نقد

نقيب جديد للفنانين الأردنيين.. رحيل “ورّاق عمّان”

  • محمد يوسف العبادي: التطبيع خط أحمر

فاز المخرج محمد يوسف العبادي بمنصب نقيب الفنانين الأردنيين، متفوقًا على منافسه المباشر، الفنان حسين الخطيب، في جولة الإعادة على منصب نقيب الفنانين، بعد أن نال 141 صوتًا، مقابل 85 صوتًا للخطيب، وفق ما أعلنه رئيس لجنة الاقتراع الفنان نبيل نجم.

وكانت الهيئة العامة لنقابة الفنانين الأردنيين انتخبت في الانتخابات التي جرت يوم الجمعة 25 آذار/ مارس 2022، في المركز الثقافي الملكي، وحضرت جانبًا منها وزيرة الثقافة، هيفاء النجار، مجلس إدارة النقابة الثاني عشر، الذي تستمر ولايته لعاميْن مقبليْن.

وجاء فوز العبادي بعد إعادة انتخابات مقعد النقيب، بينه وبين الخطيب، لحصولهما على أعلى الأصوات من دون تحقيق غالبية النصف زائد واحد، إذ حصل العبادي في الجولة الأولى على 97 صوتًا، والخطيب على 84 صوتًا، والمنافس الثالث، الفنان ساري الأسعد، على 73 صوتًا، من أصل أصوات 257 فنانًا قاموا بالتصويت ممن يحق لهم الاقتراع، وعددهم 321 فنانًا.


وفاز بعضوية مجلس نقابة الفنانين: حسين طبيشات، وفراس المصري، عن شعبة الإخراج. مراد مدرجيان، وضرغام بشناق، عن شعبة التأليف والتلحين. جهاد سركيس، ومالك حسن، عن مهنة العزف والغناء. زهير النوباني، وعاكف نجم، عن مهنة التمثيل. هزاع البرماوي، ومحمد المراشدة، عن مهنة المهن الفنية التقنية للفنون الدرامية.

النقيب المنتخب، المخرج محمد يوسف العبادي، قال في اتصال “ضفة ثالثة” معه: إن الفنان الأردني “يمرّ هذه الأيام بظروف صعبة تضافرت عوامل عديدة لجعلها كذلك”، مبينًا أن تراجع الإنتاج “بدأ قبل جائحة كورونا، فإذا بالوباء يزيد، على مدى عاميْن متواصليْن، الطين بلّة، والركود ركودًا”.

الوباء الذي اجتاحت تداعياته الصعبة، على الصعيد الاقتصادي خصوصًا، العالم أجمع، لم يكن الفنان الأردني، بحسب العبادي، استثناء فيه، من دون أن ينفي التقصير الحكومي، وتقصير الفنانين أنفسهم في حق أنفسهم: “نحن مقصّرون، والحكومة مقصّرة، ولا تقصير منهما يعفي الآخر”.


“ترتيب بيت الفنانين الأردنيين الداخلي” هو الخطوة الأولى التي يتطلّع العبادي إلى تحقيقها. وكذلك “الترفع عن الدنيات والصغائر، لأنها كانت سببًا رئيسيًا في ما نمرّ به الآن”.

العبادي قال أيضًا “إن الوطن يتسع للجميع، والعدالة لا تقبل القسمة على اثنيْن ولا تُجزأ، وتكافؤ الفرص ضرورة وجودية حاسمة خلال ما نمرّ به من ظروف تراجع الإنتاج، وتراجع الدراما الأردنية عن مكانتها الطليعية التي كانت تتربّع فوقها قبل عقود من الزمان”.

وبسؤاله عمن يقصد بعبارة “الوطن يتسع للجميع”، أجاب إن المقصود بها “أصحاب الأفق الضيق، والنظرة القاصرة لمفهوم الوطنية وعناوين الانتماء، والدوافع الأنانية، والنعرات العنصرية، هي تعود عليهم جميعهم، وجميعهم يعرفون أنفسهم”.

 

العبادي أضاف “إنني لا أمتلك عصا سحرية، ولكن بتعاون الجميع، وتوفر النوايا الصادقة، وبإسناد الكتف للكتف، وبالتشبيك مع مختلف مؤسسات الوطن الأهلية والرسمية، وفي الطليعة منها وزارة الثقافة، ومؤسسة الإذاعة والتلفزيون، وبالعمل الجاد الدؤوب، فإن في إمكاننا أن نوقف النزيف”.

وتابع: “لا نريد أن ندخل في خصومة مع أحد. وأدعو إلى تشاركية تقوي أعمدة البناء الممتد للثقافة والفن في الأردن، وترسم لمشهدنا لوحة جميلة غنية متنوّعة الغصون والمنابت”.

العبادي ختم مداخلته بالتأكيد على أن المنظومة الأخلاقية عنوان رئيسي من عناوين نقابة الفنانين الأردنيين، وأنهم في النقابة، وبشكل حاسم وقطعيّ، ضد الأعمال الهابطة، وقال: “نحن ضد كل ما يمس الأخلاق والكرامة والشرف ووطنيتنا وقوميتنا. الفن رسالة مهمتها الارتقاء بالذائقة الفنية للمشاهد والمتلقي والمستمع. وأمّا التطبيع فهو خط أحمر غير قابل للنقاش، ولن نسمح بأي شكل من الأشكال، بالتعامل مع عدوٍّ غاشمٍ متسلّطٍ يعتدي على الشجر والحجر والنساء والأطفال. وبالضرورة، فإن كل تعامل معه خيانة للأردن، قبل أن يكون خيانة لفلسطين”.


  • أكشاك وسط البلد تبكي (ورّاق عمّان)
رحيل حسن أبو علي، “ورَّاق عمان” 

غيّب الموت في العاصمة الأردنية عمّان، حسن أبو علي، صاحب كشك “الثقافة العربية”، ثاني أقدم كشك كتب في وسط عمّان القديمة، وأحد أهم رموز نبض قاع المدينة.

أبو علي، كما شاع اسمه بين المثقفين والكتّاب العرب والأردنيين، استهلّ حياته شابًا يافعًا ببيع الصحف اليومية وتوزيعها على الأقدام لقرائها، وكانوا كثرًا في نهاية خمسينيات القرن الماضي، قبل أن يؤسس لنفسه مطالع ستينيات القرن الماضي مكانًا ثابتًا لبيع الصحف اليومية والمجلات الدورية، وصولًا إلى تحويل كشكه قرب البنك العربي وسط البلد إلى ملتقى للكتّاب والسياسيين والشخصيات العامة، وإلى تجلّيه بوصفه محجًا يؤمّه المعنيون من مختلف محافظات الأردن.

(الدخلة) الصغيرة قرب البنك العربي، وحلويات “حبيبة”، الواقع كشك (أبو علي) عند بابها، أصبحت رمزًا من رموز عمّان وأماكنها المفعمة بالمعاني والخصوصية.

فهناك يصطف الناس على الدور لتذوّق الكنافة النابلسية، ويتحوّطون كشك الثقافة يطالعون آخر ما يعرضه أبو علي (ورّاق عمّان) من عناوين، وهو وأبناؤه الذين كبروا وصاروا يساعدونه في الوقوف على باب الكشك، أو الجلوس في المساحة الصغيرة داخله، يجيبون عن الأسئلة المتعلقة بعنوان ما، أو وصول رواية ما.

فور انتشار خبر رحيل (أبو علي) بعد معاناة مع المرض، ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بجمل الرثاء، وجمل ادّعاء علاقة بين الناعي وبين الراحل، علمًا أن علاقة (أبو علي) بمعظم رموز الوسط الثقافي الإبداعي المحلي هي ربما علاقة دائن بمدين، فالراحل لم يكن يتردد ببيع الكتب الذي يزخر بها كشكه بالدين، وبالدفع المؤجّل.

في هذا السياق، كشف أبو علي في مقابلة قديمة، ومن باب الطرافة، أن له في ذمة رؤساء وزراء أردنيين، ووزراء، ورؤساء روابط ثقافية وإبداعية، وشخصيات عامة كثيرة، مبالغ مالية (طبعًا مبالغ قليلة وليست كبيرة) باقي ثمن كتب لم يسددوا ثمنها كاملًا. حقيقة لم يبرأ منها معظم رواد كشكه الدافئ في القلب النابض.


كان يعلم الراحل أن بيع الكتب في العالم العربي (لا بجيب همّه)، وربما كان يفرحه أن يبحث باحث عن كتاب ما، وأن يحتاج أحدنا هذا الكتاب أو ذاك، ولكنه لا يملك ثمنه، فيسارع صديق المثقفين جميعهم، المفعم ببساطة القمح، بإعطائه الكتاب، وأما الدفع، فلحين ميسرة.

لا شك أن صداقات عميقة نشأت بين (أبو علي) وبين المثقفين الحقيقيين، ولا شك في أن تعامله مع الكتاب، بعد سنوات من تعامله مع الصحف والدوريات، جعلته يغوص في محتوى كثير منها، ويصبح مع الأيام شخصية عامة بامتياز، ما جعل العاهل الأردني، ومعه الملكة رانيا، يزوران، قبل سنوات، كشك الثقافة العربية، ويقابلان (أبو علي)، ثم يمنحه الملك عبد الله بعد ذلك وسامًا من درجة رفيعة.

برحيل (ورّاق عمّان)، وقبله بأربعة أعوام رحيل هشام المعايطة، صاحب كشك “الجاحظ”، سيظلل الحزن قاع المدينة، وسوف تضيق الأمكنة التي يمكن أن يلوذ بها صعاليك عمّان القديمة، وسوف يبقى لاسميهما إيقاعه الخاص، وأما الصدى فجبال عمّان جميعها.


بالعربية

بالعربية: منصة عربية غير حكومية؛ مُتخصصة في الدراسات والأبحاث الأكاديمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى