مجموعة؛ ظل في العتمة

الفصلُ الأخير

(مجموعة: ظــل في العتمــة)

سمعتُ منكَ ما يَكفي، وسمعتَ مني ما يُشفي؛ فَتوَلَّ عني، فإني عنكَ مَشغولُ.

لمْ يكن المستشار لَبِقًا..، لعلَّهُ لمْ يَكن يُتقن مهارَةَ حُسنِ التَّخلص، غادَرَهُ في عجلةٍ، وترَكَهُ وحيدا تضطرمُ نارُ الحسرةِ في جوْفِه، وتتلاطمُ.


أمواجُ الخُذلان أمامَ عينيْه، مُمَزَّقَ الأفكــــار، مُشوَّش البـــــــال.

كان يَعصرُ عينيْه ليُخلِّص دمعًا مَخنوقا في مُقلتَيْه، اختفتْ كلُّ الملامِح والأشكالِ أمامَه، ولم يعد يُبصِرُ غيرَ أطيافٍ تَتراقَصُ أمامَه، وسراباً يَبدُو ويَختفي.

وحيداً؛ ينظُرُ بشرود. غائباً عن مُحيطِه، مَعـــــــــــــــــــــزولا عن عالـَمـــه.

الثامنةُ ليلا …، أشرفتْ شمسُ مَجرَّتِنا المِدرارِ لبَنُها على الشـروق في مكان بعيدٍ أقلَّ فظــاعة.

سحبَ هاتفَهُ وحاولَ الاتصال.

طَرفة بن العَبد …، لا يردُّ على المكالمة …،

وصلتْ رسالة تقول: سّرّني يا سيدي تَقديرُكَ واختيارُك، فكما تَعلم، لا يُمكنني مقابلتُك.. فتَدَبَّر أمرَكَ وتَحرَّى الغائبين، فهُم أقدرُ الناسِ على نَفعِك؛ وأخلَصُهُمْ لكَ نُصْحاً، أمَّا أنا؛ فلا أُرِيكَ إلاَّ ما أرى !!

شاردا، يتجرع مرارةَ قهوتِهِ القاتمة.

أرى .. أرى .. أرى ..

أرى العيشَ كنْزاً ناقصاً كلَّ ليلةٍ *** ومَا تَنْقُصِ الأيامُ والدَّهرُ يَنْفَدِ

كمْ كان مَدى نَظرِ طرَفَةَ بن العبد؟ هل حقًّا فاقَ نَظَرُه نظـرَ يَمامة البَحريْن!

شهراً تقريبا؟ أمْ سَنة؟؟ أمْ دهراً مِن الزَّمن ..!!

يُقَلِّبُ الأوراقَ بسرعة، ثم يُراجعُها بتأنٍّ، سبعةُ أظرفةٍ، سَبعُ رسائلَ، سبْعَةُ عناوين..

البِحار كذلك سبعة، والأراضِين، والسماوات، كُلُّها سبعة،

سَمِعتُ عن سَبْعةِ رجال.

قرأتُ عن؛ {تِسعةِ رَهطٍ يُفسدونَ في الأرضِ ولا يُصلحون}.

انظمَّ إليه على المائدة المركونة في أقصى اليمين، تُطوِّقُها أربعةُ كراسيَ تُغْري بالجلوس؛ بالانبساط؛ بالاسترخاء. في مقهىً لا يُحصى رُوَّادُه.

كأنه مَحَجٌّ لِوَلِـيٍّ من هؤلاءِ الأولياءِ الذين انقطعوا عن الحياة، ولم تَنْقَطِع أُجْرَتُهُم. هكذا يَعتقدُ كثيرٌ من هؤلاء السُّذَّج؛ الذين يَسْتَحْيُونَ أن يَتقرَّبوا إلى الرَّمِيمِ بقطعةِ نَقْدٍ يَعلُوا صَدَاها وهي تَرْتَطِمُ بِقَعْرِ الصندوق الحديدي المُسْبَلِ الأقفال، والتي لا يَعْلَمُ أحدٌ متى يَزُورُها وليُّ اللهِ “هذا”؛ ليأخُذَ الهِبَاتِ إلى الجَنَّة، ويَعْكِفَ على تحقيقِ الأمانيّ وإنجازِ الطَّلَبَات والنُّذور؛ في اللحظة التي يَسترخي فيها بينَ أَنهُرِ المُدَامِ واللَّبنِ والعَسَل المُصفى.

أوراقٌ كثيرة، مَدَّها على المائدة، أرقامٌ وخطوطٌ وجداوِل …

غاب في شرودٍ عميق، شاخِصَ البصرِ لا يُبْدِي حَرَاكاً، كأن على رأسِه الطيْر. يُوحي مَنظرُهُ بأنه يبحث عن الجواب !! أو هكذا يبدو !!

“إنه وقتُ الرَّوَاح، فهلُمَّ بالمغادرةِ ولا تُؤَخرني رجـاءً”..، قالَها النَّادِلُ وهو قائم على رأسِه.

تَفَحَّصَهُ بعيْنَيْهِ التائهتيْن صعوداً ونُزولا، ثم دفنَ رأسَهُ بين ذراعيْهِ وسَكَن.

خفَّفَ النادلُ لهجتَهُ وقال في احترامٍ مُصطنَع؛ أرجو أن تَتَفَضَّلَ بالمغادرة يا سيدي، لقدَ غادَرَ الجميعُ وأُرِيدُ أن أغادر أنا أيضاً …!!

وَدِدْتُ لو أحملُ عندكَ ما أَهَمَّكَ أيها الزبون!

– {وحَمَلَهَا الإنسانُ إنّه كانَ ظلُوما جَهُولا}.

فـكـم تدفــــع ؟

– {ادفع بالتي هي أحسنْ}.

إنَّ ما يُستحْسَنُ في مكان، قد لا يُستحسَنُ في مكان آخر، فإن كنت ابن هذه البيئة فادفع بالدرهم أو ما يُعادلُه.

– {فَشَرَوْهُ بثمنٍ بَخسٍ دراهمَ معدودة}.

استغرق في أوراقِهِ يَتَفَحَّصُها بعينيْنِ ساهمتَيْن

أوراقٌ مُلونة بها جداولُ وأرقامٌ كثيرة..

– كأنها أوراقُ يَناصيــب

– كأنها أوراق قِمار

– كأنها أوراق رِهان

أتاه صوت يقول: “اعلم أنَّ الرِّهانَ على الحمير؛ مسألةٌ يَغلبُ فيها الحظ على المَنطق، والتجربةُ على العَقل. فمِزاجُ الحِمار دائمُ التقلب، فقد يَعْدُو مُتقدِّما كوكبَةَ السّباق، حتى ما يبقى بينَهُ وبين خَط النهاية سِوى ذراع، ثمَّ تَستهوِيهِ عُشبة على جانب المضمار، فينجَذِبَ إليها ويُضِيعَ جُهدَهُ وجُهْدَ مَن راهنَ عليه، وقد تُفسِدُ أتانٌ واحدةٌ السباقَ كُلَّه، فتسعى الكوكبَة كلُّها في إثْرِها ضدًّا على مَجرى السّباق…
….

رفع رأسَهُ، وحَمْلَقَ في وجهِ مُحدِّثِهِ، ثم قال:

– الـخـيــلُ يا حـكـيــــم؛ الخيلُ يا سيدي..

فرد عليه..، أما الخيلُ فلا تعدوا يا صاحبي؛ وإنما تَكِــــرّ

الخيلُ يا صاحبي لا تُعْرَفُ إلا في القَناة.

طمرَ رأسَهُ بين ذراعيْهِ مُجدَّداً وسَكَن.

تصلَّبَ في مكانِه..

حرَّكهُ النادلُ مراراً؛ لكنَّهُ لا يَسْتَجِيب!

أتاهُ صوت بعيد يقول:

” كمن يُحاولُ أن يَبُثَّ الروحَ في تِمثال، فلا أنتَ إلهٌ، ولا هو إنسان”.

الحسين بشوظ

كاتب، صحفي عِلمي وصانع محتوى، باحث في اللسانيات وتحليل الخطاب، حاصل على شهادة الماجستير الأساسية في اللغة والأدب بكُلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط. مسؤول قسم اللغة العربية في منظمة المجتمع العلمي العربي بقَطر (سابقا)، عُضو مجلس إدارة مؤسسة "بالعربية" للدراسات والأبحاث الأكاديمية. ومسؤول قسم "المصطلحية والمُعجمية" بنفس المؤسسة. مُهتم باللغة العربية؛ واللغة العربية العلمية. ناشر في عدد من المواقع الأدبية والصُّحف الإلكترونية العربية. له إسهامات في الأدب إبداعاً ودراسات، صدرت له حتى الآن مجموعة قصصية؛ "ظل في العتمة". كتاب؛ "الدليل المنهجي للكتابة العلمية باللغة العربية (2/ج)".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى