نشرت صحيفة فايننشال داغبلاد (Financieel Dagblad) الهولندية، في الآونة الأخيرة، مقابلة مُقلقة إلى حد ما، مع عضو سابق في شبكة هوفشتاد (Hofstad)، وهي مجموعة جهادية كانت نشطة في هولندا في بدايات هذا القرن. هذا الإسلامي السابق، الذي يُدعى جيسون والترز، سبق أن ألقى قنبلة يدوية على الشرطة، في أثناء مداهمة في لاهاي عام 2004، وحُكم عليه بالسجن في عام 2006 مدة 15 عامًا، لدوره في أنشطة إرهابية.

تخلى والترز عن التطرف في السجن، من بعد دراسة العلوم الطبيعية وقراءة الفلاسفة، مثل أفلاطون. أولًا تبرأ من الأيديولوجية الجهادية، ثم تخلى عن المعتقد الإسلامي نفسه. وهو يُعدّ حاليًا بحثًا عن الشبكات الاجتماعية للجهادية، كأكاديمي في جامعة ليدن. أحد أبرز الأجزاء في المقابلة هو رأيه حول عمل زملائه الأكاديميين، إذ قال والترز: إن الدراسات والنظريات التي نشروها لأعوام عديدة، حول التطرف والسلفية، هي “هراء محض”.

بصفتي أكاديميًا، أتجنب عادةً استخدام هذا النوع من اللغة، لكني أعتقد أن والترز ليس مخطئًا. في الواقع، هناك وفرة من النظريات (المتناقضة في الغالب) حول هذا الموضوع، بين الأوساط الأكاديمية، مع القليل من الدعم التجريبي أو الصلاحية النظرية.

 المشترك بين هذه النظريات هو أنها تحاول جاهدة تجاهل الفيل في الغرفة، أي الأيديولوجية الدينية.  في غضون أعوام، دُرست كل الدوافع التي يمكن تصورها، أو الأسباب الجذرية المحتملة للتطرف (كلمة التطرف بحد ذاتها ماكرة ومراوغة)، باستثناء الدافع الذي يقول الإرهابيون أنفسهم إنه في جذر أفعالهم، ولا علاقة للدين به، وفقًا لهؤلاء الأكاديميين، ربما باستثناء ذريعة سطحية/ ظاهرية يتذرع بها الإرهابيون لإخفاء “دوافعهم الحقيقية”.

لهذه النظريات “الهراء” تاريخٌ ونسبٌ طويلان. تأمل النظرية المؤثرة (صاحبة النفوذ) في التفجير الانتحاري للعالم السياسي روبرت بيب Robert Pape. في كتابه لعام 2005 (الموت من أجل الفوز: المنطق الاستراتيجي للإرهاب الانتحاري -Dying to Win: The Strategic Logic of Suicide Terrorism)، استخدم بيب لازمة كررها عدد من المؤلفين الآخرين من بعده، وهي أن الدافع إلى التفجير الانتحاري ليس المعتقد الديني على الإطلاق. وبحسب بيب، فإن الإرهابيين يفجرون أنفسهم، لأنهم يسعون عمدًا إلى “هدف علماني واستراتيجي محدد”، وهو “إجبار الديمقراطيات الحديثة على سحب القوات العسكرية من الأراضي التي يعدّها الإرهابيون وطنهم”.

كان هذا البيان غير قابل للتصديق بالفعل في عام 2003، عندما كتب بيب هذه الكلمات في نيويورك تايمز، لكنه أصبح أقل صدقية، حيث اضطر بيب إلى توسيع وتشويه مفهوم الاحتلال العسكري الأجنبي بطريقة تجعل نظريته خالية دائمًا من الحقائق/ الوقائع. باكستان، مثلًا، التي كانت دولة مستقلة منذ نهاية الحكم البريطاني عام 1947، شهدت عشرات الهجمات الانتحارية في السنوات الأخيرة، مع أنها لم تشهد أي وجود عسكري أجنبي، وبالتأكيد، لا شيء يمكن عدّه “احتلالًا”. لكن باكستان، وفقًا لـ بيب، تخضع لشيء يسمى “الاحتلال غير المباشر”، حيث إن البلاد تتلقى مساعدات أجنبية، وبذلك فإن سياسات حكومتها تسترشد جزئيًا بمصالح الدول المانحة.

في عمله الأخير مع جيمس فيلدمان James Feldman، طرح بيب أيضًا أن باكستان “تحتل” المناطق القبلية داخل حدودها؛ ولك أن تتخيل حجم غطرسة دولة ذات سيادة حين تسيطر على أراض! وهناك اعتراضات واضحة أخرى على نظرية بيب أيضًا: كيف يمكن أن تفسّر حقيقة أن كثيرًا من الهجمات التي نفّذها المتطرفون السنّة على المساجد الشيعية، أو العكس، أو التي نفذتها جماعات من الطرفين، على الكنائس والمعابد الهندوسية، أو القتل الوحشي للمدوّنين العلمانيين، وغيرهم من الأشخاص الذي يعدونهم “متطاولين على الذات الإلهية”؟ وهل أعمال العنف تلك هي أيضًا رد على “الاحتلال”؟ في الواقع، معظم الهجمات الانتحارية في باكستان لم يرتكبها باكستانيون، بل المقاتلون الأجانب.

إن حقيقة استعداد هؤلاء الأشخاص للسفر إلى بلد أجنبي، لتفجير أنفسهم وقتل العشرات من الأشخاص، تشير بقوة إلى أن دافعهم لا علاقة له بالمسائل العرقية السياسية “الاحتلال”. ثمة تفسير آخر (أي التعصّب الديني) أكثر شحًا بكثير، لكن بيب يتجاهله.

بكلمات والترز، هناك العديد من “نظريات الهراء”، حول الجهادية والإرهاب. إنها نتيجة للتمييز والحرمان. أو أن المهاجمين هم مجرد حفنة من الأشخاص غير المستقرين عقليًا الذين يبحثون عن طريقة لتبرير ميولهم السادية الموجودة مسبقًا. أو أن الجهاديين مجرد مجرمين عاديين، يختبئون وراء قشرة من التدين، بقصد القتل والتدمير. إذا سُمح للأيديولوجيا بالظهور في هذه النظريات، فهي كذلك يُنظر إليها على أنها ذريعة واهية على الأكثر.

وفقًا لعالم الأنثروبولوجيا سكوت أتران Scott Atran، فإن الجهاديين يرتكبون هجمات انتحارية، لأنهم يتبعون “قضية مثيرة”، ويتوقون إلى “المجد والاعتراف”، وهو ما ينطبق على كثير من الشباب، على الرغم من أن معظمهم متعلقون بلعب كرة القدم. يرى العالم السياسي ريك كولسايت Rik Coolsaet أن السبب الجذري للإرهاب الجهادي هو الشعور بـ “عدم الانتماء”؛ الجهاديون في الواقع “لم يقرؤوا” القرآن، و”الدين أو السياسة ليس لها علاقة تذكر به”. (لاحظ أن رفض كولسايت للسياسة يتعارض أيضًا مع نظرية بيب).

في العام الماضي، نشر عالم الأنثروبولوجيا البريطاني هارفي وايتهاوس Harvey Whitehouse مقالًا موجهًا، في المجلة الرائدة Behavioral and Brain Sciences، حيث جادل، مثل كثيرين من قبله، بأن الدافع إلى الهجمات الانتحارية ليس الدين أو الأيديولوجيا. وفق تفسير وايتهاوس، السبب الرئيس للإرهاب الانتحاري هو عملية “اندماج الهوية”، العملية التي تحدُث عندما تمرّ مجموعة من الناس بمحنة صادمة مع الآخرين، وغالبًا في سياق طقسي. مثال نموذجي على هذه التضحية الذاتية المتطرفة هو أن الجندي يقفز فوق قنبلة يدوية لحماية رفاقه، نتيجة ارتباطه معهم بقوة، من خلال تمارين شاقة وخبرة قتالية سابقة.

ولكن ماذا عن العمليات الانتحارية الجماعية، مثل أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، حيث كان الغرض الصريح من المهمة هو هلاك المجموعة بأكملها؟ هناك مشكلة أخرى في نظرية وايتهاوس، عكس النظرية الأولى إلى حد ما، وهي أن كثيرًا من الإرهابيين الذين ارتكبوا هجمات جهادية وحيدة، في الأعوام الأخيرة، قد تحولوا نحو التطرف في بيوتهم أمام أجهزة حواسيبهم، من خلال مشاهدة أو الاستماع إلى خِطاب الكراهية والمواد الأخرى عبر الإنترنت. على الرغم من أن هذه “الذئاب الوحيدة” تُقسم بالولاء لتنظيم الدولة الإسلامية أو القاعدة، في رسالة فيديو قبل أن يشنوا هجماتهم، لم يكن لديهم، في كثير من الحالات، اتصال مباشر مع أي شخص من الشبكة الإرهابية، فضلًا عن خضوعهم لطقوس أولية مؤلمة. فكيف تمكن هؤلاء الناس من اختبار وعيش الصدمة الجماعية اللازمة لعملية وايتهاوس عن اندماج الهوية؟

الآن، لا أريد أن أدّعي أن هذه النظريات لا قيمة لها تمامًا. من المعقول أن يؤدي “اندماج الهوية” إلى مزيد من استعداد المرء للتضحية بنفسه، ومن المؤكد أن التطرف غالبًا ما يغذي مشاعر التمييز والمظالم الأخرى. ولكن من جديد، تبدأ هذه العوامل اكتساب معنى لها في حالة واحدة: عندما يُنظر إليها من منظور الرؤية الكونية الدينية المانوية Manichean، حيث ينقسم العالم إلى “المؤمنين الحقيقيين” ومجموعة متنوعة من “الأعداء” (الكفار، المرتدين، الخونة). ما العامل الذي يربط الإرهابيين الشباب المولودين في أوروبا بزملائهم المقاتلين في البلدان الأخرى الذين يتحدثون لغات مختلفة ويأتون من خلفية ثقافية مختلفة؟ لماذا يعتقد العديد من الأصوليين الدينيين بوجود أنواع مختلفة من نظريات المؤامرة التي يكون فيها الإسلام مستهدفًا، ويصبحون مقتنعين بشدة بأن الغرب مصمم على تدمير دينهم؟ ومع ذلك، يحاول كثير من الباحثين جاهدين تجاهل البعد الأيديولوجي لهذه الإجراءات أو التقليل منه.

الشخص الذي نصب نفسه “خليفة” على “الدولة الإسلامية” حاصل على درجة الدكتوراه في فلسفة (PhD) الدراسات القرآنية، وقد كتب منظّروهم، مثل المقدسي والظواهري والمهاجر، عددًا لا يُحصى من المنشورات اللاهوتية، عن الجهادية، وعن جوّ من الحماسة الدينية ينبعث في النفس فجأة، في كل رسالة مصورة (فيديو)، وفي كل صفحة من مجلة (دابق) للدولة الإسلامية، ومع ذلك، ما يزال علماؤنا الغربيون يرون أنهم يعرفون أفضل!

غالبًا ما استشهد هؤلاء الباحثون بحكاية معينة: حالة اثنين من المقاتلين البريطانيين الذين اشتروا نسخة من “القرآن لغير المسلمين The Koran for Dummies” من الأمازون، قبل السفر إلى سورية. وكما ترون، هذا يثبت أنهم (وبصورة أوسع، كل من غادر للانضمام إلى الدولة الإسلامية أو فكر في ارتكاب هجوم إرهابي في الوطن) لم يكن يعرف شيئًا عن الإسلام! في أي نقاش آخر، سوف يكون مثل هذا المنطق سخيفًا جدًا، ولكن يبدو أن بعض الأكاديميين والنقاد يعتقدون أنه “دليل قاطع”، يبطل جميع الأدلة الأخرى عن تدين الإرهابيين. السؤال الواضح، بالطبع، هو لماذا شعر هؤلاء الرجال بأن صقل معرفتهم بالقرآن، قبل السفر إلى سورية، قد يكون مفيدًا، بدلًا من صقل معرفتهم، على سبيل المثال، بـ “العربية للمبتدئين”، أو تعلّم دليل المستخدم للبارودة الروسية (الكلاشينكوف AK -47).

لا تتجاهل الجهود المضنية التي بذلها هؤلاء الأكاديميون “الفيل الموجود في الغرفة” فحسب؛ لكنها تعرقل البحث عن حل. في المجلد الذي حُرّر حديثًا، بعنوان (التطرف “التحول نحو التطرف” Radicalization: ظاهرة هامشية أم مرآة للمجتمع؟)، نشرته مطبعة جامعة لوفان (بلجيكا)، ينتقد فيه المؤلفون صانعي السياسات الذين بدؤوا إيلاء مزيد من الاهتمام للبعد الأيديولوجي للإرهاب.

بالطبع، هذا أمر يمكن تفهمه من وجهة نظر صانعي السياسة، لأن الهدف الكلي لبرامج التطرف هو تفكيك الأيديولوجية المتطرفة التي ترسخت في أذهان الجهاديين. لدى صانعي السياسة عقلية أكثر عملية من الأكاديميين: فهم يريدون منع الهجمات الإرهابية. لكن مؤلفيّ مجلد/ كتاب التطرف Radicalization يدينون هذه المقاربة بكونها “اختزالية/ تبسيطية” و “وجودية/ ماهوية” و “أحادية البعد”، وبعض الأخطاء الأكاديمية الأساسية الأخرى.

في الواقع، هم يكتشفون أن مفهوم التطرف برمته “إشكالي” في حد ذاته. والسبب في ذلك واضح: من الصعب التحدث عن التطرف، من دون السؤال: إلامَ يتطرف هؤلاء الناس؟ وهذا هو بالضبط السؤال الذي يريد هؤلاء المؤلفون تجنبه، لأنه “يصِم/ يشوه سمعة” جميع المسلمين. يقول ريك كولسايت، الذي كتب مقدمة الكتاب: إن مجرد نطق كلمة “إسلامي”، في سياق كلمة “الإرهاب”، هو أمرٌ “مهين”. حتى عندما يحيق بهم التعصب الديني، كما في الفصل الذي يقوم فيه المؤلفون بتحليل محتوى مجلة دابق Dabiq، إذ يستنتجون أن الدين، بأخذ كل شيء في الحسبان، بالكاد يلعب دورًا هنا.

لماذا يجد بعض الأكاديميين صعوبة كبيرة في التعامل مع الدوافع الدينية على محمل الجد؟ كثير من الناس، ومنهم جاسون والترز، يشيرون إلى الصواب السياسي حول الإسلام. معظم الأكاديميين، وخاصة في العلوم الإنسانية، لديهم توجه يساري تقدمي. بالنسبة إليهم، الإسلام هو دين أقلية مضطهَدة من غير البيض، وانتقاد الأخير (الإسلام) مشكوك فيه. إن لوم الإسلام على العنف والكراهية شيءٌ يجب تجنبه بأي ثمن. يرى العديد من الأكاديميين في العلوم الإنسانية أن من واجبهم موازنة التحول إلى اليمين في السياسة والرأي العام.

إذا كانت الأقليات تتعرض للوصم وتشويه السمعة؛ فإن على الأكاديميين أن يتراجعوا. وإذا بدأ بعض السياسيين الحديث عن “الإرهاب الإسلامي”؛ فإن على الأكاديميين أن يكونوا ثقلًا موازنًا. وإضافة إلى ذلك، أدى التخصص الأكاديمي إلى تكوين جيوب أيديولوجية، حيث وضع فيها الباحثون قواعدهم الخاصة، وانتهى بهم الأمر في نهاية المطاف إلى التحدث مع زملاء متماثلي التفكير والعقلية.

ومع ذلك، لا أعتقد أن هذا التفسير كافٍ، لأن العديد من القادة السياسيين أنفسهم -مثل باراك أوباما وهيلاري كلينتون- واجهوا صعوبة في أخذ الدوافع الدينية للإرهابيين على محمل الجد (في الواقع، ربما ساهم هذا في فوز دونالد ترامب غير المتوقع). لذلك أود أن أقترح فرضية أخرى: نشأ معظم الأكاديميين في بيئة علمانية تمامًا، حيث لم يكن للدين أي دور على الإطلاق، أو لم يكن له دور مهم جدًا.

وإذا كانوا على معرفةٍ بالله، بأي حال، فقد كانت تلك المعرفة حساسة سبق أن مرّت بـ “غسالة التنوير” -كما سماها السياسي الهولندي بيم فورتوين Pim Fortuyn- حيث لم يكن فيها الله أكثر من تجريد غير شخصي، أو استعارة لخير البشرية. كان الإيمان الديني في المقام الأول علاقة حميمة وشخصية، منفصلة تمامًا عن السياسة. وبسبب لامبالاتهم تجاه الإيمان الديني؛ يواجه هؤلاء الغربيون الملحدون صعوبة كبيرة في تخيّل ما يعنيه الإيمان بإلهٍ شخصي ملموس، ونوع الإله/ الألوهية الذي كشف عن نفسه في كتاب مقدس معصوم، والذي يطالب المؤمنين بأفعال ملموسة تجاهه والتزام به، تحت تهديد آلام الجحيم الأبدي.

لم يقتصر الأمر على أنهم لم يكونوا يؤمنون بمثل هذا الله، بل لم يكن بإمكانهم تخيّل أن هناك من يؤمن حقًا بإلهٍ واحد، فضلًا عن أن حياتهم يمكن أن تدور حول هذا الإيمان. هذه الظاهرة، التي أسميتها سابقًا “الكفر بالإيمان“، قوية جدًا، ولا سيّما عندما يتعلق الأمر بالأصولية الإسلامية، مع أوهامها الغريبة عن نهاية الزمان End Times [الفترة الزمنية الموضحة في الإيمان بالآخرة من الديانات العالمية المهيمنة وكل من الديانات الإبراهيمية وغير الإبراهيمية] الوشيكة وجنة السعادة مع 72 حورية عذراء. بالنسبة إلى هؤلاء “الكافرين بالإيمان”، من المغري البحث عن دوافع أخرى وراء العنف الديني، تكون أكثر منطقية من منظور علماني، مثل الإحباط من الإقصاء والتمييز، أو النضال من أجل طرد المحتل الأجنبي. أعترفُ بأنني شعرت بخوفٍ ما، عندما جلست لكتابة تعليق نقدي لعلوم السلوك والعقل حول نظرية هارفي وايتهاوس.

من الغريب أن تكتب عن “دماء الشهداء” و “أبواب الجنة”، في مجلة أكاديمية جادة. يبدو كل هذا سخيفًا وغريبًا لدرجة أنك تتساءل: هل ثمة من يصدّق هذه الأمور حقًا؟ في الواقع، جعل هارفي وايتهاوس عدم كفره بالإيمان صريحًا تمامًا، في المقابلة الأخيرة. إن الأطروحة حول التضحية بالذات المتطرفة -بالنسبة إليه- هي جزء لا يتجزأ من تعامله الأوسع مع الدين. الدين ليس بصدد “مجموعة من الافتراضات” أو “الفهم العقلاني للطبيعة” على الإطلاق، بل هو “بناء التماسك” في مجموعة اجتماعية. لكل هذه الأسباب، يكره وايتهاوس “الملحدين الجدد”، مثل ريتشارد داوكينز Richard Dawkins الذي “يسيء إلى الناس من خلال مهاجمة هوياتهم”.

شهد الشهر الماضي نشر كتابين في هولندا، يتحديان الاتجاه الأكاديمي السائد مباشرة: (النزعة الإرهابية ضد حرية التعبير) لفيلسوف القانون بول كليتيور Paul Cliteur، و(انحطاط دار الإسلام) لعالم الاجتماع رود كوبمانس Ruud Koopmans (الذي سيترجم قريبًا إلى الإنكليزية). ليس مصادفةً أن كلا المؤلفين مثيرٌ للجدل إلى حد كبير في مجاليهما. حتى إن طلّاب كوبمانس استدعوه وادّعوا أن عمله قد يغذي “العنصرية المعادية للمسلمين”، وهو اقتراح سخيف يوضح كيف أصبح المناخ الصحيح في الأوساط الأكاديمية خانقًا من الناحية السياسية.

يركز كليتور على العنف الجهادي ضد أعداء الإسلام المتخيلين، مثل رسّامي الكاريكاتير والمتطاولين على “الذات الإلهية”، في حين يحلل كوبمانس المدى الذي تُعد فيه الأصولية السبب الجذري للامتعاض العميق في العالم الإسلامي اليوم. يشترك هذان المؤلفان في أنهما على استعداد للاستماع لما يقوله لنا الأصوليون، وفي أنهما متحرران من أي كفر/ عدم تصديق بالإيمان.

ربما لم يكن من قبيل المصادفة أن كوبمانس، كما يشير هو نفسه، نشأ في مجتمع أصولي معمودي Pentecostal [المعمودية/ الخمسينية هي حركة دينية بروتستانتية ظهرت في الولايات المتحدة الأميركية في أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وتتميز هذه الحركة بالإيمان بأن جميع المسيحيين بحاجة إلى أن يعيشوا اختبارًا فريدًا لكي يكونوا مسيحيين فعلًا]. تمامًا مثل جاسون والترز، الذي أدار ظهره لشبكة هوفشتاد Hofstad، ويعرفُ من التجربة المباشرة ما يعنيه الاعتقاد بأن نهاية العالم ستقع علينا قريبًا، وأن هذه الحياة الأرضية ليست سوى مسكن مؤقت غير مهم، مقابل الحياة الأبدية التي تنتظرنا.

معظم الأكاديميين، الذين نشؤوا في عائلات ملحدة أو في عائلات مسيحيّة بالاسم، ليس لديهم أدنى فكرة عن هذا النوع من الأمور. وبالنسبة إليهم، لقد حان الوقت للتخلص من عدم إيمانهم/ كفرهم بالإيمان، والبدء بنظرة كونية مستقبلية تجاه المتعصّبين الدينيين بصورة جدية.

اسم المقالة الأصليDisbelief About Belief
الكاتب*مأرتين بودري، Maarten Boudry
مكان النشر وتاريخهNew English Review، أيار/ مايو 2019
رابط المقالةhttps://bit.ly/30mcSWr
عدد الكلمات2271
ترجمةقسم الترجمة/ أحمد عيشة

*- مارتن بودري: فيلسوف في العلوم وزميل ما بعد الدكتوراه في الصندوق الفلمنكي للبحث العلمي (FWO) بجامعة خنت. آخر مؤلفاته هو هل العلم لا محدود؟ حول تحديات العلمانية، شارك في تحريره مع ماسيمو بيجليوتشي. تشمل اهتماماته البحثية اللاعقلانية البشرية، والتطور الثقافي، والعلم الكاذب، والمعتقدات الخارقة للطبيعة. نشر أكثر من 35 بحثًا في المجلات الأكاديمية، والعديد من الكتب الشعبية باللغة الهولندية حول التفكير النقدي واللاعقلانية.