تاريخ

العصور الوسطى هل كانت مظلمة؟ أكاذيب رائجة وحقائق مغيبة

ماذا نعرف عن العصور الوسطى في اوروبا سوى انها كانت مظلمة

امتدت العصور الوسطى الف سنة بدات بسقوط روما في ايدي البربر وانتهت في العام الف واربعمئة مع بداية النهضة الاوروبية الشائع لدى الناس وكثير من المؤرخين انها كانت مظلمة . وعصور مظلمة تعني: جاهلية وظلم وامراض وحروب وبربرية، فهل كانت العصور الوسطى كذلك؟


الاكاذيب الرائجة هي ان اوروبا في العصور الوسطى كانت تعيش في انحطاط وظلام الفكري، طريقة حياة بدائية، سياسة بربرية، حروب وفظائع، امراض مستشرية، جاهلية وامية، تسلط كنسي، وقمع للعلوم والعلماء.
لكن الحقيقة اغرب من الخيال إذ يرى بعض علماء التاريخ ان الحياة في العصور الوسطى كانت افضل بكثير من عصورنا الحديثة.

الانجاز الوحيد للعصور الحديثة هو التكنولوجيا واخواتها، لكن انجازات العصر الوسيط بمقاييس عصرها كانت اعظم من ذلك.
لماذا العصور الوسطى لم تكن عصور ظلام؟
لنرى ما الذي تم انجازه في تلك الالف سنة :


الجامعات:

العالم لم يعرف الجامعات الا في اوروبا العصور الوسطى واول جامعة في التاريخ كانت جامعة بولونيا / ايطاليا العام 1088 وقد تاسست على قواعد العلم اليوناني ومنحت الدرجات العلمية في الدكتوراة والماجستير.


قواعد البحث العلمي:

بوجود الجامعات انتشر البحث العلمي وارسيت قواعده. صحيح ان التقدم العلمي كان بطيئا لكنه ثابت. وقد شجعت الكنيسة العلماء وظهر كثير منهم وكانوا من الرهبان.

كان هناك تعاون علمي مع العالم الاسلامي لم يتوقف الا مع الحروب الصليبية. وقد وصل علم الجبر الخوارزمي الى اوروبا ومنه انبثقت اللوغريتمات وتغير علم الرياضيات.


النهضة الكارولنجية:

هي نهضة قادها ملوك الفرنجة في فرنسا من اسرة تشارلمان، وعرفت بهذا الاسم لان لفظها بالفرنسية هو هكذا. عاشت اوروبا في تلك الفترة نهضة عمرانية وادبية وفنية وقضائية ولاهوتية وظهر خلالها شارل مارتل وشارلمان الذي اسس الاميراطورية الرومانية المقدسة التي امتدت حتى القرن التاسع عشر. وكانت تلك الفترة بداية نهوض الموسيقى الاوروبية الكلاسيكية.


الامبراطورية البيزنطية:

لقد كانت العصور الوسطى ايضا العصر الذهبي للامبراطورية البيزنطية وقد ظهر فيها القانون المدني لاول مرة في التاريخ في عصر الامبراطور جوستنيان. وانتشرت القراءة والكتابة في اوروبا بشكل واسع وكذلك التعليم الابتدائي وانتشرت الكتب والفنون الموسيقية والادب والمسرح. وعرف الناس الكرنفالات الاحتفالية في المناسبات. وفي السياسة والادب ظهر ماكيافيللي وداني وبترارك وتوما الاكويني وغيرهم.


الوحدة الدينية:

طوال فترة العصور الوسطى او معظمها ظلت الكنيسة موحدة (حتى1054) وسادت فترة سلام طويلة في العالم الغربي الاوروبي.


العمارة والفنون:

انتشرت العمارة والفنون المعمارية ونشات فترة تسمى الرومانسك وجرى استيعاب فنون العمارة الاغريقية وتطويرها.


الزراعة والمناخ:

انتعش المناخ والطقس ظل معتدلا لسنوات طويلة فانتشرت الزراعة وتوفرت الاغذية اللحوم بكميات وافية. اما المجاعات التي انتشرت فلم تكن اكبر من مجاعات العصور الحديثة.


الظلم وعدالة القوانين

في العصور الوسطى تم لاول مرة وضع قانون التجارة العالمي الذي ظل يتطور حتى اليوم كما تم وضع نظام قضائي ونظام المحلفين، وانتشرت اعتراضات على عقوبة الاعدام حتى وان لم تكن منتشرة كثيرا قياسا الى العصر الحديث.


نظافة الناس والامراض:

ليس صحيحا ان الناس كانوا يستحمون مرة في السنة فالحمامات العامة كانت منتشرة في اوروبا. لكن الطب وان ظل متخلفا بصورة ما لكنه كان يملك بنية اساسية سمحت له بالتطور في وقت لاحق. اما الطاعون الذي انتشر في اوروبا فقد كان في اخر عشرين سنة من العصور الوسطى وقد جاء مع الجرذان القادمة من اسيا بعد ازدهار التجارة البحرية.


الارض المسطحة:

من غير الصحيح ان الناس كانوا يظنون ان الارض مسطحة فقد كانوا يدركون انها كروية، وكانوا يرون الكسوف والخسوف وظل الارض على القمر خلال الخسوف وكانوا ايضا يراقبون وصول السفن ومغادرتها.


الخزعبلات الدينية

لم يكن الناس مستسلمين للخزعبلات والاساطير الدينية بل انتشر علم اللاهوت وكانت الجامعات منتشرة وازدرهرت الفلسفة والعلوم بصورة عامة.


الكنيسة والعلوم: هل ناهضت الكنيسة مسيرة العلوم؟

هل صحيح ان الكنيسة تناهض العلم وهل حاربت الكنيسة الكاثوليكية العلم والعلماء في الماضي؟
الحقيقة هي ان الكنيسة الكاثوليكية هي اكبر مؤسسة دينية تضم بين كوادرها علماء.


ففي العام 2008 كان ميشال هيللر وهو كاهن كاثوليكي يدرس في الجامعة البابوية في بولندا الفائز بجائزة تيمبلتون وقيمتها مليون وثمانئة الف دولار لابحاثه في العلوم الكونية. واستخدم هذا الكاهن اموال الجائزة لانشاء مركز اطلق عليه مركز كوبرنيكس للابحاث العلمية.


تشير موسوعة ويكبيديا بالانجليزية الى 242 عالما من كهنة الكنيسة الكاثوليكية . وفي العام 1603 تاسس بدعم من الكنيسة ما كان يسمى معهد لينكس الذي تطور في السنوات اللاحقة ليصبح اسمه الاكاديمية البابوية للعلوم
وهي المؤسسة البابوية التي تضم علماء الكنيسة في مختلف التخصصات.


كما ان من اكبر المراصد الفلكية في العالم المرصد الفاتيكاني ويتبع له اكبر تلسكوب في العالم وهو موجود حاليا في جامعة اريزونا الاميركية وهو يرصد حركة الكواكب والاجرام السماوية. وفي العصور الوسطى وبدايات عصر النهضة كان لدى اليسوعيين اكبر مجموعة من الفلكيين والعلماء في روما.


كما ان كثيرا من العلماء على مر العصور حصلوا على منح مالية من الكنيسة لاجراء بحوثهم. وعندما نشر نيقولا كوبرنيكس عمله الكبير ثورة الكرات السماوية اهداه الى البابا بولص الثالث الذي كان مؤمنا بكروية الارض ومركزية الشمس . بالاضافة الى ان الكثير من الاكتشافات العلمية تمت بدعم من الكنيسة او قام بها منتمون للكنيسة.


لقد كان اكبر حدث علمي تبنته الكنيسة الكاثوليكية كان تعديل التقويم اليولياني. وقد قام به البابا العالم غريغوريوس الثالث عشر سنة 1582. من المؤكد ان الكنيسة تعترف بالعلم وسلطة العلم في المسائل الدنيوية وان كانت لا تتبنى النظريات العلمية كحقائق ثابتة لكنها لا تعارض البحث العلمي.


عبر التاريخ كان هناك علماء من الكنيسة اشتهروا بسمعتهم العلمية وتاثيرهم. منهم روبرت غروستيت +1253، والاسقف الايطالي اغناطيوس دانتي +1586، والكاهن الفرنسي جان فيلكس بيكارد + 1682، والراهب الاوغسطيني غريغور مندل +1884، والالكاهن اللعازاري فرنسي ارماند ديفيد +1900، والكاهن الاميركي اليسوعي جوليوس نيولاند +1936.
في العصور القديمة ظهر علماء من الكنيسة من بينهم القديس بيد + 735 والبابا سلفستر الثاني +1003، البابا يوحنا 21 +127، والقديس البرتو ماغنوس +1280 وروجر بيكون +1294. وغيرهم كثير.


محاكم التفتيش: ماذا فعلت ولماذا؟

هي مسالة بالنسبة لغير الكاثوليكي فضيحة، وللكاثوليكي احراج، ولكليهما غموض.
هناك نوعان من محاكم التفتيش:


الاولى كانت في العام 1184 لمواجهة هرطقة ما يسمى الكاثارية وانتهت بانتهائهم وهي هرطقة انتشرت من جنوبي فرنسا ويؤمن اتباعها بفكرة التطهر ويعتقدون انهم اطهر من بقية المؤمنين من خلال طقوسهم المتشددة. وكانت هناك ايضا محاكم التفتيش الرومانية التابعة لروما وكانت الاكثر رافة والاقل نشاطا.


اما في اسبانيا فكانت هناك محاكم التفتيش سيئة السمعة وقد اشتهرت اواخر القرن الخامس عشر بدءً من العام 1478.
كيف اكتسبت محاكم التفتيش سمعتها السيئة عند المزاج الشعبي؟


ربما كان للبروتستانتت دور في ترويج السمعة السيئة لمحاكم التفتيش، فهي تتهم بانها كانت تفتش في ضمائر الناس وتجبرهم على اعتناق العقيدة الكاثوليكية . كما تتهم بانها كانت تحرق المعارضين للكنيسة وهم احياء وتنكل بكل المعارضين .


السمعة السيئة لمحاكم التفتيش نشات ايضا من كتابين وضعهما اثنان من المعادين للكنيسة الكاثوليكية . معظم نصوص الكتابين تهاجم الكنيسة اكثر مما تتحدث عن تلك المحاكم. اما الذين دافعوا عن الكنيسة ردا على الكتابين فقد حاولوا تبييض صفحة المحاكم.


وكلا الطرفين خدما مصالحهما الخاصة اكثر من خدمتهما للحقيقة. والحقيقة ان محاكم التفتيش كانت تعمل لحماية العقيدة خصوصا بعد استرجاع اسبانيا من المسلمين. وكانت تختبر اليهود والمسلمين الذين ادعوا تحولهم الى المسيحية لاهداف سياسية اومكاسب اجتماعية وكذلك كانت تحقق مع الذين يتهمون بالهرطقة.


يجب التذكير بانه ليس كل العاملين في الكنيسة قديسين بل يجب معرفة الحقائق وفقا لازمانها. ويعتقد اعداء الكنيسة ان الذين قتلوا جراء محاكم التفتيش كانوا اكثر من الذين قتلوا فلي الحروب او الطاعون. لكنهم في الواقع يعتمدون احصاءات مزيفة وضعها اعداء الكنيسة المزايدين الذين سعوا الى تضخيم الارقام.


وان كان الرقم الحقيقي لا يمكن معرفته الا انه يمكن التاكيد ان الارقام المتداولة مضخمة جدا. فالارقام الحقيقية لا تتجاوز بضعة الاف خلال بضعة قرون في اسبانيا .


قصة غاليليو: ومع ذلك فانها تدور!

الاعتقاد السائد او الكذبة الرائجة هي ان الكنيسة الكاثوليكية اضطهدت غاليليو لانه انكر فكرة ان الارض هي مركز الكون محبذا عليها بعد اكتشافاته العلمية وابحاثه ان الشمس هي مركز الكون.


مرة اخرى، قصة غاليليو بالنسبة لغير الكاثوليكي هي برهان على ان الكنيسة تبغض العلم وترفض التخلي عن التعاليم القديمة وانها غير معصومة، وبالنسبة للكاثوليكي فهي قصة محرجة، لكن الحقيقة غير ذلك.


عندما انكر غاليليو فكرة مركزية الارض، كانت الفكرة هي السائدة بين معظم علماء عصره والفكرة كانت منتشرة منذ عصر ارسطو. وقد طرح غاليليو فكرة مركزية الشمس لكنه لم يتمكن من البرهان عليها ذلك بان الادوات المتوفرة في عصره لم تكن لتساعد على ذلك فلم يتمكن من اقناع علماء عصره ولا اقناع المحكمة.


اثبات صحة نظرية غاليليو تستوجب ان النجوم تغير مواقعها لكن هذا الامر لم يكن من السهل التثبت منه فكان يصعب التصديق ان الارض تدور بل ان الشمس والكواكب هي التي تدور.


وقد بدات مشكلة غاليليو عندما توقف عن عرض نظريته كنظرية علمية وبدأ يؤكد انها “حقيقة راسخة” مع انه لم يملك عليها اي دليل او برهان مقنع. ولم يكن غاليليو ليتعرض لاي مشكلة لو انه ابقى نفسه في اطار العلم ولم يتطرق الى الناحية اللاهوتية. ورغم تحذيرات اصدقائه اصر على نقل الحوار الى مستوى لاهوتي .


في عام 1614 اجبر غاليليو على الاقرار بان هذا العلم الجديد ينافي ما هو معلوم من الدين بالضرورة. وعندما قابل غاليليو البابا عام 1616احيلت قضيته الى المجلس البابوي او مجمع العقيدة والايمان الذي ادانه على فكرة ان الشمس هي مركز الكون.


كان الحكم على غاليليو ان يتوقف عن الدفاع عن نظريته وليس التوقف عن الايمان بها وسمح له ان يكتب عنها عام 1623 بهدف الوصول الى برهان علمي لا ان يدافع عنها وكانها حقيقة مطلقة. وقد استوعب غاليليو حجة البابا فوضعها على لسان احد شخصيات كتابه: حوار بين عالمين. وفي ذلك النص استهزأ غاليليو بالبابا وكان لذلك تداعيات كارثية، وكانت تلك المحاكمة الاخيرة.


الذين عاصروا غاليليو اكدوا انه لم يتعرض للتعذيب وكان سجنه في بيته مع بعض الخدم. وكانت عبارته عند النطق بالحكم ضده: ومع ذلك فانها تدور. وهذه هي الفكرة التي التقطها اعداء لكنيسة ليروجوا بانها حاكمت غاليليو لانه قال بدوران الارض حول الشمس.


الحجة التي رفضها علماء عصره قبل رفض الكنيسة هي قوله وتمسكه بذلك وهي ان الشمس هي مركز الكون كله وليس فقط مركز النظام الشمسي وهذا خطا كان سيورط الكنيسة لو قبلت به على علاته.


اما التناقض الظاهري بين فكرة غاليليو والكتاب المقدس فهو الذي تسبب في المشكلة اساسا. ففي سفر الجامعة1:5
والشمس تشرق والشمس تغرب ثم تسرع الى مكانها ومنه تطلع.


جيوردانو برونو: شهيد ام كافر؟

الكذبة الرائجة هي ان محاكم التفتيش حكمت عليه بالحرق حيا لانه قال بدوران الارض حول الشمس، وتتخذه كثير من المنظمات السرية بطلا لها بل ان البعض يصفه بانه العالم المضطهد الذي اعدمته الكنيسة ظلما.


انتسب برونو المولود عام 1548 الى رهبانية الدومنيكان في العام 1565 لكنه طرد منها بسبب افكاره التي اعتبرت غير لائقة، فما هي افكاره؟


لقد رفض الوهية المسيح في سن مبكرة واخفى ذلك، وكون لنفسه خليطا من المعتقدات الغريبة كما ان اعماله العلمية ركزت مثلما غاليليو بعده على مركزية الشمس وليس الارض مخالفا بذلك الراي السائد الذي كان يؤمن بمركزية الارض .
لكن هذه الفكرة لم تكن السبب في تحويله الى محاكم التفتيش واعدامه.


كانت فكرته الغريبة تقول بان الله خلق اكوانا عديدة وما زال يخلق مثلها وان الله هو الذي يحتاج هذه الاكوان فيخلقها وهي ليست بحاجة اليه.


ما الذي اغضب الكنيسة

تحدث برونو عن عدة انظمة شمسية ولكل نظام شمسه التي تدور حولها الكواكب. وقال ايضا بوجود بشر اخرين على الكواكب الاخرى مؤكدا وجود عوالم غير محدودة. لقد تخيل برونو وجود عدد غير محدود من الكرات الارضية في كل منها جنة عدن وادم وحواء، نصفهم لم يأكل من الشجرة المحرمة ولم يسقط في الخطيئة.


وتبعا لذلك فان تلك العوالم تحتاج الى اكثر من عملية صلب وفداء. فاما ان يكون هناك مسيح واحد يدور على كل تلك العوالم او ان الله اوجد اكثر من مسيح واحد لكل منها .


الخيار الاول يحتاج الى وقت طويل جدا فهو غير ممكن ولذا فالاوجب ان يكون الله احتاج الى مسحاء كثيرين لتخليص نفوس هؤلاء البشر. وعلى قوله هذا وجهت اليه تهمة الهرطقة والتجديف وليس على قوله بكروية الارض او دورانها حول الشمس كنا هو شائع.


لقد كان من عدالة المحكمة ان تستمر محاكمته سبع سنوات غير انه لم يتنكر لاقواله وتحول الى العناد ورفض التخلي عنها. عند ذلك ادانته المحكمة وحولته الى السلطات المدنية التي قامت باعدامه حرقا في 17 شباط 1600.


المصدر: الحوار المتمدن

الفرد عصفور

بالعربية: منصة عربية غير حكومية؛ مُتخصصة في الدراسات والأبحاث الأكاديمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى