الفن العربي.. تاريخ لم يُحرّر بعد!

 

لماذا لم يتسنّ للعرب كتابة تاريخهم الفنّي حتى اليوم، ما خلا شذرات، نعثر عليها مشظّاة، مجتزأة هنا وهناك، وما كتبه النقد باللغة الأم أشد بلاءً من استشراق اللغات الحية المعرفية الرديفة؟ لأن العديد من مشاهير النقد العربي (الدكاترة) من ثروت عكاشة إلى عفيف البهنسي ينقلون نصوص هؤلاء المستشرقين بنوع من اللصق والكولاج السهل دون أدنى مراجعة بدليل تناقض أحكام هذه النصوص المختلسة وتضارب آرائها.
وليس من باب الحياد أن أختار اسمين أقاما الدنيا وأقعداها بسلطتهما الأكاديمية التي تعتمد على التهجين وجمع ما لا يُقبل الجمع، وهبط مؤخرًا على صحافتنا كتاب لناقد مرموق مثلهما يعالج بدايات الفن العربي، مختارًا لغلافه صورة استشراقية لفنان إنكليزي! اللوحة تؤكد أنه لا يوجد فنّ عربي وإنما هناك وجهة نظر غربية تعالج عروبة اللوحة! علينا الاعتراف بأن الفن العربي: تاريخ لم يُحرّر بعد، ولو بطريقة سردية.
أخصّ هجائي بمؤرخي الفن وبعضهم تربطني بهم علاقة التلميذ بالأستاذ، ورغم ما خلفه تعليمهم من تشويش منهجي.
لو راجعنا مكتبة تاريخ الفن العربي اليوم لعثرنا على مؤلفات كاملة تأسيسية مثل كتاب عالم الجمال والمؤرخ “بابادوبولوس”، مترجم بركاكة اُستبدل فيه اسم صاحبه باسم أستاذ دكتور جامعي بديل! واستبدلت بالتالي أبرز دار نشر فنية “مازينود” بدار بديلة، دون أدنى تأنيب للضمير المهني أو الأكاديمي لأن حقوق التأليف والنشر لم يصل التزامها بعد إلى اتحادات كتابنا ومؤلفيها ومؤسساتنا الجامعية. بالمقابل فإن الثقافة العربية الراهنة تملك مختصين بالتاريخ الحضاري العام مرموقين (خاصة في العراق). لعلّه ميراث عصر التنوير (النهضة) المرتبط بثراء الترجمة، وهنا نمسك بجوهر المشكلة.

دعوني استدرك بادئ ذي بدء كيف أن عصور التنوير أو النهضة الثقافية العربية ابتدأت من تحويل الوالي محمد علي لمطابع بونابرت التي خلفتها حملته إلى مطابع ترجمات من الفرنسية إلى العربية خاصة في ميادين العلوم الوضعية.

 راغب عياد 1920- اللوحة العربية الأولى 

إن أبرز ما يميّز عصر الانفتاح على النموذج الغربي هذا، هو عدم الخشية من ثقافة الآخر، حتى ولو كان يشوبها شيء من الاستعلاء. فتمثال شامبليون، عالم الألسنية والكتابة المرافق لبونابرت، فكّ لأول مرة الأبجدية الهيروغليفية. يبدو في التمثال يرمي تحت قدميه توت عنخ آمون. مع ذلك فقد خدم الثقافة العربية المصرية أكثر من امتداد روح الخمول العثماني.

أنا لا أدعو فقط إلى الانفتاح على الترجمة (هو سرّ تقدم العهد الأموي بفضل الترجمات السوريانية وسرّ تقدم عصر التنوير المذكور)، إنما أدعو أيضًا إلى تدرب الباحثين على الكتابة بإحدى اللغات الحية (الفرنسية في الحالة الفرانكفونية، أو الإنكليزية في الحالة الأنكلوفونية، أو الألمانية وسواها)، أما اللغة العربية وما تمثله من ثقافة يومية راسخة فلا خوف عليها من الاندثار أو الضمور (كما يشيع الأصوليون)، فهي الغذاء التراثي اليومي المتمثل في البيئة المعاشة في المدينة، من عمارة إلى شعر (ديوان العرب) إلى سلطة “المجاز” في النصوص القدسية.

إن أبرز أخطاء المبدعين لدينا أنهم يجزئون تاريخ الفن بطريقة انفصامية. فدراسات أبرز خطاطينا المثقفين والموهوبين تؤكد عموديًا على دور أقلام الخط متجاهلين علاقة هذا النشاط المتفوق بالحليات والمخطوطات والتّصاوير والعمارة والنّسخ، وصناعة (كاغد) الورق (منذ وصوله من الصين عام 750 مـ). إن توليف فناننا الشعراني مع مختبر (الأوبتيك – سينيتيك) يطرح سؤالًا جوهريًا جديًا حول وحدة الفنون الحرفية والنخبوية في التراث العربي – الإسلامي، وأشرت قبل فترة إلى تبادل التأثير المعاصر بين مدرسة الباوهاوس والعمارة الإسلامية بمثالها مأذنة سامراء الحلزونية.

يبتدئ نقادنا بجزّ تاريخ الحداثة والمعاصرة الغربي عن التراث التشكيلي العربي – الإسلامي السابق وكأن “لوحة الحامل” الغربية التي وصلت حوالي منتصف القرن العشرين أو في بدايته (في مصر ولبنان) هبطت على حضارة صحراوية خاوية من التراكم الحرفي – الصناعي – الفني، وهذا ضرب من التعسّف.

 عاصم أبو شقرا وصبار فلسطين 

يحضرني فحوى النظرة العنصرية الغربية التي تمركزت مع صعود النازية: مفادها التقسيم العبثي لخطين جغرافيين متوازيين يعبران التاريخ الحضاري لأوروبا وآسيا. الخط العلوي يمثل الجزء الآري الذي يمر من إيران والهند وشمال أوروبا، والمتميز بتفوقه الفني والإبداعي العام، ثم الممر السفلي الخاص بالجنس السامي الذي يعبر من شتى مناطق الشعوب العربية بما فيها فلسطين وإسرائيل، والمنحط بطبعه المتخلف حضاريًا خاصة في الفنون.

لا يزال بعض المؤرخين الأوروبيين يؤمنون بهذه النظرية، لذلك فهم يعتبرون أن إيران تحتكر زهو الفن الإسلامي مع إمبراطورية المغول الهندية (مثل تاج محل وسواه). إذًا على المؤرخين الحياديين الجدد أن يصححوا هذه العنصرية الفنية، وأن المصورين محمود بن سعيد الواسطي وابن جنيد سبقا بهزاد بثلاثة قرون على الأقل، وأن اختفاء أكوام المخطوطات المصورة كان بفعل هولاكو واللوبيات الاستعمارية.

يرسخ التحريم المشبوه هذا المسخ الفني (الموروث وزرًا وبطلانًا). ولهذا الموضوع حديث طويل، فإذا عدنا إلى مشروعنا في كتابة التاريخ الفني ابتداءً من الصفر، ولكن أين يكمن هذه الصفر – البداية؟ وهنا نقع على المشكلة الجذرية التالية:

 فاتح المدرس- عندما دخلت الوحوش إلى لوحته 

وحدة تسلسل الذاكرة الفنية
يوازي بداية التعبير الفني بداية الوجود الإنساني مع أوائل إنسان ما قبل التاريخ سواء كرومانيين أم “أوموسابيان”.

وآثار تصوير الكهوف التي تعود إلى عشرات آلاف السنين آخرها “كهف شوفي” حوالي أربعين ألف عام، هو تاريخ مشترك في بداية الفنون سواء في شمال المتوسط (أوروبا) أو جنوبه البلاد العربية، تصل مثلًا نقوش مدينة أريحا في فلسطين إلى أكثر من ثمانية آلاف عام، تليها الحضارات الرافدية ما بين نهري دجلة والفرات ابتداءً من السومريين (وهم آريون وكذلك العيلاميون فقط أما بقية السلالات والأقوام آكاد، آشور، بابل، وحتى ثمود والقحطانيين فهم ساميون).

تطورت عبر رقمهم المسمارية شجرة الخطوط السامية ومنها العربية والعبرية والسوريانية قبل المناذرة والغساسنة وهؤلاء قبل الأنباط والتدامرة فإذا راجعنا الحركة السامية المعقدة عثرنا على العموريين والكنعانيين والفينيقيين على سواحل المتوسط، أما الحضارة المصرية قبل القبطية والمملوكية والفاطمية والأيوبية فهي سابقة على الفتح العثماني في القرنين الخامس عشر والسادس عشر حتى وصلنا إلى عهود الاستعمار والانتداب ثم الاستقلال.

 جواد سليم والتصاوير العباسية 

يمثل تراث أجيال الفنون والصناعات سلسلة متواصلة متدرجة تصل حتى حدود التوليف مع الفن الغربي، ونعثر على هذا التوليف المتوسطي منذ العهود الصليبية وممالك الأندلس. فماذا بقي منه؟ القليل الواجب حفظه، مثل جدارية قاعة السفراء في قصر الحمراء في غرناطة، وموروث التصوير الصادر عن الطرق الصوفية ما بين القرنين الثالث عشر والسادس عشر ابتداءً من الواسطي في بغداد، وانتهاءً ببهزاد أكمل الدين في تبريز المرتبط مع تلامذته بالطريقة النقشبندية في أواسط آسيا، ورعته في أواخر حياته الدولة الصفوية كما رعى الإمبراطور حيدر دوغلات المغولي تلميذه الشيخ زاده في أكرا الهند.

على مؤرخ الفن العربي الإسلامي أن يكشف ما خفي والتبس من موسوعة هذا التاريخ المديد، لذلك اعتبر موروث الفن العربي – الإسلامي جزءًا لا يتجزأ من حضارات متحف جاك شيراك في باريس المدعو “بالفنون الأولى” أي الأسبق من الحضارات الأوروبية.

إذا كان مثل هذا التطور حصل في سردية تاريخ الفن الغربي، فعلينا ألّا نكون أقل حيادًا ونغازل (حتى لا أقول نختلس) الآراء الاستشراقية في عصور الاستعمار التي ولت منذ زمن بعيد إلى غير رجعة.   

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يستحسن طباعة المقال !!