بنيـوية الرواية .. عندهم وعندنا

0

 

تجدر الإشارة بداية أن هذه المقالة كُتبت استرشادا واستلهاما وتلخيصا لمؤلف د. يوسف وغليسي الموسوم بـ “مناهج النقد الأدبي”، وما أخذنا من هذا الكتاب واعتمادنا عليه إلا تقديرا منا للمجهود المبذول من طرف المؤلف وعرفانا منا له بأهمية ما أنجز. حسب جون بياجي فإنه من الصعب تميز البنيوية، لأنها تتخذ أشكالا متعددة لتقد قاسما مشتركا موحدا، فضلا عن أنها تتجدد باستمرار، وأنها تستمد روافدها من ألسنية سوسير ونفسانية بياجي وجاك لاكان وحفريات ميشال فوكو وأدبيات رولان بارت. وسنركز هنا على البنيوية اللسانية التي تحدث عنها جون بياجي في كتابه “البنيوية” حين خلُص إلى أنها “منهج وليست مذهب” جون بياجيه، البنيوية، الطبعة 6، فرنسا، 1974، ص 5.

رومان جاكوبسون R.jakobson هو من أطلق على البنيوية اسمها الحالي وذلك سنة 1929، لوصف أعمال حلقة براغ اللغوية. تنهض البنيوية على جملة من الأسس أهمها مستخلصات حلقة جنيف التي تزعمها اللغوي السويسري فردناند دو سوسير Ferdinand de saussure (1857-1913) وهو مؤسس اللسانيات الحديثة، وجمع تلامذته ملخص دروسه التي قدمها في كتاب سموه بـ”محاضرات في علم اللغة العام” وتم نشر الكتاب سنة 1916 أي بعد ثلاث سنوات من وفاته، وتلامذته الذين أشرفوا على هذا العمل هم: شارل بالي، ألبير سيشهاي.

لم يُقدم دو سوسير على دراسة اللغة عن طريق النحو المقارن الذي كان يدرسه آنئذ علماء اللغة، وفضل أن يدرسها دراسة “وصفية منطفئة على النسق اللغوي الآني، التي كان من آلائها أن اغتنى الدرس اللغوي الحديث بثنائيات جديدة من طراز (اللغة والكلام) (الدال والمدلول) (الآنية والزمانية) (الوصفية والزمنية). المرجع نفسه، ص 65. كما أن المنهج البنيوي يُعتبر الوريث الشرعي للشكلانية الروسية التي تأثرت بدورها بالنظرية السوسيرية عن طريق جاكوبسون.

  • 1. الشكلانيون الروس Formalistes Russes 1915-1930

ازدهرت الحركة البنيوية في فرنسا خلال الستينات مع جهود جماعة “تال كال” حيث أسسوا مجلة بنفس الاسم، تولى شؤونها الناقد فيليب صولر وزوجته جوليا كرستيفا ورولان بارت وميشال فوكو وجاك دريدا
تعتبر الشكلانية الروسية منبع البنيوية وما تلاها من مناهج متاخمة لها على غرار السيميائية والشعرية. وتطلق تسمية الشكلانين الروس على ائتلاف تجمعيين علميين روسيين هما:

  • أ- حلقة موسكو (1915-1920)

تأسست هذه الجماعة على يد رومان جاكوبسون في موسكو رفقة ستة طلبة هم: بيوتر بوغاتريف وغرووري وأوسيب بيرك وبوريس توماشفسكي وكذلك ميخائيل باختين الذي تبرأ منها فيما بعد. وفلاديمير بروب. تهتم هذه الحلقة بالشعرية واللسانيات وتبحث في شؤون الأدبية وماهية الشكل. نفس المرجع، ص 66.

  • ب- جماعة الأوبوياز opojaz 1916

تعني هذه التسمية جمعية دراسة اللغة الشعرية تأسست بمدينة سان بترسبوغ أعضاؤها: فيكتور تشلوفسكي وبوريس ايخنباوم وليف جاكوبنسكي. قامت الشكلانية الروسية على:
– التشديد على الأثر الأدبي وأجزائه المكونة.
– الإلحاح على استقلال الأدب.

سمى هؤلاء العلماء أنفسهم بالمورفولوجيين والتمييزيين، بينما وصفهم أعداؤهم بالشكلانين لأنهم عالجوا “الشكل بوصفه مجموعة من الوظائف لا مجرد صيغة سطحية مبسطة. وقد خبت هذه الجماعة سنة 1930 وأعلن انتهاؤها رسميا سنة 1932 وهو تاريخ صدور مرسوم عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي يقضي بحل كل التجمعات الأدبية.

  • 2. حلقة براغ cercle de Prague 1926-1948

تأسست بزعامة فيليم ماتيسيوس من أعضائها (هافرانيك، تروكا، فاشيك، موكاروفسكي…) تابعت إنجازات السكلانية الروسية، وقدت أطروحتها عن اللغة سنة 1926، كما قدمت مبدأ المحايثة immanence النص الأدبي ضمن مقاربة بنيوية، وسعت لعلمنة الأدب.

إن التشابه بين النقد الجديد والبنيوية ساهم في سهولة استيعاب هذه الأخيرة ومهد لتلقيها عند العرب، ومن الكتب التي أرست دعائم هذا المنهج كتاب د. صلاح فضل “نظرية بنائية في النقد الأدبي”

  • 3. جماعة Tel Quel 1960:

ازدهرت الحركة البنيوية في فرنسا خلال الستينات مع جهود جماعة “تال كال” حيث أسسوا مجلة بنفس الاسم، تولى شؤونها الناقد فيليب صولر وزوجته جوليا كرستيفا ورولان بارت وميشال فوكو وجاك دريدا. حيث اهتموا بحقول معرفية شتى كالتحليل النفسي والماركسية واللسانيات. كما دعت لنظرية جديدة في الكتابة كانت معبر للمرور من البنيوية إلى ما بعد البنيوية. وتحرص جماعة تال كال على النظر الآني المحايث للنصوص، مجردة من أصولها التكوينية والسياقات المحيطة، وكما هي لا كما يجب أن تكون. وقد نربط بين اسم هذه الجماعة وأعمال الشاعر الفرنسي بول فاليري الذي جاءت بنفس العنوان، حيث أكد أن الأعمال الجميلة في تقديره هي بنات لشكلها الذي يولد قبلها.

في البنيوية لا قيمة للجزء إلا في سياق الكل الذي ينتظم داخله والأولوية دائما للكل على حساب الجزء، يعتبر رولان بارت النص جملة كبيرة، يجزؤها المنهج البنيوي إلى أجزاء صغيرة قابلة للتحليل، وهي كذلك –أي البنيوية- تولي أهمية بالغة للعلاقات التي هي حسبها أسبق من الكينونة في حد ذاتها، وقد أخذت مبدأها هذا من الفكر المركسي الذي يؤمن بأن “الفرد هو مجموع علاقاته الاجتماعية” ولهذا غيب المنهج البنيوي خصوصية وتفرد النص الأدبي وذوبها في غمرة انشغاله بالكليات، لدرجة أن صالح هويدي، النقد الأدبي الحديث، منشورات جامعة السابع من أفريل، ليبيا، ص 114 يصف ميشال فوكو والبنيوية فيقول “البنيوية هي من أجل الآخرين، أي من أجل أولئك الذين يرون الغابة ولا يرون الأشجار”.

وصلت البنيوية للعالم العربي في سبعينات القرن الماضي، وقد تزعم هذا الاتجاه د. رشاد رشدي وتلامذته (محمود الربيعي، مصطفى ناصف، محمد عناني، سمير سرحان، عبد العزيز حمودة) إن التشابه بين النقد الجديد والبنيوية ساهم في سهولة استيعاب هذه الأخيرة ومهد لتلقيها عند العرب، ومن الكتب التي أرست دعائم هذا المنهج كتاب د.صلاح فضل “نظرية بنائية في النقد الأدبي”. بالإضافة إلى د. كمال أبو ديب “في البنية الإيقاعية للشعر العربي” وكتاب محمد رشيد ثابت ” البنية القصصية ومدلولها الاجتماعي في حديث عيسى بن هشام” وكتاب ابراهيم زكريا “مشكلة البنية”.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إعداد : خولة عمامرة – كاتبة ومدونة جزائــرية

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.