مَا بَعدَ الحَدَاثَة وتَجربَة المَرأة التَشكيليَة السعودية

 

خلال أكثر من خَمسين سنة مَرَّت التَجربة التَشكيليَة السعودية الحَديثَة بنَهضة مَرحليَّة مُتَفاوتَة التَفاعل طَالتها تغييرات التَطور في مختلف القطاعات الاقتصاد والتعليم والمجتمع والثقافة، فبين البناء والبحث بين التكامل والاندماج بين التأثر والتأثير بين الريادة والتَصنيف والتَفرد في مختلف مستويات التعبير ومن مختلف زوايا التجدّد والانفتاح المكتمل على العالم وثقافاته، تعمّقت التجارب دون انفصال عن الانتماء وهو ما قدّم تجارب تشكيلية بصرية متنوعة لها بصماتها الثابتة وروّادها الذين حقّقت جهودهم نهضة واضحة أثّرت على أجيال وطبعت مميزات التشكيل السعودي وبالخصوص تجربة المرأة السعودية.

هذه التجربة التي لا تشبه إلا ذاتها ولا تعبّر إلا عن خصوصياتها في بيئة تعدّ الأكثر تنوعًا وثراء بتفاصيلها البسيطة والمعقّدة في تداعيات ذلك الانتماء وجهود المرأة ذاتيًا واجتماعيًا التي بُذلت لتَصل لمرتبة مهمة وبارزة حقّقت لها مستوى يَستَحقُ البَحث والقرَاءة والاطلاع والنقد كان من الضروري أن يسلَط على تطوراتها ضوء الدراسة والمَعرفة والتَعريف عَربيًا ودُوَليًا.

خاصة وأنها وصلت مراحل نضج مَكّنتها من أن تَخوض تَجَاربَ عَالمية وتُشارك بقدراتها ومواهبها وتصوراتها وتنوعها وهنا يجدر ذكر المشاركات العالمية وجُرأة التجريب واقتحامها دون انفصال عن الهوية مثل تجربة المشاركة في بينالي البندقية أولاً من خلال تمثيل المملكة العربية السعودية في سنة 2011 من قبل التوأم الإبداعي رجاء وشادية العالم بعمل “القوس الأسود” ثم المشاركة الفنية لمها الملوح سنة 2017 بـ”غذاء الفكر” وأخيرًا مشاركة زهرة الغامدي سنة 2019 بعمل “بعد توهّم”.

ومن المنطقي أن الحديث عن أي تجربة يُخضعها لترتيبات في درجاتها التكوينية المتباينة لرصد إشكالياتها التنموية ونضجها ومن الطبيعي في المنطقة العربية أن يتم تناول موضوع تجربة المرأة مقياسًا لدرجة الوعي في المجتمع ومدى الانفتاح فيه فما بالك بالمملكة العربية السعودية وهي تتقدّم خطوة خطوة بحكمة ترصدها الأعين وتتربص بكيانها وتحاول التشويش عليه.

والخَوضُ في بَحث عن التَجربة التَشكيلية المُعاصرة وما بعد الحَداثة عند المرأة السعودية لا يمكن تناوله كتصنيف يميّزها أو يستنقص من قدراتها على الخلق والابداع والابتكار ولكن كتصنيف يُنصفها ويُعلي قيمتَها ويُؤرخ لدورها في البناء الجَمالي الذي أَخرجها من أن تكون مُجرد صورَة أو عنصر أيقوني تعبيري في المنجز الفني إلى مشكّل لحركة تشكيلية ومسؤول عن تنظيمها استطاع أن يستمر بتجاربه وينوّعَها ويطوّرَها.

ولعل هذا يستفزُ الحَواسَ الذهنية والإدراكَ للبَحث في مَدى تَأثير هذه التَجربة على ذاتها أولا كمَجال فني وعلى صورة المرأة كمبدعة تَستَحق عن جدارة تميّزها وعلى ثقافة مجتمعها وهو ما يدفع لطرح عدة إشكاليات وهي:

ما هي محفّزات اندفاع المرأة السعودية للتعبير الفني؟ وما الذي ساعدها على الخوض في هذا المجال التعبيري وماهي عوامل تميزها الثقافي والاجتماعي؟ وكيف تمكنت من أن توافق بين طموحها الجمالي وتعبيرية مواقفها الباحثة عن تفرّد الأسلوب في مواجهة الواقع الاجتماعي والثقافي دون صدام بل بوعي حقيقي ومسؤول يحتوي طموحها؟ وكيف تجنبت بفعل التفرد وصياغة الكيان البصري التلقين والتبعية والتقليد سواء للمجتمع أو السلطة الذكورية أو المدارس الغربية؟  

إن التعامل مع الموضوع الفني التشكيلي والبحث العلمي والمعرفي فيه يحتاج دقّة وبصيرة وجمالية وتخصيص ولعل الفترة المعاصرة هي الأكثر انفتاحًا لعدّة أسباب وهي التي استدرجت الناقد والباحث لمحاولة التعرّف والوصول وإدراك تفاصيل هذه التجربة وخصوصياتها كيف لا وهي تخترق المحلية نحو العالمية بخطوات واثقة وبمنجز له تفرّده الذي كسر حواجز الجهل بالمجال واقتحم عوالمها في مجتمع اتهم بعيون غربية بالمحافظ الرجعي أو الباذخ الاستهلاكي وقد كان التأمل الغربي في أعمال مها الملوح أو زهرة الغامدي في بينالي البندقية الاستثناء الذي كان بداية لكسر تلك الاحكام المسبقة وفُضولًا واقعيًا للبحث بعمق في مدى التعبير الخاص بالمرأة السعودية التي بدأت تشكيل مسارها بكل ما أوتيت من فرص وقدرات ومواهب وخلفيات ثقافية وعلمية وانتماء له من التوافق الخاص مع توازناتها ما فسح المجال للإبداع حتى لو كان في بعض خطواته متواضعًا، متشابهًا أو لا يمتلك الجرأة الكافية موضوعيًا أو غير سبّاق لتملّك التقنيات الفنية في مراحل نضجها الأول ولكن رغم كل ذلك مكّنته جرأة  التجريب والمحاولة من أن يثير الدهشة ويستفز المتلقي والناقد العربي والغربي ويستمر.

  • البدايات تحدي المحاولة نحو إثبات الحضور

شكّلت المرحلة الحديثة الأولى بداية التعامل الجدّي مع الفنون بوصفها التعبير الجمالي الإنساني خاصة وأن السعوديّة كانت تشهد نهضتها وثباتها وتغيّرها الاقتصادي وانفتاحها الاجتماعي والثقافي، وقد بدأت المرأة السعودية تتطوّر بفرض ذاتها المبتكرة بصورها وألوانها وتصميمها سواء في الصورة أو في الرمز في بساطة النقل والتفاعل وفي عمق البحث وإثبات الذات الحاضرة وهنا تخطر بالذاكرة أسماء كان لها وقعها المحلي والخليجي العربي والعالمي مثل منيرة موصلي وصفية بن زقر حيث تكوّنت النواة الأولى وتشكل المسار في خطواته التعبيرية، ما فتح أبواب الحركة التشكيلية والتعبير أمام المرأة السعودية.

 فالحركة التشكيلية السعودية ارتكزت على عدة أسماء فنية نسائية منذ فترة الستينيات بحدث كان له وقعه وأهميته وتأثيره عندما أقامت الفنانتان منيرة موصلي وصفية بن زقر معرضًا مشتركًا بجدة في سنة 1968 حيث لم يكن بالحدث الاعتيادي والمألوف خاصة وأن الفنانة صفية بن زقر كانت من أول الفنانات اللاتي تلقين تعليمًا أكاديميًا في الرسم بالقاهرة كما التحقت بمعهد سان مارتن للفنون بلندن وتخصصت في الفنون التشكيلية مدة عامين لتترك بصمتها في تاريخ الحركة التشكيلية السعودية الحديثة بكونها أول امرأة تقيم معرضًا فرديًا لأعمالها وأول فنانة تتلقى تعليمًا أكاديميًا في الفنون.

وهنا يقول الكاتب والناقد والفنان التشكيلي السعودي عبد الرحمن السليمان] “في عقد الستينيات كانت منطلقات الفن التشكيلي في المملكة العربية السعودية وكانت الأسماء خليطًا بين دارسين وبين هواة اعتمدوا على موهبتهم، أقام بعض الفنانين معارضهم  الفردية الأولى بين جدة والرياض مثل عبدالحليم رضوي وعبدالرشيد سلطان وعبدالعزيز الحماد ومحمد السليم وضياء عزيز نفس العقد شهد معرضًا مشتركًا بين اسمين هامين هما صفية بن زقر ومنيرة موصلي، كان المعرض بشارة رحبت بها الساحة الأدبية التي كانت حينها أكثر تأثيرًا وحضورًا وكَتَبَ عن معرضهما أدباء واعلاميون، تواصل الحضور النسائي بأسماء متنوعة الاهتمامات من حيث الأساليب والأفكار، وكن هاويات تعلّمن الفن بطرقهن الخاصة مثال لهن بدرية الناصر ونوال مصلي واعتدال عطيوي وفوزية عبداللطيف، في الثمانينيات والتسعينيات ظهرت بعض التجمعات الفنية في المنطقة الشرقية والرياض كما ظهرت معارض الفنانات التشكيليات وبدأت اعمالهن تظهر في الخارج وكانت ارهاصات لحضور أهم فيما بعد عندما ظهرت توجهات بعض الفنانات نحو الميديا وبتأثير تحولات الفن في المنطقة والعالم.”

وقد شكلت صفية بن زقر مع منيرة موصلي ثنائيًا مؤثّرًا من حيث التعبير الفني التشكيلي حيث تلقت الأخيرة  كذلك تعليمها الأكاديمي في القاهرة بحصولها على بكالوريوس الفنون من جامعة القاهرة في سنة 1967، ورغم أن النقاد في العموم يرون في خطوات بن زقر والموصلي في بداياتها بسيطة ومتأثرة ببيئتها وفضاءاتها التراثية والشعبية إلا أنهما كقراءة فنية لهما تطوّرهما المرحلي من حيث المنجز التشكيلي كانتا في كل مرحلة تخوضان التجريب وتعتمدانه بمحاورة الأسلوب والعناصر والفراغ والمساحات والحالات والتصورات في ملامح الأشخاص والمدن في تركيب اللون ودمج الصور وتدقيق المشهد، من حيث الرؤى وجمالياتها ومنافذها وبالتالي أسّستا لمسار أثر على التجارب التي تلتهما ورغم أن الحديث عن تلك المرحلة الأولى يحتاج للتفصيل والقراءة وذكر الأسماء الرائدة حسب تسلسلها وتأثراتها  بالبحث والرصد والنقد والقراءة من زوايا البناء والعناصر والعلامات والحضور والأساليب خصوصًا التجريد والتعبيرية والواقعية، إلا أن ما يمكن تلخيصه هو أن التجربة في حد ذاتها فَرضت بثقتها وجدّيّتها الاستمرار في التفصيل الذي قاد إلى المرحلة المعاصرة بخطوة فَتحت منافذ الوعي على الفن في السعودية من فئاته المتنوعة وبالخصوص التجربة الأنثوية وتأثيرها خاصة وأن التاريخ كثيرًا ما يتعامل مع فنون المرأة بالتصنيف وليس بالتأسيس وهنا يختلف الأمر في التجربة السعودية فالمرأة السعودية استطاعت أن تُؤسس لها منفذًا جديدًا خاصًا بها وبعوالمها وقضاياها الجمالية في الفنون وفي ما يصل البصريات من تحديد واستقاء وتبصر وما تريد هي توضيحه وإبرازه بكيانها وإرادتها.

وحيث كان لمنيرة موصلي حركتها محليًا وخليجيًا وعربيًا ودوليًا من خلال جماعة أصدقاء الفن الخليجي التي نشرت أعمالها حتى وصلت جزر الكاريبي وبتمويل ذاتي من الجماعة وهو ما عرّف بأعمالها ونشاطها واسمها كأول سعودية تدرس الفنون أكاديميًا، والفنانة صفية بن زقر التي نسجت على خطى موصلي في الدراسة الأكاديمية والبحث عن التعريف بالذات دوليًا عن طريق جولتها الأوروبية ومعارضها التي حضرها كبار الشخصيات منذ فترة الستينيات مثل  الرئيس الفرنسي الأسبق جورج بومبيدو، كما لها أعمال مقتناة في المتحف البريطاني للفن الحديث في لندن، وهو ما أثّر كنشاط ومسيرة على الجيل الثاني من الفنانات اللاتي حاولن من خلال خصوصيتهن وتفاصيل الهوية أن ينتشرن ويعبّرن ويخترقن حواجز الاحكام المسبقة على النشاط الفني التشكيلي للمرأة السعودية حيث شهدت المرحلة المعاصرة انفتاحًا وتقبّلاً ذهنيًا لفكرة التعبير الفني وهنا نذكر أسماء مثل: شادية ورجاء عالم، مها الملوح، منال الضويان، تغريد البقشي، فاطمة النمر، سارة أبو عبدالله التي ترشحت لجائزة أبراج كابيتال في دبي، وزهرة الغامدي التي اختيرت لتمثيل المملكة في بينالي فينيسيا 2019، وهذه الأسماء التي تركت بصمة دولية وشكّلت ظاهرة أثارت تساؤلات عن مدى التطور التعبيري وظاهرة الفنون التشكيلية والبصرية في السعودية لا تقلّ أهمية عن الأسماء التي تشتغل على التَصّور المحلي الداخلي والعمق البيئي التواصلي مع الذات والهوية.

إن الجمالية التي تخوضها المرأة السعودية وهي تؤسس لفنونها تحتاج الكثير من الرصد لتصل إلى العالم حتى لا يكون عالم إنجازها غامضًا على النقاد والحركة البحثية لأن أي بحث يحتاج لمتابعة ورصد معارض ومراجع تحرّك زوايا البحث وأفق النبش فيها والتعرف عليها عن قرب ولا يمكن أن يكون هذا مجرد رصد عابر فالسعودية لم تكتف بالخطوة الأولى ولم تتوقف عندها بل تابعت من خلال تشكيل زوايا البحث الجمالي سواء من خلال مؤسساتها الثقافية التي خاضت فيها المرأة مناصب التنظيم والإشراف والتقييم أو من خلال المسؤوليات الثقافية التي تلقّتها والتي بها استطاعت أن تحتوي الفنون النسائية دون تمييز في ذاتها الجمالية وهي تجمع بينها وبين الرجل بندية نقدية لها تصوراتها التطويرية.

فرغم كل العوائق والثغرات أّسست الحركة التشكيلية النسائية لروح الاستمرار والتجريب وخصوصًا ذاتية الفعل الجمالي فالمرأة التشكيلية لم تقدّم تصورات هجينة في الفعل الفني ولم تتملّص من هويّة انتمائها ولم تقف عند حدود أو قيود لا منطقية تخطّت مسارات البحث التي تناسبت مع طبيعة المجتمع فلم يكن هدفها الإثارة والصخب أو الصدمة والصدام بقدر ما كان هدفها هو التعبير بكل الطرق والأساليب التشكيلية في الرسم والنحت وهو ما جعلها كتجربة تستمر بهدوء في تجريبها الحداثي.

  • جماليات التجريب المعاصر

تستوقفك الكثير من التجارب المعاصرة في التشكيل السعودي النسائي التي تُعتبر نموذجًا ليس لأنها على اطلاع وعلم بما يدور حولها من تطوّرات جمالية ومباحث بصرية عالمية فحسب ولكن لأنها اختارت البحث والتجريب من منطلق هويّتها لأن بحثها عن الفكرة النادرة بدأ من عالمها بيئتها وفضائها الذي تعرفه جيدًا وتُدرك كيفية نسج الحكاية البصرية من خلاله مثل تجربة التشكيلية لؤلؤة الحمود أول سعودية تخصّصت في الهندسة الإسلامية المعاصرة وعرضت تجربتها في بينالي لندن لسنة 2018. 

كثيرًا ما كان يحملنا الواقع النقدي والكتابة البصرية إلى الفضاءات التعبيرية التي نرى فيها الذوات المعبرة عن الواقع والخيال وحلم الجمال إلى أبعد حد وأقصى تطرّف، وهو ما يمكن أن ينتاب باحثًا يتحاور باكتشاف مع التجربة التشكيلية السعودية مثل “مها الملوح” ومفهوم القدور التي تشكّلت بانتظام ومرحلية ودقة وبحث بمتحف لوفر أبوظبي لتكوّن “معلقات” مها الملوح تجربة  شدّت الفكرة لطرح البحث والتجاذب فيه لرصد التطوّر الحكيم خاصة بعد تبصّر هويتها وانتمائها وربط ما نفّذته مع رؤى المفهوم الذي بدأ إنسانيًا وانتهى ذاتيًا في عالمه الخاص وخصوصيته العالمية هذه الخصوصية الما بعد حداثية التي تركز على المفهوم وحيرة التفكير وثنائية البحث والابتكار.

 وهو ما تقدّمه التجربة السعودية المعاصرة التي أجادت استفزاز الحواس الذهنية من منطلقات التطلّع العالمي كما في تجربة الفنانة الدكتورة إيمان الجبرين بدمج فكرة الهوية والتعبير عنها للفنان باعتبار أن الانسان حر في هويّته وكيف يعبّر عنها انطلاقًا من ذاته الأولى التي تعنيه من خلال تجربتها التقريبية لفكرة حرية “بانكسي” في اختيار هويّته المجهولة كفنان وتناقضها في عدم قبول الفنانة التي تختار النقاب مثلاً وهنا طرحت برقيّ صدام الحضارة والانتماء وصراع الحرية وتناقضاتها في فكر يقبل الحرية ويرفضها بصدامية.

وهنا يكون التجريب تقنية ومفهومًا أوّل خطى التعبير الجمالي المعاصر الذي ميّز التجربة النسائية السعودية إضافة إلى اقتناع المرأة بذاتها الفاعلة وهي تقدّم منجزها فهي لا تقلّد ولا تبحث عن تفوّق على التجربة الرجالية بمنطقها الذكوري ولكنها تعبّر عن عالم من الحلم واليقظة والظهور والاستمرار تعبّر عنها كقضية وجود وعن مجتمعها كمشاهدات وعلاقات تسمح لها بالتحرّر من فضاءاتها والترحال في ذاكرتها معتمدة على إرث وتراث وفكرة وماض ورؤى استشرافية مكّنتها من خرق الصورة وتجريدها نحو تجسيد فكرتها ومفهومها.

إن لهذه التجارب التي تعبّر عن حضور ثابت الانتماء وحر التعبير في مواجهة العالم بأفكاره المسبقة كوّنت رؤى مفتوحة للنقد والبحث والكتابة الفنية والتبصر الجمالي والقراءة النقدية من منطق محايد وعميق مطّلع ومتأكد من طبيعة المنطقة وتراثها وتفاصيلها وهو ما فرض فهم العلامة والرمز المقصد والحركة البيئة والمجتمع وهذا التعمّق من شأنه أن يساعد الباحث في أن يعيد النظر والبحث بأكثر عمق وجدية في التجربة السعودية خاصة وأنها تعتبر لدى بعض النقاد والدارسين العرب لا تزال بحاجة لتمعن يتجاوز مجرد الحديث عنها بشكل يتعدى مشاركة أو تغطية لا تتجاوز كونها حدثا ثقافيا بعيدا عن التحليل والقراءة والتعمق.

إن ما يميّز قاعدة العمل الفني والتشكيلي الجمالية التي تتقدّم من خلالها المرأة السعودية في منجزها هو الفكرة الأولى والأساسية هو النديّة في الفن والقدرة وطاقة التعبير وهو فكر مسؤول بدأ في تفعيل المواكبة والاهتمام التي لم تقتصر على مسؤولين فقط بل مسؤولات مثل الأميرة جواهر بنت ماجد بن عبد العزيز مُؤَسسة “المنصورية الثقافية”.

إن محفّزات التعبير الفني التشكيلي للمرأة السعودية انطلقت من باب التحدي الأكبر لمواهبها الدافقة فمن حيث المتابعة والقراءة يمكن استنتاج أنها لا تكتفي بأسلوب واحد أو بخامة واحدة أو برؤى واحدة فهي تسعى لخلق بصمة تصل فكرتها بحواسها وتنطلق بعالمها من ذاتها إلى مجتمعها ومن خصوصيته إلى العالم فقد تقدّمت بالنقد وهي تحاول أن تُجادله جماليًا حتى لو وظّفت المَشاهد المألوفة كبداية إلا أنها  تستدرجها نحو الرمزية والعلامة البصرية التي تستحدث مساحاتها من خلال المنحوتة واللوحة، الكاميرا والفيديو، فالصورة والفتوغرافيا تعالج الواقع والفيديو آرت يستنطقه والمفاهيمية ترتّب الأداء الشكلي على مستوى الفكرة ومداها إضافة إلى أساليب “البوب آرت” والكولاج، وهنا يكمن التنويع والرغبة في مواكبة العصر بتكنولوجيا التصوير الرقمي والدمج الرقمي والوسائط المتعدّدة والأداء والمفاهيمية المطلقة.

إن التوافق التأريخي لفكرة المرأة في الفنون البصرية والتشكيلية لا يمكن سرده بلا توقف عند كل مرحلة ودراسة طبيعتها التاريخية والجغرافية والنفسية والتعبيرية والاجتماعية وحتى تسليط الضوء على الدافع الأول للتعبير هل هو مجاراة أم تمرّد إثبات فعل وموهبة أو تجربة، هل حملتها مكابرة في الفعل أو نديّة وتوافقًا.

 أكيد أن المرأة السعودية حملت تفاصيل كيانها للتعبير الفني عن ذاتها ومن خلال ذاتها، فتجربتها لم تكن صاخبة بقدر ما كانت فاعلة في إنجازها وحيويّة في عرضها ومؤمنة بمواهبها وقدراتها وانتشارها، فهي لم تتكئ على قضية المرأة كتصنيف لتعبّر عن نقصها أو بحثها عن الاكتمال، فقد التزمت بطبيعة تجربتها بواقعها وعاداتها ومجتمعها وهويتها التي منها تشكّلت لتصل بين مراحل التكوين الجمالي وبين فلسفتها البصرية.


المصادر:

– تاريخ الفن التشكيلي في المملكة العربية السعودية د.محمد الرصيص، وزارة الثقافة والإعلام الطبعة الأولى 2010

– الفن التشكيلي النسائي السعودي رؤية بانورامية للتأصيل الكاتب سامي الجريبي، جريدة الحياة 08 أكتوبر 2013

– الفن التشكيلي السعودي المعاصر مفاجأة في اليونيسكو مقال بوكالة أنباء فرنسا بقلم سيجيرفريد فورستير بتاريخ 12/10/2017

– مقال لعبدالرحمن السليمان بعنوان “طموح الفنانة السعودية” جريدة الرياض 27/09/2019

– مقال بعنوان منال الضويان الوجه المعاصر للمرأة السعودية الفنانة موقع KAWA باللغة الفرنسية نشر بتاريخ 23/03/2018

https://kawa-news.com/manal-al-dowayan-le-visage-feministe-de-art-contemporain-saoudien/

https://kawa-news.com/yalla/artistes-saoudiens-a-conquete-monde/


بشرى بن فاطمة

كاتبة تونسية، اختصاص فنون تشكيلية وبصرية


خاص لمجلة فكر الثقافية

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يستحسن طباعة المقال !!