• 1 ـ مدخل:

أحدثت جائحة الوباء، الذي سببه تفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، سجالات واسعة ضمت مروحة عريضة من الآراء والتوقعات والتكهنات وصلت إلى الحديث عن “عالم ما قبل كورونا” و”عالم ما بعد كورونا”. وبهذا، أُضيفت حلقة “ما بعد كورونا” بوصفها حلقة جديدة إلى مسلسل حلقات الـ “ما البعد” الذي انتشر خلال النصف الثاني من القرن العشرين: “ما بعد الحداثة”، “ما بعد الاشتراكية”، “ما بعد الرأسمالية”، ” ما بعد العولمة”، إلى آخر السلسلة الطويلة.

وراوح الحديث عن “ما بعد كورونا” بين التوقعات الهادئة الرصينة، والتكهنات التي تشبه التنجيم وقراءة الفنجان. وهذا ليس غريبًا نتيجة صعوبة “الاستشراف العلمي” بسبب ضبابية وعدم وضوح فرضيات تطور جائحة الوباء ومآلاته، الفرضيات التي تُمكّن من رسم السيناريوهات الممكنة والمحتملة والمرغوبة. لكن الأكيد أن هذه الجائحة لن تمر مرور الكرام في حياة البشر من دون أن تترك آثارها وبصماتها على مختلف مستويات هذه الحياة، الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية، الثقافية والعلمية.

تميّز نمط الإنتاج الرأسمالي وتميزت التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية الرأسمالية، وباختصار تميزت الرأسمالية، بميزتين متلازمتين ومتناقضتين في آن: الأولى أن أزمات الرأسمالية هي جزء عضوي من بنيتها وتركيبتها؛ والثانية أن تجربة الرأسمالية وتاريخها أكدت أن الرأسمالية تمتلك مرونة التكيف مع أزماتها وإيجاد الحلول لها والمخارج منها.

ومع ذلك فالرأسمالية غير معصومة من صعود قيادات سياسية شعبوية ضعيفة الذاكرة وقصيرة النظر. كما يحدث الآن مع صعود الثنائي الشعبوي بوريس جونسن البريطاني ودونالد ترامب الأميركي، اللذين يبدوان كأنهما لم يعرفا الأزمة المالية العالمية عام 2008. فهل هذا تكرار لِما حدث في أواخر سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن، مع صعود مارغريت تاتشر في بريطانيا (1979 – 1990)، ورونالد ريغان في الولايات المتحدة (1981 – 1989)؟ هؤلاء الزعماء نسوا أو تناسوا الانهيار الاقتصادي الكبير عام 1929، بسبب (الكساد العظيم).

ومعالجة جون ماينارد كينز (1883 – 1946) له. على الرغم من أن كينز لم يتخلَ عن رؤيته الاقتصادية (الليبرالية)، مفترضًا أن مهمة (الليبرالية الاجتماعية) هي السيطرة على القوى الاقتصادية وقيادتها في سبيل خدمة العدالة والاستقرار الاجتماعي. وسادت رؤيته الاقتصادية بعد الحرب العالمية الثانية، متجسّدة بـ (دولة الرفاه) منذ خمسينيات القرن العشرين حتى أواخر سبعينياته، حين تراجعت (الرؤية الكينزية). وأمام تقدم النزعة (النيوليبرالية) مع الأزمة المالية العالمية عام 2008؛ انتعشت (الكينزية الجديدة).

الآن، يستدعي وباء كورنا الأزمة الاقتصادية الثالثة، التي قد تصبح أعمق وأشمل من سابقتيها الأولى والثانية. وسيوجه ذلك ضربة قاصمة لليبرالية الاقتصادية الجديدة (النيوليبرالية)، على صعيدي فكرها الاقتصادي وسياساتها الاقتصادية، وسيعاد الاعتبار لليبرالية الاقتصادية التقليدية (الكلاسيكية)، وكذلك لليبرالية الاجتماعية.

  • 2 ـ على صعيد الفكر الاقتصادي:

سيعاد النظر في طريقة تقديم التعليم المدرسي والجامعي للفكر الاقتصادي الرأسمالي الكلاسيكي، كما يُدرَس الآن، وبخاصة فكر الآباء المؤسسِين للمدرسة الفكرية الرأسمالية. لقد عُرضت أفكار تلك المدرسة بشكل مبسط وساذج ومبتذل. فعلى سبيل المثال لا الحصر:

يُقدَّم الأسكتلندي آدم سميث (1723 ـ 1790) بوصفه عالم اقتصاد، بالمعنى الضيق أو التقني لكلمة عالم، ولا يُشار إلى أنه فيلسوف أخلاقي. يتم الحديث عن كتابه “بحث في طبيعة ثروة الأمم وأسبابها” (1776) الذي اشتُهر اختصارًا باسم (ثروة الأمم)، وكذلك يُتجاهل كتابه “نظرية العواطف الأخلاقية” (1759). تكمن أهمية الجمع بين الفيلسوف والاقتصادي في شخصية سميث، في ضرورة فهم صحيح لنظرته الاقتصادية، فعلى سبيل المثال لا الحصر، يُساء ويُشوه تقديم فكرته الشهيرة والمهمّة “اليد الخفية”.

وكأنها آلية ميكانيكية من آليات السوق، تتدخل تلقائيًا؛ لتصحيح اختلالاته مباشرة في الأمد القريب. لكن عندما توضع هذه الفكرة على قاعدة رؤيته الفلسفية، حول كفاية النظام الطبيعي وسلامته وأفضليته على أي نظام مصطنع، تصبح “اليد الخفية” تعني أن الأفراد في سعيهم لتحقيق مصالحهم الخاصة يحققون، من دون أن يشعروا، المصلحة العامة في نهاية المطاف. وتَعَرّض سميث لتشويه أفكاره حول دور المصلحة الخاصة والدافع الشخصي، وقُدّم كما لو أنه يدعو إلى الأنانية أو يتجاهل المصلحة العامة.

بينما كان يرى أن الدافع الشخصي هو أكبر ضمان للمصلحة العامة؛ فالدافع الشخصي وسيلة أو أداة، والمصلحة العامة دائمًا هي الغاية والهدف. كذلك لم يقتصر دفاع سميث عن الحرية الاقتصادية على معارضة التدخل المـــتزايد للدولة، بل هاجــم -في الوقت نفــسه- القيود التي يمكن أن يفرضها التجار والحرفيون على حرية النشاط الاقتصادي. وفي الوقت نفسه، أوكل إلى الدولة بعض السلطة في منع الاحتكار والربا، وسمح لها بفرض ضرائب على السلع الواردة من الخارج، وتشكل تهديدًا للسلع المشابهة التي ينتجها المجتمع.

لم يكن المفكر الاقتصادي والفيلسوف الإنجليزي جون ستـيوارت ميل (John Stuart Mill)، وهو أحد رواد الفكر الاقتصادي الكلاسيكي، أسعدَ حظًا من آدم سميث، إذ ناله التشويه لأنه من دعاة “مذهب المنفعة”، لكنه لم يتبن المذهب بشكل جامد بل أعاد النظر فيه ليتماشى مع القواعد الأخلاقية السائدة بين الناس. قام “ميل” بمراجعة أطروحات مذهب المنفعة بطريقة نقدية، وعمل على التمييز بين “المتع”، وإخضاعها لـ “قيم عليا”، فالسعادة لا تتحقّق فقط عبر حياة ذات مُتَع جسدية ودون آلام، بل أيضًا بالوصول إلى مُتَع عليا، حتى لو كلّفت آلامًا أو تنازلات عن مُتَع أدنى.

وعبّر عن فكرته هذه بقوله: “من الأفضل للمرء أن يكون سقراطًا مستاءً من أن يكون خنزيرًا سعيدًا”. وأكّد أن مجتمعًا يسعى أفراده لإحراز المُتَع العليا هو أكثر تقدمًا في حضارته، ورأى أن الحرية الاجتماعية شرط أساس لتكريس ثقافة المُتَع العليا، حيث إن المجتمع الحرّ هو وحده القادر على أن يكون متحضّرًا، كذلك إمكانية البشر على الحياة المشتركة بعدالة تتناسب طردًا مع سعيهم لإحراز مُتَع عليا أكثر من المُتَع الأدنى. وقد شكّلت مراجعة “ميل” النقدية تغييرات كبيرة في جوهر النظرية النفعية، وأبقى على أن “الفكرة -فرديّةً كانت أم مجتمعيةً- تكون صالحة بقدر نفعها في إنجاز أكبر قدر من السعادة، لأكبر عدد من البشر”.

لم يأخذ اللورد جون ماينارد كينز (1883 – 1946)، مؤسس الاقتصاد الكلي الكينزي، المكانة التي يستحقها بجدارة في برامج التعليم الاقتصادي المدرسي والجامعي، ومن أعماله استُخلص الاقتصاد الكينزي، الاقتصاد الكينزي الجديد، والكينزية الجديدة أو ما بعد الكينزية. وامتاز بوضع النظرية الاقتصادية التي احتاج إليها الليبراليون الاجتماعيون، فهو ليبرالي مؤيد لدولة المؤسسات، ويقف في الوسط بين اقتصاد عدم التدخل والاشتراكية.

لم يتخلَ كينز عن رؤيته الاقتصادية (الليبرالية)، وظل يُقدّر آدم سميث، لكنه استخدم التحليل الاقتصادي الحديث كي يضعها في نطاق التطبيق، مفترضًا أن مهمة (الليبرالية الاجتماعية) هي السيطرة على القوى الاقتصادية وقيادتها، في سبيل خدمة العدالة والاستقرار الاجتماعي.

وفي كتابه (نهاية اقتصاد عدم التدخل)، يرى كينز أن التوافق على اقتصاد عدم التدخل، بوصفه وسيلة وحيدة للوصول إلى الرفاهية، قد انتهى في مطلع القرن العشرين، وأن سبب سيطرة مبدأ (دعه يعمل دعه يمر) في القرن التاسع عشر، هو القصور العلمي للحمائية من جهة وللاشتراكية الماركسية من جهة أخرى.

  • 3 ـ على صعيد السياسات الاقتصادية:

أكبر ضربة وجهها وباء كورونا ستكون فكرة “الدولة النحيلة” القائمة على مبادئ “وفاق واشنطن”، وسيُعاد الاعتبار لدولة الرعاية، وتدخل الدولة لتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية، وليس دولة تخفيض الإنفاق لتخفيض العجز. لن ينظر إلى الصحة والتعليم والضمان بوصفها سلعًا خاضعة -ككل السلع- للسوق وللتكاليف مع الأرباح.

إذا كان التوازن مطلوبًا، فإن من الواجب تأمينه من خلال تعظيم إيرادات الموازنة، لا من خلال تخفيض الإنفاق. ويجب تعظيم الإيرادات من خلال زيادة الحصيلة الضريبية، عن طريق مكافحة التهرب الضريبي، وتحسين العدالة الضريبية، برفع نسبة حصة الضرائب المباشرة على الريوع والأرباح وخفض نسبة الضرائب غير المباشرة التي تقع على كاهل الطبقات الشعبية.

وإذا كان ترامب قد فشل في إلغاء قانون أوباما للرعاية قبل كورونا؛ فلن يفكر أي رئيس أميركي، مهما يكن محافظًا ويمينيًا، في محاولة إلغائه. وسيكون المستقبل لصالح توسيع وتحسين الرعاية. فهل يستطيع اليسار المتقهقر الانطلاق بصعود هجومي جديد؟ ما حصل في فرنسا مؤشر جيد ومبشر إيجابي نحو اتساع القاعدة الاجتماعية للعدالة الاجتماعية وتوسع شعبيتها، حيث تقدمت في الانتخابات البلدية القوى النسوية والبيئية واليسارية على أنصار رئيس الجمهورية، ماكرون، ذي التوجه النيوليبرالي.

المستشفيات والدواء والمدارس والجامعات والتعليم والبحث العلمي والضمان والحد الأدنى للأجور ورواتب التقاعد لن تظل خاضعة لجشع وشره الحفنة الصغيرة المتربعة على قمة هرم الاقتصاد والأرباح والثروات. فهل هذا وهم؟ أم أمل مشروع! على الأرجح، سينتهي عصر عدم تدخل الدولة في الاقتصاد، ونزع أي وظيفة اقتصادية من يدها.

لكن الأمل يبقى في أن لا تقع وظيفة الدولة الاقتصادية في يد بيروقراطية حكومية تدير الاقتصاد مركزيًا، بطريقة الأوامر الإدارية الفوقية. ويبقى الحل الأمثل هو تلازم الديمقراطية السياسية مع الديمقراطية الاقتصادية؛ للحفاظ على حيوية ومرونة الاقتصاد بآلية السوق واقترانها بسياسات تنموية مستندة على مبادئ العدالة الاجتماعية، ولهذا الموضوع بحث آخر.