدمغة سليمة لم تتضرّر من مرض أو حادث.

كان منطلق الفكرة المجنونة فرضيّة بسيطة وهي أنّ “مُتلازمة المَوهبة المُكتسَبة” ليست إلّا وجهاً آخر من “مُتلازِمة النطاسيّ” الكلاسيكيّة (Savant Syndrome) المعروفة عند حوالى 10% من الأطفال الذين يعانون من أعراض التوحّد أو من بعض أشكال التخلّف العقليّ غير العميق. فمن المعروف أنّ عدداً كبيراً من هؤلاء الأطفال ذوي الاحتياجات الخصوصيّة يُظهرون في سنّ مبكّرة، على الرّغم من محدوديّة قدراتهم التواصليّة والمنطقيّة والاجتماعيّة، مَوهبةً استثنائيّة في مجالٍ ما بعينه، كما لو أنّ بعقولهم الغارقة في محيطٍ من الصعوبات العرفانيّة “جزيرة للعبقريّة” على حدّ عبارة عالِم النَّفس دارولد تريفّير (Darold Treffert). وغالباً ما تحتضن تلك الجزيرة مهاراتٍ إبداعيّة متنوّعة كالرسم أو العزف أو الرقص، وقد يستوطنها أيضاً الحساب الذهنيّ وأنواع الذاكرة الخارقة.

وبالمقارنة بين الاختبارات المُجراة على الأطفال المتوحّدين من ذوي القدرات الخارقة، وتلك التي أجريت على الكهول الذين ظهرت عليهم طفرة نبوغ مفاجئ بسبب مرض أو حادثٍ، نجمت نقطةُ شَبَهٍ لافتة. ففي الحالتَين، أَظهر التصوير المقطعيّ غياباً للنشاط العصبيّ في الفصّ الدماغيّ الأيسر الأماميّ والصدغيّ. وهكذا افترض فريقٌ من العُلماء على رأسهم “سيندر” أنّ تحييد الفصّ الأيسر بتدخُّلٍ طبيّ كفيلٌ بتوفير الظروف المُلائمة لظهور “مُتلازمة المَوهبة المُكتسَبة”، ونجحوا سنة 2018 في تجميع 28 متطوّعاً لخَوض التجربة المُذهِلة.

  • هل الإنسان الخارِق أُفق قريب؟

عَرَضَ “سيندر” على المتطوّعين معضلة عجزَ عن حلّها المُختَبرون نفسيّاً طيلة خمسين عاماً. مشكلة هندسيّة تُشبه إلى حدّ ما مربّع سقراط الذي نجح في حلّه غلام مينون، ولكن على صورة أكثر تعقيداً. فقد طُلب منهم أن يربطوا بين 9 نقاط صفّت ثلاثة ثلاثة على صفوف متوازية، بحيث يظهر من تصفيفها على تلك الهيئة شكلُ مربّع. وكان الشرط ألّا يرفعوا القلم في أيّ مرحلة من مراحل الربط، وألّا يمرّوا من جديد على خطّ سبق رسمه. وبعد محاولات طويلة، وكما توقّع العُلماء، لم ينجح أحدٌ من المتطوّعين في حلّ المعضلة.

بعد ذلك، استعملَ فريق العُلماء تقنيّة معروفة في الطبّ العصبيّ تُستخدَم في العادة لقياس حجم الضرر على أدمغة المُصابين بحوادث عصبيّة. تُسمّى هذه التقنيّة “التحفيز المغناطيسيّ المتكرّر العابِر للجمجمة” (Repetitive Transcranial Magnetic Stimulation) (rTMS). وتتمثّل في إرسال شحنات مدروسة من التيّار الكهربائيّ تتفاعل مع كهرباء الدماغ الطبيعيّة وتتسبّب مؤقّتاً، خلال التجربة، في تجميد المنطقة الدماغيّة المُوافِقة للفصّ الدماغيّ الأيسر. كان من نتيجة ذلك أن تمكّن 40% من المُختبرين في حلّ المعضلة الهندسيّة. وتفسير ذلك، بحسب ما جاء في التقرير العلميّ للتجربة، أنّ تحييد مَواطن معلومة من الفصّ الأيسر أفسد اشتغاله الطبيعيّ كمصفاةٍ مُبرمِجة لردّ الفوضى وتنظيمها من ضمن مقولات جاهزة، وهكذا لم يعُد المُختبرون يلتقطون الشكل الهندسيّ للمربّع عند تعاملهم مع النقاط المصفوفة، فسهل عليهم الربط بينها إذ تحرّروا من ربقة التمثّل الجاهز.

ولكن ماذا عن باقي المُختبرين الفاشلين وهُم أكثر من النصف؟ أ ليسَ في عجزهم دليلٌ على كون الأدمغة الفرديّة لا تشتغل ضرورةً بطريقة موحّدة يُمكن التكهّن بها وتوجيهها؟ ثمّ كيفَ يُظنّ أنّ النجاح في حلّ معضلة الربط مؤشّر على ظهور قدرة فائقة مُكتسَبة بفضل تدخّلٍ طبيّ على الفصّ الدماغيّ الأيسر؟ فهل الربط بين تسع نقاط، مهما صعُب الربط بينها، يُعادِلُ من حيث الإنجاز ما قام به المرضى أو مصابو الحوادث ممّن نبغوا فجأة في الرسم أو الموسيقى أو الحساب؟ وكم يلزمنا من التفاؤل وحسن الظنّ حتّى نصدّق أن نجاحَ التجربة في هداية عددٍ من المتطوّعين إلى حلّ معضلة بسيطة إنّما هو تبشير حقيقيّ بقرب ظهور الإنسان الخارق؟

أغلب الظنّ أنّ الطريق إلى ما وراء العرش ما تزال مديدة. فليس بعيداً أن يكون تمييز عُلماء الأعصاب بين الفصّين الدماغيّين الأيمن والأيسر في تفسير “مُتلازمة الموهبة المُكتسَبة”انحرافاً في الفهْم نَجَم هو أيضاً عن استعدادات الفكر البشريّ لتمثُّل الموجودات، بما في ذلك الدماغ نفسه، تمثّلاً فضائيّاً يبوبّها قياساً إلى مَواضِع وجِهات. فهل يُمكن أن نأمل بعد هذا أن ينجح العِلم في حلّ لغز المعرفة الأزليّ والحال أنّ الإنسان لا ينفكّ يدرس دماغه من خلال مقولاتٍ اصطنعها الدماغ لتعقُّل العالَم الخارجيّ لا لتعقُّل جوهر كيانه؟


د. أميرة غنيم/ كاتبة وأكاديميّة من تونس


المصدر 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يستحسن طباعة المقال !!