مجموعة؛ ظل في العتمة

أمثالٌ وأَشْبَاه

من مجموعة : "ظل في العتمة"

رَأيْتُهُ مِن زُجاجِ الحافلة، يَعْمِدُ بِيَدَيْهِ الهَزيلتيْن على عَجلتيْ كُرسِيِّه المُتحرِّك، يُجاهدُ للوصولِ إلى بابِ الولوج، قبلَ أن يُواصِل السائقُ جولتَه المُمِلَّة.


قُوَّةُ دفعٍ إضافيةٍ من الخَلف؛ أحسَّ بها فاستدار، فإذا هو زبونٌ من زُبَناءِ المَحطَّة، ساقَهُ بسرعةٍ  ودلَفَا معاً وسريعاً إلى الحافلة.

يَترنَّحُ صندوقُ القصدير في الحُفر، في المُنعرجات، في المَطبات، ويَترنَّحُ معَهُ مَن فيه مِن الرُّكّاب.

وَحدَهُ الكرسي المُتحركُ؛ كان ثابتا، يُطوِّقُهُ مَنْ حَولَهُ مِن الرُّكاب ويَسنُدُونَهُ رحمةً وشفقةً وتعاطفاً.

. . .

بَلَغَهُ مُستَخْلِصُ أُجرةِ الرُّكوب، بعد أن شَقَّ خلفَهُ طريقاً ضيّقا وطويلا بين الأجساد الساخنة المُتعرِّقة؛ التي سُرعان ما عاودت الالتِحَام.

توقفَ عند قدمَيْه، قائماً على رأسِه، خلَّصَ التذكرةَ مِن كُنّاش التذاكر، وأخذَ يَنْقُرُ  قِطَعَ النُّقود بَعضَها بِبعض؛ في رسالةٍ مُرَمَّزةٍ إلى صاحب الكرسي المتحرك!!

أدخلَ صاحبُ الإعاقة يدَهُ في جيْبِه، وأخرجَ حَفنةً مِن القِطع النقدية، عَدَّ منها ثمنَ التذكرة، وأعادَ الباقي إلى جيْبِه؛ في امتعاضِ كلِّ الرُّكاب وسَخطِهِم على وقاحة هذا الجابي الفَظّ قليلِ الذّوق والأدب؛ عديمِ الرحمة والإنسانية.

رُفعتِ القضيةُ إلى أعلى هيأةٍ في البلد، اِلتَأَمَ جمْعٌ حَضَرَهُ أقطابُ المال؛ ومُمثِّلون عن وزارة النقل العمومي ومنظمة حقوق الإنسان.

تدارسوا الموضوع، وخلَصُوا إلى أنَّ المُعاقَ إنسان، ومِن حَقِّه أن يُعامَلَ كإنسان، وأقلُّ معاني الإنسانية؛ أنْ تُرفعَ عنه كُلفَةُ الأداءِ عند ركوب الحافلة، رفعاً للحرَج عنه، وصَوْناً لكرامتِـــه.

أُذيــعَ الخبرُ وعَمّ، واستبشرَ الناسُ خيراً بهذهِ البُشـــرى.

في الغد، انهمَرَ المُعاقون كالسَّيْلِ الجَارِفِ، احتلوا المحطات، مَلؤُوا المواقِفَ والطُرقات.

تدافعوا صُعُوداً إلى الحافلة.

تسابقوا نحو الكراسي

غَصَّـتِ الحـافلات بهم

تلاسَنُــــــوا وتلاكمـــوا

بالكاد خرج ((هو)) من بينِ الحُشودِ المُعاقَة، يَعمِدُ بِكلِّ قوتِهِ على عَجلتَيْ كُرسيِّه كي يَبلُغَ بابَ الحافلة، لم يُحِسَّ بقوةِ الدّفعِ الإضافية تلك؛ التي اعتادَها من الخلف كلّما همَّ بالركوب!

انطلقتِ الحافلةُ ببطءٍ شديدٍ كالـمُعوَّقَة، يَئنُّ مَعدِنُها المُتهالِكُ مِن الثِّقَل

ظلَّ ينظُرُ إليها، وهي تبتَسِمُ له في خُبْث.

ظلَّ يَنظرُ إليها، وهي تَصغُرُ في عيْنَيْهِ شيئاً فشيئاً، إلى أنْ توارتْ عنهُ هُناك في البعيـــــــــــــــــــــــــد.

الحسين بشوظ

كاتب، صحفي عِلمي وصانع محتوى، باحث في اللسانيات وتحليل الخطاب، حاصل على شهادة الماجستير الأساسية في اللغة والأدب بكُلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط. مسؤول قسم اللغة العربية في منظمة المجتمع العلمي العربي بقَطر (سابقا)، عُضو مجلس إدارة مؤسسة "بالعربية" للدراسات والأبحاث الأكاديمية. ومسؤول قسم "المصطلحية والمُعجمية" بنفس المؤسسة. مُهتم باللغة العربية؛ واللغة العربية العلمية. ناشر في عدد من المواقع الأدبية والصُّحف الإلكترونية العربية. له إسهامات في الأدب إبداعاً ودراسات، صدرت له حتى الآن مجموعة قصصية؛ "ظل في العتمة". كتاب؛ "الدليل المنهجي للكتابة العلمية باللغة العربية (2/ج)".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى