النظريّة الفيزيائيّة للدماغ والتفكير

0

خلاصةٌ نظريّةٌ تُماثل العقل والدماغ تقول بتطابُق هذَيْن المكوّنَيْن، بمعنى أنّ آليّات عمل (عمليّات) الدماغ هي ذاتها آليّات تكوُّن الأفكار؛ وبالتالي فإنّ “الوعي – الذاتيّ” consciousness يتكوّن من خلال عمليّاتٍ بيولوجيّةٍ وفيزيائيّةٍ في الدماغ؛ بمعنىً آخر، إنّ العقل أو التفكير – بما في ذلك الوعي الذاتيّ – هو جزء مُتكامل من المكّوِّن المادّيّ للإنسان. وكلّ شروحات الوعي الذاتيّ والتفكير لا بدّ من أن ترتكز على العمليّات البيولوجيّة والفيزيائيّة للدماغ.


لقد أدّت هذه النظريّة إلى ظهور ما يُعتبر “نظريّة التفسيرات الفيزيائيّة لعمل الدماغ”، التي ترتكز على عددٍ من المفاهيم الأوّليّة التي تمّ تحديدها من قبل روّادٍ في علوم الأعصاب والمَناهج الرياضيّة للإدراك والتصوُّر الحسّي. ويشمل الإدراك في هذا الإطار العواطف والأحاسيس ومعنى الحياة المُثير للجدل. ومؤخّراً تداخلت هذه النظريّات مع التعقيدات الحاسوبيّة والذكاء الاصطناعي في نمْذَجَة التفكير.


والنظريّة المتقدّمة في هذا الإطار، صنَّفت عمليّات الدماغ في الأُطر التالية: المفاهيم المجرّدة؛ والغرائز؛ والعواطف؛ وآليّات التصرُّف والحركة. ويرى معظم علميّي هذا المجال أنّ التصرُّف الإنساني يَحدث أساساً في الدماغ، بما في ذلك السعي المُستمرّ والمباشر لتحسين المفاهيم المجرّدة والفهْم والمَعرفة.

ويلي ذلك تطويرٌ مُستمرّ لتراتبيّة الإدراك، من مرحلة المعرفة الغريزيّة إلى العواطف والأحاسيس الجماليّة، وصولاً إلى إدراك المفاهيم المجرّدة، وأخيراً تطوير النماذج التمثيليّة الغامضة داخل الدماغ نفسه لكلّ المعارف الماديّة الموجودة في البيئة المُحيطة بالدماغ.


  • التطوّر التاريخيّ لنظريّات تداخُل العقل والدماغ

بين أوّل خليّة حيّة (ظهرت على الأرجح قبل 4 بلايين سنة) والتشابُك المعقّد لما يزيد على 9 بلايين خليّة أعصاب في دماغ الإنسان (من خلال ما لا يقلّ عن مائة تريليون عصبونة تقاطُع) نشأت آليّاتُ التفكير والشعور والعواطف، بما في ذلك الحُبّ والخوف والكره والحنين، وبما في ذلك أيضاً الإبداع التطوّري والتخيّلي. وكلّ هذه الأفكار والعواطف تمرّ من خلال ما دَرَجَ العلمُ على تسميته بـ “الوعي الذاتي” الذي ما زال مجهولاً إلى درجة كبيرة في مجالات العلوم الأساسيّة والصلبة.

وعلى الرّغم من تعبير ديكارت المشهور “أنا أفكّر إذاً أنا موجود”، ما زال العلميّون يحتارون في الربط بين الحقيقة الماديّة الموجودة خارج دماغ الإنسان و”الوعي الإدراكي الذاتي” داخل الدماغ لهذه الحقيقة.

فالكثيرون من الفلاسفة يعتبرون “الإدراك” داخل الدماغ مجرّد أوهام يتصوّرها “دماغ الإنسان” ولا نستطيع ربطها فعليّاً بواقع الحقيقة الماديّة. وهذه هي إشكاليّة “التفكير” التي ما زالت مُستعصية على العِلم.


كانت هنالك محاولات عديدة للتعرّف إلى “الآليّات الماديّة” وراء التفكير والعواطف، وكيفيّة تشكّلها في دماغ الإنسان؛ ولكنّ “العِلم الإنساني” ما زال عاجزاً عن ذلك، إلى تاريخه، بخاصّة محاولة فهْم هذه العمليّات من خلال “العلوم التطبيقيّة” التي تربط بين المُختبر والتجارب التي يُمكن – ويجب – تكرارها للوصول إلى نواتج ملموسة، وبين النظريّات المجرّدة والرياضيّة التي تسعى لتطوُّر التجارب المخبريّة إلى مستوى التنظير الأعلى.

ومنذ وَضَعَ نيوتن أُسس التنظير العِلمي في الربط بين التجربة والترميز الرياضي، ظهرت ثلاثة مجالات جديدة أبعد من عِلم نيوتن: الأوّل كان في الغَوْص نحو الأصغر فالأصغر في عالَم الجُسيمات الأوليّة، ما أدّى إلى تطوير عِلم ميكانيك الكمّ.

والثاني كان في التعامُل مع آثار السرعة المتزايدة للمادّة بما يقترب من سرعة الضوء، ما أدّى إلى تطوير نظريّة النسبيّة العامّة لآينشتاين. والثالث هو الذي ما نحن بصدده هنا – والذي ما زال على “حدود العِلم” – في محاولةِ فهْمِ عمل الخلايا الحيّة وتطوُّرها وتحرُّكها، وقبل ذلك نشوء الحياة “من الكَون الجامد”.

وتتقاطع كلّ هذه المجالات الثلاثة وتتداخل مع “عِلم التفكير والوعي الذاتي”، ولكنّها لا تُسهم بالضرورة في بلْورة روابط علميّة صلبة بين العالَم الماديّ والتفكير والإدراك.


وتعتمد نظريّات المجالات “العلميّة” لعِلم نيوتن وميكانيك الكمّ والنسبيّة العامّة على بلْورة نماذج رياضيّة mathematical model، لتوصيف العوامل المؤثِّرة الأساسيّة – وإهمال العديد من العوامل ذات التأثير الضعيف جدّاً reductionism – لتفهُّم آليّات العمل في الإشكال الذي يجري درسه. لكنّ هذا الأسلوب لم يصل بعد إلى علوم الحياة، وبالطبع لا يُسهم في تفهُّم آليّات “التفكير والإدراك”.

ولم يستطع العِلم “بعد” تطبيق أسلوب اختزال العوامل ضعيفة التأثير في تحليل الأحاسيس الذاتيّة ونمْذَجَتها. والمعضلة الكبيرة إذاً هي كيف نُفسّر أنّ هناك “شعوراً” خارج قوانين الطبيعة التي نعرفها. وهذا ما دَفَع البعض للقول إنّنا بحاجة إلى مفاهيم علميّة جديدة خارج المفاهيم المعروفة للعِلم تُفسِّر “العمليّات الفيزيائيّة داخل الدماغ، وعمليّات التفكير والإحساس والوعي والإدراك”.

وهنالك مجهودات ضخمة بدأت تتراكم مؤخّراً لتفهُّم آليّات عمل الدماغ باعتماد آخر التكنولوجيّات والبرمجيّات، وبعضها وصل إلى أعماق الدماغ في الحالات النادرة لبعض مرضى الدماغ وحالات الحوادث التي أدّت الى “تدمير الدماغ أو قسم منه”.


  • بعض التصوُّر لعمل الدماغ

البعض يَصِفُ الدماغ بأنّه ليس أكثر من كيسٍ من الجسيمات تحكمها قوانين الفيزياء المعروفة، بحيث سيُصبح بالإمكان في المُستقبل – البعيد ربّما – توصيف عمل الدماغ بمُعادلاتٍ رياضيّة، كما هي الحال في المادّة الجامدة. فكلّ شيء في الكون يتمثّل في كيفيّة تحريك قوانين الطبيعة للجسيمات الأوّليّة التي تشكّل كلّ شيء في الكون، ولو بصيَغٍ مُختلفة.

البعض يركّز أكثر ليس على “تركيب الدماغ” من جسيماتٍ أوّليّة، ولكنْ على كيفيّة تصرُّف هذه الجسيمات المُتراصّة في الدماغ لتكوّن الوعي والإدراك لدى الإنسان: التفكير والعواطف والأحاسيس والذاكرة… إلخ، والتي في الواقع تُميّز الإنسان عن غيره من المخلوقات. ومن خلال هذه الآليّات الداخليّة يُسيطر الإنسان على تحرُّكه في الكَون وعلى إرادته!

وفي توضيح عمل “الوعي الذاتي” نُواجِه تحدّيَيْن اثنَيْن متمايزَيْن ولكنْ مُتداخلَيْن: هل تستطيع “المادّة في ذاتها” إحداث الأحاسيس التي تشكِّل الإدراك الواعي؟ وهل إنّ هذا الإدراك الواعي للذات، هو ليس أكثر من مجرّد تحريكٍ لآليّاتٍ معيّنة في مادّة الدماغ تحكمها قوانين الطبيعة؟


والواقع أنّ التفريق بين المادّة والتفكير، هو التمايُز الأكبر في فهْمِ عمل الدماغ؛ والسؤال كيف يُمكن تفسير تأثير الجسيمات التي تشكّل عناصر الكَون على “تجربة الوعي الذاتي والتفكير” في الدماغ؟ هل نحن نحتاج – أو نحن على أبواب – اكتشاف ثورة فكريّة جديدة تُضاهي ثورتَيْ “اكتشاف” ديناميك الكمّ والنسبيّة العامّة؟ هل تفسير آليّات التفكير داخل الدماغ هي فعليّاً أبعد من كلّ ما نعرفه من قوانين الطبيعة التي تفسّر حركة جسيمات المادّة الجامدة، وبالتالي نحن بحاجة إلى اختراقٍ كبير يوازي الاختراق الذي أحدثه ميكانيك الكمّ لفهم آليّة عمل الدماغ؟!

ربّما لم تَعُد “القوانين الفيزيائيّة المعروفة” كافية هنا، وهو ما قد يقودنا إلى مفاهيم أبعد كثيراً من مفاهيم “العِلم التقليدي الذي نعرفه”.


  • الإشكال الأصعب “في التفكير”

في الواقع يمتلك الدماغُ طَيفاً واسعاً من الإحساسات الداخليّة (العواطف، الأفكار، الذكريات، الصور، الرغبات، الشمّ، التذوّق، الأحاسيس الجسديّة… إلخ) والتي في النهاية تتأثَّر وتؤثِّر في ما نسمّيه الوعي الذاتي والإدراك.

ولكن، إلى الآن، لم يستطع الباحثون ربْط هذه الأحاسيس بعالَم الجُزيئات التي تركِّب الدماغ وقوانين الطبيعة الفيزيائيّة التي تحكمها، والتي نجح الإنسان في وضْعِ تصوّراتٍ رياضيّة لها.

والسؤال الصعب/ الإشكال الأكبر، هو كيف يُمكن لهذه الجسيمات الصمّاء الجامدة أن تطوِّر في الدماغ الأحاسيس المُختلفة، من الألوان إلى الأصوات، إلى الاستياء والتعجّب، إلى الارتباك والاندهاش؟ لم يستطع العِلم بعد ربط “قوانين الطبيعة الفيزيائيّة” التي ترتبط بـ “الخارج” بآليّات “التجربة الذاتيّة للفرد”.


  • نماذج التفكير في الدماغ

كيف يتمكّن الدماغ من إدراك “اللّون الأحمر” الذي يتشكّل من ذبذباتٍ كهرومغناطيسيّة؟ وكيف يمرّ هذا الإحساس من شبكة العَين – عبر نُظم الأعصاب والعصوبات – ليصل إلى مرحلة الإدراك في الدماغ؟ ومثل ذلك كلّ أحاسيس الإدراك المتنوّعة بشكلٍ هائل، والتي لا بدّ أن تحدث من خلال عمليّاتٍ فيزيائيّة وظيفيّة تخضع كلّها لقوانين الفيزياء في الطبيعة.

لكنّ واقع الحال إنّ مرحلة “الوعي الذاتي” هي حالة خاصّة في الدماغ لا تُماثلها أيّة حالة أخرى في الطبيعة خارج الدماغ، وهي بالتالي “نماذج فكريّة” من ضمن نظام التفكير في الدماغ؛ وهي في غالب الأحيان مبسّطة جدّاً داخل الدماغ مُقارَنةً بالواقع الفيزيائي خارجه.

ومن خلال عمليّة التبسيط التي يقوم بها الدماغ، يستطيع الدماغ أن يُبلور مُخطّطاً مبسّطاً يمثّل كلّ عامل في البيئة الطبيعيّة حوله، تعطيه ما يلزمه من “معلومات” من دون أن يَستهلك كلّ الطاقة والقدرات الأخرى داخله، وبما يسمح له بمُتابعة كلّ العمليّات الضروريّة لاستمرار حياة الدماغ وصاحبه.


  • الإرادة الحرّة Free Will

كيف تُترجَم “إرادة الإنسان الحرّة” داخل الدماغ؟ وما هي آليّة تشكّلها؟ ثمّ ما هي آليّة ترجمة هذه الإرادة إلى أفعالٍ تُنفّذها أعضاء الجسم؟ هل نحن فعلاً بـ “وعينا الذاتي” مَصدر إرادة التصرُّف الحرّ لأجسامنا؟ هنالك نظريّات متعدّدة في هذا المجال، بعضها يلغي كليّاً “الإرادة الحرّة” لمصلحة التفاعُلات الكيميائيّة والفيزيائيّة لمكوّنات الدماغ التي “تُقرِّر” هي في النهاية تبعاً لقوانين الفيزياء التي تتحكّم بالجسيمات الأوليّة في جسم الإنسان وفي “الدماغ بالذات”.

والسؤال الكبير: ما هي “الآليّة” الفعليّة التي تجعل “إرادة الإنسان” متحرّرة من القوانين التي تحكم جسيمات الدماغ؟ فقوانين نيوتن وآينشتاين ومُعادلات شرودنغر لا تترك مجالاً للإرادة الحرّة!

من الأكيد أنّ تركيبة الدماغ التي هي في غاية التعقيد – والتي ما زالت مجهولة لمُعادلات العِلم حتّى اليوم – تسمح بطَيفٍ واسع من التصرُّف الإنساني وردّات الفعل “الواعية”، بغضّ النظر عن قوانين الطبيعة التي تَحكم تركيبة الدماغ بكلّ جسيماته الأوّليّة. ما يجعل “الإنسان” يتميّز في ذلك عن الصخرة الصمّاء الجامدة. وهنا تدخل أيضاً آليّات “التعلّم والإبداع” للإنسان.


 د- حسن الشريف: باحث ومُترجِم من لبنان.


مؤسسة الفكر العربي

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.