النَّص صناعة للمعنى

 

يُعدُّ النص في أبسط تعريفاته محاولةً لتسييج “كَمٍّ” معنوي يشكو من ضفاف، أو هو “فائض دلالي” يحتاج إلى وعي يستقبله ويمنحه شكلاً هو أساس وجوده، وداخله يمكن أن يتميز هذا المعنى عن ذاك. يستوي في ذلك نصُّ الشعر ونصُّ الرواية ونصُّ المسرح والصورة ومجموع الوقائع القابلة للعزل. إنَّه، في هذا وذاك، خروج عن “الممتد” في القول والسلوك والكتابة والاسترسال في كلّ شيء، ذلك أنَّ “المتَّصل” (continuum) سديم صامت، إنَّه عديم الشكل لا يمكن أن يكون مصدراً لمعنى خاص.

هناك، في جميع هذه الحالات، “ضابط دلالي” هو الضمانة على وجود واقعة قابلة للوصف المستقل، وهناك في الوقت ذاته شرط “مقامي”، هو ما يُوجّه الممكنات الداخليَّة للوقائع ويَحُدُّ من انتشارها الأهوج.

وقد تكون هذه الخاصيَّة هي التي دفعت بعض المنظّرين إلى القول إنَّ القابل للتحديد في النص هو ما يقوله هو في انفصال كلي عن كلّ المضمرات الثقافيَّة المرتبطة بما يمكن أن يُنتقى من الوحدات الدلاليَّة. واستناداً إلى هذه المسلّمة رفض البنيويون الأوائل بشدَّة أن تكون للنصّ صلات بشيء آخر غير معطيات العالم الموصوف داخله، ما كانوا يسمُّونه “المحايثة” التي تقتضي فصل الوقائع الموصوفة عن محيطها وشدّها إلى “بؤرة” داخليَّة هي مصدر المعنى وغايتُه. وتلك هي القناعة التي عبَّر عنها كريماص في القرن الماضي حين أكَّد “ألَّا خلاص لنا خارج النص”[1]، فليس هناك من قصد سوى ما يمكن أن تُسَلِّمه النصوص طوعاً أو قسراً. والقصد في العُرف البنيوي ليس سوى تسمية أخرى للسياق، عدا أنَّ السياق في البنيويَّة حصري ووثيق الصلة بغاية سابقة على التلقي، إنَّه في النصّ وليس خارجه.

وقد يكون لهذا الأصل امتداد أيضاً في تعريف يرى في النص ما “دلَّ ظاهر لفظه عليه من الأحكام” (لسان العرب)، أو كلّ ما يمكن أن يكون مستودعاً لمعنى واحد لا يحتمل التأويل. وذاك هو ما يشير إليه الحكم الفقهي الذي يؤكّد “ألا اجتهادَ مع النصّ”. وهو أيضاً ما تتضمّنه كلُّ التعريفات الفرعيَّة التي تشير إلى أنَّ كلَّ ما هو مشتق من الجذر الثلاثي “نصص” إنَّما هو دالّ، بهذه الطريقة أو تلك، على ما ظهر وبدا وأشرف وأصبح مرتفِعاً بارزاً، ومنها “المنصَّة” و”نصّ الحديث” و”التنصيص على شيء”، “فالنصّ رفعُك الشيءَ”، ذلك أنَّ كلَّ ما نُصَّ فقد رُفِع”. تماماً كما هو أصله اللّاتيني دالٌّ على فعل النسيج (texte – texture)، أي صناعة ما يمكن أن يكون قطعة واحدة مستقلّة بذاتها.

ففي جميع هذه الحالات هناك تأكيد على فصل شيء ما عن تربته الأصليَّة ووضعه في حالة يكون فيها منفرداً حاملاً لهويَّته في ذاته. وذاك هو أصل فنون القول والبصر، إنَّها صناعة المعنى، أو هي أسْر وترويض لانفعالات هوجاء لا يمكن أن تصبح قابلة للوعي إلّا من خلال سياق لفظي أو بصري، يتميز داخله هذا الانفعال عن ذاك. فلن يكون الحكَّاء قصَّاصاً إلّا إذا كان قادراً على “بناء عالم” (إيكو)، ولن تكون مادة التشكيلي دالّة إلّا إذا اتخذت شكلاً، أي أصبحت لوحة لا رابط بينها وبين التربة الأصليَّة لعناصرها. وبذلك لن تكون أسرارُها شيئاً آخر غير نمطِ بنائِها، أي واجهتها الفنيَّة.

ووفق هذا التصوُّر، نُظر إلى النصّ باعتباره شبكة من العلاقات التي تنتظم فيما بينها استناداً إلى قوانين بنيويَّة خاصَّة يُعدُّ التعرُّف عليها مطلباً رئيساً لتحديد “المعنى” أو المعاني التي يحيل عليها. إنَّه وحدة دلاليَّة، ميزته الرئيسة أنَّه ليس متتالية من الجمل لا رابط بينها، بل بناء قصدي، ذلك أنَّ الكلمة مرتبطة بتمثيلات قارَّة في الذاكرة الدلاليَّة، أمَّا النص فمضاف ليس مخلصاً دائماً لهذه الذاكرة. “وبذلك، فإنَّه لا يمكن أن يكون بنية نسقيَّة محايثة، وإنَّما هو وحدة وظيفيَّة من طبيعة تواصليَّة”[2].إنَّه موجّه دائماً إلى استهلاك قد يكون مباشراً، كما هو الحوار، وقد يكون مؤجَّلاً كما هي كلُّ النُّصوص الأدبيَّة والفنيَّة.

وهذا شرط مركزي في التعاطي مع المعنى: إنَّ أساسه في الوجود والاشتغال هو إمكانيَّة الربط بين شيئين لا يمكن أن يكون لأحدهما معنى إلَّا في علاقته بغيره. تماماً كما هي حال الكلمة المعزولة في القاموس، إنَّها خارج السياق إمَّا صامتة لا تقول أيَّ شيء، وإمَّا مهذارة دالَّة في كلّ الاتجاهات دون أن تقود إلى معنى بعينه. وقد يكون هذا الوضع هو الذي دفع كريماص إلى الحديث عمَّا يسمّيه “التناظر” (isotopie)، فهذا المفهوم يعين في منظومته الفكريَّة “جذعاً دلاليَّاً مشتركاً” يجمع بين كلّ أجزاء النَّص ضمن سياق دلالي واحد. بعبارة أخرى: إنَّ النص محميٌّ، في تصوُّره، بمركز ثابت يستند إلى وجود تصنيفات دلاليَّة أوليَّة تترابط وفقها الوحدات الصغرى استناداً إلى وحدة دلاليَّة مفترضة، هي السياق الداخلي للنص. إنَّ تماسك النص وانسجامَه موكولان إلى قصده في أقصى الحالات، ولقصد صاحبه في أوسطها.

وهو ما يعني أنَّ السياق، من زاوية التناظر، معطى مع النَّص باعتباره حقيقة موجودة في النَّص بشكل سابق على التلقي. ومصدر هذا السبق هو في طبيعة اللغة ذاتها. ذلك أنَّ المعانم[3] (الوحدات الدلاليَّة الصغرى) ميَّالة، في المساحات النصيَّة الواسعة، إلى الانتشار الفوضوي ممَّا يهدّد سلامة الواقعة ويخلُّ بدلالاتها، لذلك كانت هناك دائماً حاجة إلى إيجاد مستوى دلالي أعلى يتحكَّم في هذه المعانم ويضبط حركيتها ويحدّد لها أشكال انتشارها؛ وسيكون هذا المستوى هو السياق الداخلي الذي ينتقي هذا المعنى ويقصي أو يعطّل العمل بآخر.

لذلك اعتبره كريماص ضمانة على قراءة وحيدة للنَّص، لأنَّ الوحدات البسيطة تبدو في النَّص غريبة عن بعضها بعضاً، وتسير في اتجاه الارتباط العفوي مع معادلاتها على المستوى الاستبدالي، ممَّا يحدث نوعاً من الفوضى الدلاليَّة، ووحده التناظر يمكن أن يجمع بينها بما يقود إلى رفع الغموض والالتباس[4]، أي يضبط دلالاتها استناداً إلى تطوُّر توزيعي يستمدُّ مادَّته ممَّا يتحقّق ضمن السياق المباشر للنَّص، لا استناداً إلى الذاكرة البعيدة للكلمات.

ومن هذا المنطلق أيضاً تحدَّث إيكو عن مقولة جديدة يسمّيها “الافتراض التأويلي” (topic) (سؤال يضعه القارئ على النَّص)؛ يتعلق الأمر في هذه الحالة بإسقاط لسياق يبنيه المتلقي، ووفقه تُبْنى دلالات النَّص. بعبارة أخرى: إنَّ “المركز” ليس في النَّص، كما اعتقدت البنيويَّة ذلك، فهذا كيان أخرس، إنَّه في فعل القراءة ذاتها، لذلك كان النَّص دائماً متعدّد المقاصد والغايات. إنَّه يوكل إلى قارئه المحتمل، حسب إيكو، أمر تحيين جزء من دلالاته، أي القيام بما يشبه الربط بين أفقين لا يستقيم أحدهما دون وجود الآخر. إنَّ الوحدات الدلاليَّة حيَّة في وعي المتلقي لا في ذاكرة النَّص الغفل. ومع ذلك، فإنَّ السياق المنتَقى لا يُقصي ما لا يتحقَّق من الوحدات، إنَّه يخدّرها فقط، وبذلك فهي قابلة للانبعاث من جديد مع كلّ تنشيط لذاكرتها. وهذا ما يؤكّد التعدُّد في القراءة والدلالات وفي الآفاق أيضاً.

إنَّ “المركز” ليس في النَّص، كما اعتقدت البنيويَّة ذلك، فهذا كيان أخرس، إنَّه في فعل القراءة ذاتها

وهو ما يعني أنَّ النَّص لا يتمتَّع بدلالات، إنَّه مستودع لسياقات فقط، دون أن يعني ذلك أنَّ النَّص يدلُّ على ما يودُّ القارئ أن يدلَّ عليه، إنَّه يشير فقط إلى أنَّ المبثوث في النَّص لا يمكن أن يصبح “دالَّاً” إلّا حين يصطدم بوعي يستقبله. إنَّ النُّصوص تفتح أمام القارئ آفاقاً واسعة، ولكن ضمن حدود بعينها. وذاك أمر يثبته الفاصل بين الكلمة والسياق: الأولى مفصولة عن ذات ترى وتسمع لا تقوم سوى بالتعيين أو الوصف، أمَّا السياق فيدلّ ويبلّغ، إنَّه يقتضي ذاتاً تنخرط في قول تنتقل من خلاله اللغة من الممكن إلى حالات التحقق، إنَّها مُخَلفات الذات في ملفوظها.

بعبارة أخرى: إنَّ الذاكرة الكليَّة للكلمات مودعة في القاموس، أمَّا مردوديتها التعبيريَّة فموطنها السياق وحده (نستحضر هنا القولة الشهيرة لفتنغنشتاين: لا وجود لكلمات، هناك استعمالات فقط، أو ما قاله سوسير عن العلامة من أنَّ وظيفتها خلافيَّة، أي أنَّ معناها هو حاصل علاقتها بعلامات أخرى). وهذا معناه أنَّ الأساسي في الموسوعة ليس مجموع المعارف التي يتداولها الناس فعلاً، أو تلك الكامنة في الذاكرة وحدها، بل السياقات الممكنة داخلها. وهذا معناه أنَّ التناسل الدلالي ليس سيرورة “عفويَّة” تتحقَّق خارج كلّ المحدّدات المسبقة، إنَّه محكوم بقواعد ومضمرات وأعراف واستعمالات مخصوصة، هي العناصر التداوليَّة التي تفصل المبنيَّ في النَّص حقاً، عن المعطى الدلالي الخام.

لذلك كان السياق شاملاً للفضاء وللزمان وموقع الذات المتكلمة من كلامها ولطبيعة العلاقات بين الأفراد، وغيرها من المقامات “الخارجيَّة” التي تؤثر كليَّاً أو جزئيَّاً في بناء النَّص. وهذا معناه أنَّ “النُّصوص هي في الجوهر حاصل لعبة لوحدات دلاليَّة موجودة قبلُ في الحقل الافتراضي للتدلال اللَّامتناهي. وهذا التدلال لا يمكن وصفه في تفاصيله إلَّا عندما نكون أمام نص أو مجموعة من النُّصوص”[5].فلا وجود لمعنى خارج النّصوص.

وهذا ما يفصل بين المفهومين: التناظر والافتراض؛ فقد نُظر إلى الافتراض التأويلي في السميائيَّات باعتباره سؤالاً صادراً عن القارئ، وهو السبيل إلى المعنى، أمَّا التناظر فقد عُدَّ في التقليد البنيوي كَمَّاً دلاليَّاً بؤرتُه النَّص، والنَّص وحده. وهي صيغة أخرى للقول إنَّ “الافتراض التأويلي ظاهرة تداوليّة، أمَّا التناظر، فظاهرة دلاليَّة”[6]. وبهذا كان الافتراض جزءاً من تصوُّر تأويلي يوسع من ذاكرة النَّص لتستوعب أكبر قدر من السياقات، وبذلك يبيح التعدُّد ويحبّذه، ولكنَّه لا ينساق وراء الانتشار الحرّ للدّلالات؛ إنَّ وظيفته هي “ضبط سيرورة التدلال وتقليص ممكناتها، وبذلك، فإنَّه يحدّد الوجهة التي يجب أن يتحقَّق ضمنها ما يمكن تحيينه داخل النَّص”[7]. وهو ما يعني أنَّ المركز ليس في النَّص، بل هو في ذاكرة القارئ، فطبيعة الفرضيَّة التأويليَّة هي التي تحدّد طبيعة المركز الذي تسير نحوه، ما يشير إلى السياق المفضَّل الذي يُستمدُّ منه المعنى.

وليست نظريَّة “المعاني الأربعة” في الكتابة المقدَّسة ذاتها سوى رهان على مبدأ السياقيَّة هذا. إنَّ الكلمات في النَّص المقدَّس واحدة لا تتغير، ومع ذلك كانت مصدراً لتأويلات متنوّعة، بل ومختلفة جذريَّاً عن بعضها بعضاً. إنَّ السياق القدسي هو الذي يجعل النَّص موزَّعاً على معنى حرفي، هو الغاية المباشرة من كلماته، وآخر مجازي هو الذي يحيل على الألوهيَّة كما تتجلى في السيّد المسيح، وثالث أخلاقي يحدّد ما يجب على الناس القيام به، ورابع باطني هو الذي ينبّهنا إلى ما يجب أن نترجَّاه من الخالق الأوحد. وفي جميع هذه الحالات، فإنَّ النص خجول، أمَّا السياق، فناطق في الموسوعة، أي في القدرة على تكييف معطيات النَّص مع مقاصد تُجيزها أو لا تَستنكرها الخبرة المشتركة بين المنتمين إلى الحقل الثقافي نفسه.

وهذا ما يؤكّد أنَّ النَّص “آلة كسول”[8]، فهو لا يمكن أن يوجد إلَّا من خلال ما يمكن أن يأتي به المتلقي، ذاك الذي ينظر أو يسمع أو يقرأ. فخارج هذا النشاط المضاف لن يُسلم النَّص أسراره، أو سيظلُّ ناقصاً في ذاته وفي دلالاته. أو لن يكون سوى وعاء لمعنى خالص يشكو من دفء السياقات التي تمدّه بديناميَّة التعيين والكشف عن الموحيات داخله. وهو ما يعني أنَّ النَّص استراتيجيَّة، ولكنَّها استراتيجيَّة لا يمكن أن تقود إلى أيّ شيء خارج ما يتوخَّاه “الفاهم”، من يحاول الذهاب إلى ما هو أبعد من المعطى الموصوف مباشرة في النَّص، وهو ما كان يسّميه ريكور “المعرفة المزيَّفة” التي تُخفي “الحقيقة”، أو تجعل الوصول إليها أمراً صعباً. فبين هذا وتلك تواطؤ هو أصل المعنى وأصل كلّ التنويعات فيه. فما لم يتحرَّر المحلل من سياق القصَّة المرويَّة في النّص، فإنَّه لن يستطيع الكشف عن حقيقة الوجود وحقيقة القلق الملازم له، أي الكشف عن السياقات التي سيقت من أجلها القصة.

إنَّ “الكسل” الذي يتحدَّث عنه إيكو ليس عيباً في النص، بل خاصيَّة من خاصّياته، فالتقاعس عن قول كلّ شيء، قد يخفي في واقع الأمر دعوةً إلى تحيين كلّ الدلالات، الممكن منها وغير الممكن. وهذا ما يجعل التَّدلال حركة موجِّهة للتأويل، لا مبدأً يقوم على أساسه التوليد النَّصي فقط. وهي صيغة أخرى للقول: إنَّ “مركز” الدلالات ليس في النَّص، بل يُبنى لحظة التأويل من خلال صيغة السؤال ذاتها، ذلك أنَّ النَّص ليس “مستودعاً” لمضمون ثابت، بل طاقة كامنة تحتاج إلى تحيين.

إنَّ التَّدلال مفتوح إلى ما لا نهاية، وتلك طبيعة الفكر وحالات الوجود أيضاً، أمَّا النَّص فعالم مقتطع من موسوعة محدودة وموجَّه نحو غاية أخرى هي “المتعة” في المقام الأوَّل، ومصدر المتعة في البناء، لا في المعطى الدلالي الخام[9].إنَّنا نحتفي بالسياق لا بالمعنى، أي نمسك بالسيرورة لا بكَمٍّ جاهز من الدلالات. وقد قيل لنحَّات وهو يعرض عمله الفنّي على الناس: ما أجمل وأروع ما أبدعت يداك! فردَّ عليهم مستغرباً مندهشاً: لست أنا من فعل ذلك، الصورة كانت هناك، أنا لم أقم سوى بتحريرها.

وبناء عليه، فإنَّ “النص ليس مجرَّد أداة تُستعمل للتصديق على تأويل ما، بل هو موضوع يقوم التأويل ببنائه ضمن حركة دائريَّة تقود إلى التصديق على هذا التأويل من خلال ما تتمّ صياغته باعتباره نتيجة لهذه الحركة. ولا أشعر بأيّ خجل في القول: إنَّ ما أحدّده هنا يعود إلى الدائرة القديمة والصالحة دائماً: “الدائرة الهرموسيَّة”[10]. إنَّ المؤول لا يبحث عن المعنى في نفسه، بل يعيد بناء قصديَّات جديدة يخفيها الظاهر النَّصي.

وهي صيغة أخرى للقول: إنَّنا نقرأ ضمن قراءات سابقة، فلا شيء هناك سوى النّصوص، لذلك كانت السياقات حركة تناسليَّة داخل النصوص ذاتها، أو هي العلاقة القائمة بين أجزاء النص وكليته؛ من الجزء إلى الكلّ ومن الكلّ إلى الجزء، وهي الحركة المنتجة للمعنى، كما تصوَّر ذلك ديلتاي. وتشترط هذه الحركة “تسييقاً” قد يستدعي إعادة بناء المقام الأوَّلي الذي أنتج ضمنه العمل الفنّي، كما اشترط ذلك شلايرماخر، ما يسمّيه إعادة البناء، أي استحضار الشرط التواصلي الأوَّل وعماده الأساس كالمعرفة التاريخيَّة التي تمكّن من شق سبيل جديد نحو معنى ضاع أو مهدَّد بالضياع، والإدماج بما يعني استنبات المعنى القديم في التربة الثقافيَّة الجديدة. إنَّنا لا نبحث عن زمن ولّى إلى الأبد، بل نحاول فهم ما تتضمَّنه اللحظة الراهنة.

إنَّ النص، على هذا الأساس، يتضمَّن سلسلة من الخطاطات المسبقة هي التي يستند إليها المبدع والمتلقي من أجل تقديم نصوص قابلة للمعاينة المستقلة، أي حاملة لمعانٍ؛ جزء منها من توجيهاته، وجزء آخر من الذات التي تستقبل. لم يعد الأمر يتعلق إذاً بموضوعيَّة تنبني على وجود رابط يدفع بالذات نحو موضوع يوجد خارجها وعليها أن تحدّد مضمونه، بل يشير إلى انفتاح هذه الذات على عالم تقوم ببنائه من خلال النَّص الذي تقرأه، فهذه الذات ليست صوتاً خارجيَّاً، إنَّها تُبنى مع النَّص أيضاً وضمن مآلاته. فنحن لا نبحث عن المعنى في النَّص وحده، بل نبحث عنه في أنفسنا.

ومع ذلك، لا علاقة لهذا الصوت بذاتيَّة منفلتة من عقالها يمكن أن تقول ما تشاء ضمن حدود “أنا” متحرّرة من كلّ القيود. إنَّ الأمر يتعلّق، على العكس من ذلك، بسقف “قيمي” لا يمكن لأيّ شيء أن يستقيم دون محدّداته وضوابطه. ذلك أنَّ الصوت الآتي من “خارج” النص هو مستودع للعديد من الأسنن، منها ما يعود إلى القاعدة الجماليَّة (محدّدات النوع)، ومنها ما يعود إلى الأحكام الاجتماعيَّة، وهناك ما هو مرتبط بممكنات السيناريو، بالمعنى السردي أو الشعري، أي ما يعود إلى “تمثيل دلالي محتمل للوقائع مودع في الموسوعة”[11].

يتعلق الأمر بـ”توجيهات ثقافيَّة “عامَّة، ما يشبه “الخبرة” المشتركة التي يستند إليها النَّص من أجل بناء عوالمه، ويعتمدها القارئ في “فهمه”. وهذا معناه أنَّ سياقات النَّص لا يمكن أن تكون معطى جاهزاً يهبه النَّص قرَّاءه، إنَّها في الواقع بناء يتمُّ من خلال عمليَّات التأويل المتتالية، فنحن ننتبه إلى النَّص عندما “يتمنَّع”، أي عندما يكون حاملاً لمعنى يستدعي شيئاً آخر غير ما تقوله وقائع محيطنا المباشر.

وذاك ما يؤكّده فعل القراءة ذاته. هناك رغبة ما عند القارئ تدفعه إلى المضي بالسيرورة الدلاليَّة داخله إلى حدودها القصوى، أي إلى ما لا يمكن أن يحيل على نهاية تفرز مدلولاً لا شيء بعده. وهناك في المقابل رغبة أخرى تشير عليه بالاستقرار على مدلول “نهائي” قد لا يُغلق السلسلة، ولكنَّه يمنح الذات فرصة التقاط الأنفاس والنظر إلى ما خلَّفه التأويل أو أوْحى به. إنَّ القارئ في جميع الحالات لا يقرأ ما بنفسه، وإنَّما يتعرَّف عليها من خلال ما يقرأ. إنَّ الموضوع الذي يحتضنه ليس مادة، بل شحنة انفعاليَّة تسكن معنى، لذلك كان العماد عند بورس “صفة للموضوع باعتباره منتقى بهذه الطريقة وليس بتلك”.

هناك رغبة ما عند القارئ تدفعه إلى المضي بالسيرورة الدلاليَّة داخله إلى حدودها القصوى

وذاك مظهر من وجودنا في الأرض. إنَّ سيرورة التدليل في الحياة لا متناهية في الاحتمال، ولكنَّها في وجود النصوص منتهية، “فإذا كانت سلسلة المؤولات لا متناهية كما برهن على ذلك بورس، فإنَّ عالم الخطاب يتدخل من أجل تحديد حجم الموسوعة”[12] ويقلص من حجم التدلال. فمن ميزات الخطاب أنَّ له ذاكرة لا يمكن أن تقبل كلَّ شيء، ولو لم يكن الأمر كذلك، لكنَّا أمام سلسلة من التمثيلات التي لا تخضع لأيّ ضابط. إنَّ “للخارج” سلطة على توليد النَّص وتلقيه، وللخطاب ذاكرة هي ما يضمن انسجام النَّص وتماسكه. وهو أمر تؤكده طبيعة وجودنا في الكون، فكلما توغلنا في عالم الدلالة، أدركنا أنَّ الأشياء لا تدلُّ من خلال كينونتها الماديَّة، بل من خلال سمات شكليَّة تميزها عن بعضها بعضاً. وهذه السمات ليست شيئاً آخر سوى أثر من آثار وجودنا في المعنى.

لذلك لا يعني “الخارج” في النَّص إحالة على موضوعات ماديَّة، بل هو محاولة مستمرَّة للإمساك بما يمكن أن نسمّيه “الاستعمال الثقافي” لهذه الموضوعات وتحديد موقعها ضمن التجربة الإنسانيَّة. وإلى هذا الاختيار انحاز السميائيون واعتبروا النَّص من أرقى الصيغ التعبيريَّة التي ابتكرها الإنسان وحوَّلها إلى ذاكرة جماليَّة قادرة على حماية إرث قد لا تستطيع العلامات المفردة أو الرموز المعزولة القيام به. فهذه، مثلها مثل القواميس، صامتة (ريكور)، وما يمكن أن ينطقها هو السياقات لا غير، فهي تخلق كيانات بحدود تخصُّها وحدها، استناداً إلى ما يمكن أن تبيحه الموسوعة المعرفيَّة أو تجيزه فقط.

وتلك صيغة أخرى للقول إنَّ القصد الحقيقي للنَّص يُبنى داخل اللغة لحظة الإنتاج باعتباره قدراً توليديَّاً، ولحظة التلقي باعتباره قدراً تأويليَّاً[13]. إنَّ القصد الوحيد القابل للتحديد هو قصد اللغة، لا من حيث وجود قدرة عند المؤول على ضبط كلّ الدلالات في النَّص، بل من حيث قدرته على إسقاط فرضيَّات تحدّد للتأويل مساراته الممكنة. بل لأنَّ الوجود الممكن للدلالة مودع في اللغة وحدها.

وذاك هو الأساس الذي قامت عليه سميائيَّات بورس، لقد أكَّد دائماً أنَّنا نتحرَّك داخل الدلالات لا ضمن أشياء العالم. فما هو أساسي في وجودنا ليس الموضوعات، كما هي في العالم الخارجي (خارج الذات التي تستقبلها)، بل موقعها من التجربة الإنسانيَّة، وهي بذلك كيانات ثقافيَّة. لذلك كان المؤوّل النهائي عنده لحظة مركزيَّة في تحديد الروابط بين موضوعات العالم ووجهها المادي. لقد ربط بورس المؤوّل النهائي بـ”العادة”، أي بما يمكن أن يضع حدَّاً للتدلال ويتجسَّد في سلوك. والنهاية معناها انتقاء سياق يكون حاضناً للعلامة دون أن يستنفد مجمل ممكناتها. بعبارة أخرى: “سيكون بإمكان التدلال اللَّامتناهي حينها التوقّف، فقد أحدث تبادل العلامات تغييراً في التجربة، لقد تمَّ التعرُّف على الحلقة المفقودة بين التدلال والواقع”[14].

قد نتوهَّم أنَّ بورس يُحَيِّد السياق عندما يحاول الإمساك بالسميوز في درجتها الصفر، أي حين يتعلق الأمر فقط بالإحالة على “معنى عام” موجود في ذاته، كأن تقول شجرة في انفصال كلي عن الإيحاءات التي يمكن أن تكون هذه الكلمة مصدراً لها، أي حين يدركها القارئ وفق ما هي موجَّهة إليه. إلّا أنَّ العلامة في وضعها هذا تُعتبر في تصوُّر بورس ناقصة[15]، إنَّها وثيقة الصلة بحاجة مشتركة بين كلّ الناس.

ولهذا السبب، لا قيمة لهذه الإحالة في تصوُّره، إنَّها تشير إلى علامة منكفئة على نفسها، وبذلك تكون وثيقة الصلة بالحدّ الفاصل بين ما يُبنى في الرمز وبين ما هو موجود كحقيقة في الخارج. ذلك أنَّ “العلامة في تصوُّره شيء تفيد معرفته معرفةَ شيء آخر”[16]. وذاك هو الجوهر في التعريف الذي يعطيه بورس للعلامة، إنَّها ليست وظيفة ترميزيَّة نعْبُر من خلالها إلى واقع مادي عار من الدلالات، بل هي الواقع ذاته، فهي السبيل الممكن الوحيد لإدراكه.

إنَّ العادة، وهي سياق يستوعب العلامة في الفعل لا في وجهها المجرَّد، هي نماذج سلوكيَّة أو حالات انفعاليَّة، أو محكيَّات طبيعيَّة تغطّي جزءاً من المعيش اليومي قد يكون هو مصدر “الكفاية الفنيَّة” عند المؤلف والقارئ على حدٍّ سواء. فنحن موجودون قبل الولادة في نصوص غيرنا، ولكنَّنا نتشبَّع بها لنُسقِط نصوصاً جديدة قادرة على احتضان آخرين سيأتون بعدنا، وفق مضافات الثقافة لا استناداً إلى حقائق ماديَّة.

إنَّنا نفكّر داخل عالم سبق أن فكَّر فيه غيرنا، بلغتنا أو بلغات غيرنا (ميشال فوكو)، وبذلك لن تكون كلّ ممكنات الحياة وواجهاتها سوى سلسلة من النصوص الكامنة التي تنتظر التحيين. ففي كلّ فعل أو في كلّ صفة يرقد سيل هائل من الأفعال الممكنة القابلة للتجسُّد في وقائع تتخذ شكل نصوص مكتفية بذاتها. ومصدر ذلك أنَّ وجودنا في الرمز أوسع بكثير من وجودنا في تفاصيل المعيش اليومي.

إنَّنا نفكّر داخل عالم سبق أن فكَّر فيه غيرنا، بلغتنا أو بلغات غيرنا (ميشال فوكو)، وبذلك لن تكون كلّ ممكنات الحياة وواجهاتها سوى سلسلة من النصوص الكامنة التي تنتظر التحيين

إنَّ الفلّاح واحد في النَّص، إنَّه يَمْثُل فيه من خلال اسم مخصوص، ولكنَّه يحيل في الذاكرة على كلّ الفلاحين في ربوع الأرض. وتلك هي حالة الصيَّاد والعامل والأستاذ والشرطي وغيرها من الأدوار. فقد يكون الفرد واحداً من خلال اسمه، فذاك مآله وحده، ولكنَّه لا يمكن أن يوجد ضمن الجماعة إلا من خلال وظيفة. إنَّ الصفات ليست غطاء عرضيَّاً في الوجود، إنَّها سياقات، أي نصوص ممكنة، منها نستمدُّ كلّ قصص الفلّاحين والصيَّادين والعمَّال وغيرهم.

يتعلق الأمر بنصوص محتملة، ما يمكن أن تقوله الخبرة الإنسانيَّة عن هؤلاء جميعاً. تماماً كما يمكن تكثيف كلّ الأفعال الصادرة عنهم في صفات هي الواجهة المباشرة التي يحضر من خلالها هؤلاء في الذاكرة. وهذا معناه أنَّنا لا نحضر أفراداً في المجتمع، بل نتحرَّك داخله من خلال وظائف، هي جزء من قصصنا في الحياة، إنَّها “نصوص كامنة” نكتب من خلالها نصوصنا الخاصَّة.


[1]. Hors du texte point de salut.

[2]. Oswald Ducrot, J M Schaffer : Nouveau dictionnaire encyclopédique des sciences du langages, éd Seuil 1995, p 594.

[3]. les sèmes.

[4]. Courtès (Joseph): Introduction à l’analyse narrative et discursive, éd Hachette Université, 1976, p.51.

[5]. Umberto Eco : Lectore in Fabula, éd Grasset, 1985, p.119.

[6]. Umberto Eco : Lectore in Fabula, éd Grasset, 1985, p.28.

[7]ـ نفسه ص 115.

[8]ـ نفسه ص 29.

[9]ـ انظر كتابنا: “بين اللفظ والصورة، تعدديَّة الحقائق وفرجة الممكن”، المرز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، 2017، ص 24.

[10]ـ أومبيرتو إيكو: التأويل بين السميائيات والتفكيكيَّة، ترجمة سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، ط3، 2016 ص 75.

[11]. Umberto Eco: Lectore in Fabula, éd Grasset, 1985, p.

[12]ـ نفسه ص 77.

[13]ـ نفسه ص 68.

[14]ـ نفسه ص 55.

[15]. C S Peirce : Ecrits sur le signe, éd Seuil, 1978, p.126.

[16]ـ أومبيرتو إيكو: التأويل بين السميائيات والتفكيكيَّة، ص 118.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يستحسن طباعة المقال !!