مجموعة؛ ظل في العتمة

حُفـرةُ الفُقـراء

من مجموعة: "ظلٌّ في العتمة"

تباشيرُ العيد ..، نَفحاتهُ المِسكية، تسوقُها رياحٌ خفيفةٌ عبر الأزقة والشوارع، تُداعب الأُنُوف، تُهَدِّئُ الأنْفُسَ، وتُلَيِّنُ الطِّباع..


شاحناتٌ من الغَنَم والماعِز، تغزوا الفضاءات الخالية، وتُصيِّرُها أسواقاً..

رائحةُ الرَّوْثِ وبَوْلِ الغنَمِ تَعمُّ المكان.

يَنهمِرُ الأطفال كالسَّيْل، يتسابقون نحو الشاحنات الوافدة، تعلوا مُحياهُم بهجة العيد، يحاولون الاقتراب بهدوءٍ قدرَ الإمكان، يُراهنون فيما بينهم على الأكباش القوية، ويُمَنُّونَ النَّفَسَ في نِطَاحٍ وَشيكٍ لِيَمِيزوا قَوِيَّها من الضَّعيف.


 ثلاثةُ أيامٍ تَفصلُنا عن العيد، الحركة دؤوبةٌ، وضجيجُ العربات وسياراتِ الشّحن والنقل لا يَخفُت، تُسابق الزّمن لإيصال الأكباش إلى مَثواها الأخير.

الباعةُ الجائلون يملؤُون الطرقات، يرفعون أصواتَهم، ليُشهروا بضاعتَهم.. يصيحون ..، سكاكين الأضحية، فَحْمٌ..، أواني..،  قُدُور..، أكياس اللَّحم..، بَخور ..، فواكهُ جافة..، حلويات …، ….،

على ظهرِها، حملت طفلَها الرضيع، وعلى كفِّ طفلِها الآخَرِ أطْبَقَتْ، تستجدي المُحسنينَ بما وَسِعَهُم إعطاؤُه،

حالتُها تُثير الشفقة حتى في الصَّخرِ الأَصَمّ.

ضامرةَ الخدَّيْن، نحيلةَ الجسم، قد تشقَّقَتْ رِجلاَها مِن فَرْطِ السَّعي وقَرِّ الصَّقيع.

تَستجدي الناس بكلماتٍ باتت مَحفوظة، إذ لم تُكلِّفْ نفسَها حَشوَها بعباراتٍ أخرى، فمَنظرُها يُغني عن كثيرٍ من الوَصف والشَّرح والتَّوَدُّد.

يا رُحماءُ .. يا مُحسنين.

ارحموا مظلومة القَدَر . ارحموا تَعيسَة الحَظّ !!

تَخرُجُ في الصباح الباكر من حُفرة قد تَوطَّنَتْها الأكواخُ كالفِطر، حفرةٌ تَعِجُّ بالفقراء من أمثالِها، ومَن هم أسوءُ منها حالا؛ وأكثرُ منها بُؤساً.

رجلٌ غريبٌ، أنيقُ الملبَس..، اقتحمَ الحيَّ، واتجَهَ نحوَ البَقَّال يَسألُه!

  • أتَعلَمُ فقيراً مُعدَما هنا في هذه المنطقة لمْ يشتري أُضحية العيد؟؟
  • البقال؛ يُجيبُ على الفوْر ودون تفكير: إنها سَميحة، لها ثلاثةُ أبناء، تَسكُنُ في كوخٍ هناك؛ في حُفرة الفقراء.
  • الرجل الغريب: أتحملُ عني أمانةً إليها، ولك مِني مُكافأة؟؟

ابتسم البقال في خُبثٍ ونادى أَجِيرَه،

  • البقال: إنه في خدمتِك سيدي

صعِدا معاً السيارة وانطلقا.

حشودٌ من الأطفال يَتعقّبُون سَميحة، يَملؤونَ الشارعَ ضَجيجاً وصُراخا، كَبْشٌ .. كبشٌ .. كبش …

كبشٌ يَجُرُّهُ رَجلان، تتقدمُهم سميحةُ لتوجّهَهُم نحو الكوخ

خرجَ الجيرانُ عن بِكرة أبيهِم؛ يَنظرُون إلى غنيمة سميحة في حَسدٍ أحمرَ، تتراءى في أعينِهِم الحَسرة، يَبلعُونَ رِيقَهُم في غُصَّة شديدة..

أَقحَمت الكبشَ في عُنفٍ داخلَ الكُوخ، وأغلقتْ بابَ القصديرِ بإحكامٍ شديـــد.

مع لحظاتِ المغيب …

عادَ أجيرُ البقالِ يَجُرُّ كبشا عظيما، يَجُرُّهُ صوْبَ كُوخِ سميحــة.

أدخلتْهُ في لَمْحِ البَصر، وأوْصَدَتِ البابَ بإحكام.

عمَّ الخبرُ  كلَّ أرجاءِ الحُفرة، ومعَ تباشير الصباح، جاء الجيرانُ يَطرقون الباب.

ويُطوِّقُونَ الكوخ..!

يُنادُون … سميحة … سميحة …!

مــامــا سميــحة … ماما سميــحة ..!!

خالتــي سميــحة … خالتــي سميـحـــة ..!!!

ظلـــوا يَطـرقـــون … ويَطــرقــــون … ويَطرقــــون ..!!!!

يُنـــــادون … وينـــــــادون … !!!!!

يَتوَسَّلون … ويتوسَّلون …!!

لم يُفتَح لهم الباب، ولـــم يَـرُدَّ عـلـيـهــم أحــــــد !!!

close

مرحبا 👋

قم بالتسجيل في النشرة البريدية لتتوصل بجديد مقالات منصة "بالعربية"، كل أسبوع.

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

الحسين بشوظ

كاتب، صحفي عِلمي وصانع محتوى، باحث في اللسانيات وتحليل الخطاب، حاصل على شهادة الماجستير الأساسية في اللغة والأدب بكُلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط. مسؤول قسم اللغة العربية في منظمة المجتمع العلمي العربي بقَطر (سابقا)، عُضو مجلس إدارة مؤسسة "بالعربية" للدراسات والأبحاث الأكاديمية. ومسؤول قسم "المصطلحية والمُعجمية" بنفس المؤسسة. مُهتم باللغة العربية؛ واللغة العربية العلمية. ناشر في عدد من المواقع الأدبية والصُّحف الإلكترونية العربية. له إسهامات في الأدب إبداعاً ودراسات، صدرت له حتى الآن مجموعة قصصية؛ "ظل في العتمة". كتاب؛ "الدليل المنهجي للكتابة العلمية باللغة العربية (2/ج)".

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لمشاهدة المحتوى يرجى تعطيل كابح الإعلانات