اقتباسات

رواية “بينما ينام العالم” – اقتباس حول النكبة وبدايات الشتات الفلسطيني

تمثل رواية “بينما ينام العالم” للمؤلفة سوزان أبو الهوى عملا أدبيا يوثق المأساة الفلسطينية عبر سيرة عائلة واحدة تتقاطع مصائرها مع التحولات السياسية والاجتماعية التي أعقبت نكبة 1948.

تسلط الرواية الضوء على الأثر النفسي والجغرافي للاجتثاث القسري، مستخدمة أسلوبا سرديا يمزج بين الحميمي والتاريخي، ما يمنحها قوة سردية قادرة على استحضار التجربة الفلسطينية برؤية تتجاوز البعد التوثيقي نحو فضاء أدبي عميق التأمل.

  • القطاف 1941: استعادة مفقودة لزمن ما قبل الاقتلاع

يعد المشهد الافتتاحي في القطاف 1941 أحد أبرز المقاطع التي تجسد الرمزية العميقة في الرواية. يستحضر السرد قرية “عين حوض” شرق حيفا، حيث يعيش القرويون في تناغم مع الأرض، وسط طقوس يومية تعكس تلاحم الإنسان بالمكان.

قبل أن تفرض النكبة واقعها القاسي، تصور الرواية صباحات القرية بطابع شعائري مقدس، حيث يتجلى اقتران الأرض بالروحانية من خلال صلاة الفجر، التي تمارس في العراء مع بداية موسم قطف الزيتون.

يحضر المكان بوصفه كيانا نابضا بالحياة، فالقرية ليست مجرد موقع جغرافي، بل ذاكرة ممتدة تحمل في تفاصيلها ميثاقا بين الإنسان والطبيعة.

  • التوظيف الرمزي في المشهد الافتتاحي

يعتمد النص على لغة بصرية ثرية بالاستعارات التي تعكس هشاشة اللحظة قبل التحول الكبير. فعلى سبيل المثال، يبدو القمر “كإبزيم يشبك الأرض بالسماء”، في إشارة ضمنية إلى ترابط المصير الفلسطيني بالأرض، بينما تشكل “أوركسترا ما قبل الفجر” من أصوات الطبيعة لوحة صوتية تعزز طقس الحياة اليومية الذي سرعان ما سيتحول إلى فوضى اللجوء والمنفى.

يُبرز السرد أيضا العلاقة العضوية بين القرويين والأرض، حيث لا يعد موسم قطف الزيتون مجرد نشاط زراعي، بل ممارسة طقسية تتطلب صفاء داخليا، وكأنها صلاة جديدة لا تتم إلا بقلوب طاهرة. هذا التفاعل مع الأرض سيصبح لاحقا ذاكرة مستحيلة، إذ سيتم اقتلاع سكان القرية من جذورهم، ليتحول المشهد من تواصل وانسجام إلى اغتراب وضياع.

  • بين التاريخي والروائي: إعادة بناء السرد الفلسطيني

تنتمي رواية بينما ينام العالم إلى أدب النكبة الذي يسعى إلى إعادة سرد الرواية الفلسطينية من منظور فردي وجمعي في آنٍ واحد. في مقابل السرديات الرسمية التي حاولت طمس الهوية الفلسطينية، تأتي هذه الرواية لتعيد تشكيل الأحداث عبر شخصيات تعيش المأساة في مستوياتها المتعددة: العاطفية، والسياسية، والاجتماعية.

ما يميز الرواية هو قدرتها على دمج الحدث السياسي بالمشهد الإنساني دون السقوط في المباشرة الخطابية. فالمقطع الافتتاحي لا يُعلن عن الكارثة بشكل مباشر، بل يترك القارئ يستشعر التوتر الكامن تحت سطح الحياة اليومية، وكأن الزمن نفسه على وشك الانهيار.

  • خلاصة:

في بينما ينام العالم، لا تكتفي سوزان أبو الهوى برصد مأساة اللجوء الفلسطيني، بل تخلق نصا يتحدى النسيان، حيث تصبح اللغة وسيلة لاستعادة المسلوب وإعادة تشكيل الهوية الفلسطينية في مواجهة الطمس والتشريد.

بهذه الطريقة، تتجاوز الرواية حدود السرد التاريخي لتتحول إلى شهادة أدبية تعيد للقارئ تجربة النكبة من الداخل، لا بوصفها حدثا من الماضي، بل كجرح مستمر في الذاكرة الجمعية.

بالعربية

بالعربية: منصة عربية غير حكومية؛ مُتخصصة في الدراسات والأبحاث الأكاديمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

الإعلانات هي مصدر التمويل الوحيد للمنصة يرجى تعطيل كابح الإعلانات لمشاهدة المحتوى