سوق “حباشة” في مكة المكرمة: أقدم سوق تاريخي في تهامة
سلسلة: أسواق العرب في الجاهلية والإسلام
يعدّ سوق حباشة أحد الأسواق الكبرى للعرب في الجاهلية، ويقع بين حلي وقنونا على مسافة ثمانية مراحل من مكة المكرمة، ضمن ديار بارق في منطقة تهامة. وقد كان السوق نقطة التقاء مهمة للقبائل العربية، حيث يجتمعون مرة كل عام لمدة ثمانية أيام بدءا من هلال رجب، يتبادلون فيه السلع، ويقدم الشعراء عروضهم الأدبية من شعر الفخر والحماسة والمجادلة.
- أهمية سوق حباشة التجارية والتاريخية:
سوق حباشة يعتبر أقدم وأعظم أسواق منطقة تهامة، وقد شهد تجارة نبي الإسلام ﷺ قبل البعثة النبوية، حيث باع واشترى لصالح السيدة خديجة رضي الله عنها.
استمرت السوق في العمل خلال عهد الجاهلية والإسلام، مرورا بعهد الأمويين والعباسيين، إلا أن ازدهارها لم يبلغ نفس مستوى النشاط التجاري الذي حققته قبل الإسلام. وظلت قائمة حتى سنة 197 هـ، حين تم تخريبها في عهد داود بن عيسى بن موسى العباسي، بناء على نصيحة فقهاء مكة بعد صراع مع قبيلة الأزد التي كانت تسكن المنطقة.
- الأنشطة التجارية والمنتجات المعروضة:
كان سوق حباشة مركزا تجاريا محوريا في الجزيرة العربية، يجلب إليه التجار منتجاتهم من مختلف البلدان، وتشمل:
- المشروبات والخمر من هجر والعراق.
- المنسوجات الفاخرة مثل البز والبرود الموشاة من مخلاف الجند.
- المحاصيل الزراعية والحبوب والعسل والسمن من قرى بارق.
- الغالية والطيب وأدوات السلاح.
- الحرير والحذاء والمسيّر والعدني من المعادن المختلفة.
- الرقيق الناتج عن الغزو وسبايا الحروب، مثل زيد بن حارثة الذي بيع في السوق.
كما اشتهرت حباشة صناعة آنية الطعام التقليدية المعروفة باسم الصحاف البارقية، وبتجارة الملح التي كانت مشهورة محليا، حيث قال ابن رفاعة الهاشمي (ت 400 هـ):
“كمستبضع الملح إلى أهل بارق”
- أصول التسمية:
تسمية السوق الحُبَاشَة – بضم الحاء والشين المعجمة – على وزن فعاله، وقد أصَّلها اللغويون بمعنى الأرض التي تمتزج فيها ألوانها، فاللون الأسود مختلط بالصفرة فلا يميز أحدهما، ويطلق على الأرض أو القطعة غير المتناسقة.
وفي لهجات اليمن، تُستخدم كلمة الحبشي للدلالة على قطعة الأرض غير المنتظمة، ويدل اللفظ في بعض السياقات على الجماعة من الناس غير المتحدين القبليا كما أشار ياقوت الحموي.
- تعدد المواقع المسماة حباشة:
من المهم التنويه أن اسم حباشة لا يقتصر على موقع واحد، بل يشير إلى عدة أماكن في العالم العربي:
- حباشة في محافظة بارق، المملكة العربية السعودية.
- حباشة في جهة الرباط، المغرب.
- حباشة في جهة مراكش، المغرب.
- حباشة في محافظة إب، الجمهورية اليمنية.
- حباشة في مديرية السبرة، الجمهورية اليمنية.
هذا التعدد يوضح انتشار التسمية تاريخيا وجغرافيا، وما تحمله من دلالات اقتصادية واجتماعية مختلفة بحسب السياق المحلي لكل منطقة.
- الخلاصة:
سوق حباشة لم يكن مجرد سوق تجاري، بل كان ملتقى حضاري وثقافي للقبائل العربية، يجمع بين التجارة، الأنشطة الأدبية، التبادل الفكري، والصناعات التقليدية. كما أنه يعكس الارتباط بين الأسواق والمواسم الدينية مثل الحج، ويبرز دور الأسواق الموسمية في تعزيز الحياة الاقتصادية والاجتماعية في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام وبعده.






