منبرُنا

السّم في الاسم 

 

 

   مع بداية الألفية الثالثة تكرّسَ الاعتماد على وسائل الاتصال الحديثة، طبعاً ظهرت للوجود قبل ذلك بعقد أو أكثر، لكن شاع استخدامها في معظم بلاد العالم بعد عام ألفين، و الهاتف الخليوي الذي يمكن اختصار وسائل الاتصال الحديثة فيه، أنتج ما ندعوه اليوم “وسائل التواصل الاجتماعي”.

   التسمية صحيحة من حيث الوظيفة التي يقوم بها هذا المارد الصغير، فقد جمع عدة أجهزة و وظائف في جهاز واحد تحمله معك أينما ذهبت و كنت، لدرجة أنني سألت بياع الهواتف الذكية: ألا يوجد لديك جهاز فيه قداحة لإشعال السجائر؟ ضحك و قال لي لمّا يخترعونه بعد، لكن أخي قال لي لقد اخترعوا قداحات تعمل على الشحن الكهربائي في اليابان و قد يدمجوها مع الهاتف المحمول قريباً.

   وسائل التواصل الاجتماعي تسمية براقة تخفي وراءها الضد و السُمّ، فهذا الجهاز الخليوي – الذي يمثل مصطلح وسائل التواصل الاجتماعي – أغنانا عن حمل الكاميرا و الراديو و التلفزيون، و أعفانا من الذهاب إلى مركز الهاتف و البرق و البريد، و أستعضنا عن ألبوم الصور و معاناة التوجه إلى مخابر طبعها و تحميضها و شراء الأفلام و الفيديو كاسيت و الفلاش و الضوء الكشاف، كما تخلينا عن حمل الساعة و الآلة الحاسبة و الخرائط و البوصلة و المال الكاش، و حتى الزيبقلية لا داعي لها مع وجود المارد الرقمي الحديث الذي لا نعرف ماذا سيحمل لنا في الغد، الله يسترنا من بلاويه و يحفظنا كبشر من سلالة آدم و حواء، و ليس أرقاماً في عالم الأرقام.

   كنا نستيقظ صباحاً على صوت فيروز مع برنامج “مرحبا يا صباح” من إذاعة دمشق، و ننام مع برنامج “غداً نلتقي” من التلفزيون العربي السوري، نخرج إلى الشوارع، نلتقي مع بشر مثلنا يبادلونا أطراف الحديث، في المقهى في الشوارع و في الباص و السرفيس… صرنا نستيقظ على صوت الموبايل و ننام على صوته و صوره و عوالمه، لا أحد يقول للثاني صباح الخير، و لا أحد يحدث الآخر في أي شأن، الكل منكبٌ على جهازه يحملق في شاشته و يضع السماعات في أذنيه، يضحك يبكي يغضب يقهقه يتحدث ينقر على الشاشة و يحرك أصابعه و يبصم كأنه يجري معاملة حصر إرث، تراه مشغول طوال الوقت مع هذا الجهاز في كل مكان – بعضهم يصحبه معه إلى المرحاض – و قد لا يكفيه موبايل واحد فيحمل اثنين ثلاثة إلى ما استطاع إليه زهواً و خيلاء…

   حتى على مستوى الأسرة الواحدة، لا أحد يحكي مع الآخر بالفم، يرسل له رسالة صوتية أو كتابية على موبايله رغم أنه لا يبعد عنه سوى مترين، أبعدَ هذا كله يقولون لنا هذه أجلى صور التواصل الاجتماعي!.

   يا ترى هل تكون إجراءات اليوم التي خرجت علينا بمصطلح “التباعد الاجتماعي” مكملة لعملية دس السم في الاسم، أم ستجعل الإنسان يدرك حجم خطأه يوم سلّمَ قياده لذلك الجهاز الصغير الآسر، فيثور عليه و يطرحه أرضاً و يبتسم في وجه أخيه الإنسان، يصافحه بحرارة كما في الأمس، و قد يقبّله، و يقول له: صباح الخير؟.


  جهاد الدين رمضان

  فيينا ٤ نيسان/أبريل ٢٠٢٠

*الخاطرة من وحي العزل المنزلي بسبب وباء “كورونا”.

 

جهاد الدين رمضان

جهاد الدين رمضان، محامٍ وكاتب مستقل من سوريا. مُقيم في النمسا حالياً بصفة لاجئ. أكتب القصة القصيرة والمقال ومُجمل فنون أدب المدونات والمذكرات والموروث الشعبي. نشرتُ بعض أعمالي في عدد من المواقع ومنصات النشر الإلكتروني والصحف والمجلات الثقافية العربية. لاقت معظمُها استحسانَ القراء و لفتت انتباه بعض النقاد لما تتسم به من بساطة في السرد الشيق الظريف و أسلوب ساخر لطيف؛ مع وضوح الفكرة وتماسك اللغة وسلامتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى