إدريس جمّاع: شاعرٌ ذهبَ الجمال بعقله
إدريس جمّاع؛ شاعر قضى حياته مصورا للحسن والجمال ومذهولا به، لينسج الرواة «أساطير» حول قصائده والظروف التي قيلت فيها، وأنها السبب في إصابته بلوثة الجنون وفقدان عقله في آخر عمره.
أساطير عديدة نسجت حوله لاسيما تلك التي يرددها أهل الخليج، وبعضهم يقف في معارض الكتب ليسأل البائع: “هل لديك ديوان شعر لذاك الشاعر السوداني الذي تغنى بالحب والجمال”.
“ذلك الذي نعى حظه بالدقيق المنثور على الشوك!”
بعضهم يتذكر اسمه والبعض لا، وقد يتذكرون أبياتا من الشعر له.
- نشأته وحياته:
نشأ إدريس جمّاع نشأة دينية في كنف أسرته المُحافِظة وكان والده محمد جمّاع بن الأمين بن الشيخ ناصر شيخ قبيلة العبدلاب.
بدأ حياته المهنية معلما بالمدارس الأولية بالسودان من عام 1942 وحتى عام 1947، ثم هاجر إلى مصر عام 1947 والتحق بمعهد المعلمين بالزيتون، ثم بكلية دار العلوم – جامعة القاهرة عام 1951 وحصل على الليسانس في اللغة العربية والدراسات الإسلامية، ثم التحق بمعهد التربية للمعلمين ونال الدبلوم عام 1952.
وبعد عودته من مصر عام 1952 عّين معلما بمعهد التربية في مدينة شندي بشمال السودان ثم مدرسة تنقسي الجزيرة الأولية، ومدرسة الخرطوم الأولية ومدرسة حلفاية الملوك الأولية. ثم نقل للعمل بمدرسة السنتين في بخت الرضا بمنطقة النيل الأبيض، وفي عام 1956 عمل مدرسا بمدارس المرحلة المتوسطة والمرحلة الثانوية في مختلف مناطق السودان.
- شعره:
يغلب على موضوع شعره التأمل والحب والجمال والحكمة كما كتب شعرا وطنيا مناهض للاستعمار. ويتسم أُسلوب شعره برقة الألفاظ والوصف فائق الخيال وكثيرا ما يعبر في شِعره عن وِجدانه وتجاربه العاطفية ووجدان أمته، واصفا تلك المشاعر الإنسانية فرحا، وألما، وحزنا، كما يزخر شعره بوصف ثورة الثائر الوطني الغيور على حرية وطنه وكرامة أمته.
وربط في أعماله الشعرية بين السودان والأمة العربية والإسلامية، فتناول قضايا الجزائر ومصر وفلسطين، ونظم شعرا في قضايا التحرر في العالم أجمع. وصدر حوله كتابٌ بعنوان «جماع قيثارة النبوغ» من تأليف محمد حجازي مدثر. كما أعد الباحث عبد القادر الشيخ إدريس رسالة دكتوراه حول شعر جمّاع بعنوان «الشاعر السوداني إدريس جماع، حياته وشعره».
وفي قصيدة «أنت السماء»، والتي تغنى يها المطرب السوداني سيد خليفة حيث قال الشاعر مخاطبا زوج امرأة جميلة حال بينها وبين الشاعر أثناء سفره في المطار، وأطال النظر إليها، فغضب زوجها غيرة، فكان رد إدريس شعرا:
أعلى الجمال تغار منا
ماذا عليك إذا نظرنا
هي نظرة تُنسي الوقا
رَ وتُسعد الروح المعنّى
وتقول القصة إن عباس محمود العقاد عندما سمع هذا الشعر سأل: لمن هذا؟ فقيل هذا لشاعر مجنون، فقال: فعلا هذا لا يقوله إلا مجنون.
وها هو الشاعر يخاطب امرأة جميلة، ويبدو أن هناك علاقة سابقة بينهما، بدأت من الطفولة:
دنياي أنت وفرحتي ومنى الفؤاد إذا تمنى
أنت السماء بدت لنا واستعصمت بالبعد عنّا
هلا رحمت متيما عصفت به الأشواق وهنّا
وهفت به الذكرى فطاف مع الدجى مغنا فمغنا
هزته منك محاسن غنّى بها لما تغنّى
آنست فيك قداسة ولمست إشراقا وفنّا
ونظرت في عينيك آفاقا وأسرارا ومعنى
ولعلّ من أكثر قصائده تناقلا هي من ديوان «لحظات باقية» التي ندب فيها سوء الحظ والتي يقول مطلعها:
إن حظي كدقيق فوق شوك نثروه
ثم قالوا لحفاة يوم ريح أجمعوه
عَظِم الأمرُ عليهم قلت يا قوم أتركوه
إن من أشقاه ربي، كيف أنتم تسعدوه
وفي حكاية أخرى أن الشاعر كان يطيل النظر في عيني ممرضة كانت تعالجه في مستشفى الأمراض النفسية، فشكت الأمر لمديرها، فنصحها بأن تضع نظارة سوداء على عينيها، وهكذا أخفتهما عنه فأنشد ﺟﻤَّﺎﻉ البيت:
السيف في غمدة لا تخشى مضاربه
وسيف عينيك في الحالتين بتار
فقد عد بعض النقاد إن هذا البيت أبلغ بيت في الشعر العربي على الإطلاق في الغزل في الشعر الحديث لما تتطابق إحساسه مع مفرداته.
وفقا للدكتور تاج السر الحسن الذي شارك في الإشراف على طباعة ديوان جمّاع فإنّ شِعر جمّاع يقع في إطار الشعر التراثي والديواني العربي. فجمّاع شاعر من المَدرسة العربيّة الابتدائية وهو من روَّاد التجديد الشعري في العالم العربي ومن شعراء مدرسة الديوان على وجه الخصوص ضمن مجموعة عبد الرحمن شكري والعقاد وإبراهيم المازني.
وقال عنه الدكتور عبده بدوي في كتابه «الشعر الحديث في السودان» إنّ أهمّ ما يميّز الشاعر جمّاع هو «إحساسه الدافق بالإنسانية وشعوره بالناس من حوله ولا شك في أن هذه نغمة جديدة في الشعر السوداني».
وكتب عنه الدكتور عون الشريف قاسم قائلا: «لقد كان شعر جمّاع تعبيرا أصيلا على شفافيته الفائقة والتي رسمت لنا الكلمات وأبرزت بجلاء حسه الوطني».
- ديوانه:
لقد عُرِّف إدريس جماع كما يختصر اسمه بديوان شعر يتيم هو (لحظات باقية) الذي يعبر عن حال الشعر وهو ينسج الخلود لصاحبه، وعبر هذا الكتاب الوحيد ظلّ جماع حاضرا إلى اليوم في قلوب السودانيين سواء بشعره المسطور أو المغنى في الأغاني السودانية من قبل عدد من كبار المطربين، كذلك فإن أجيالا تعرف جماع عبر قصائده المقررة في مناهج اللغة العربية في مدارس البلاد.
طبع ديوانه (لحظات باقية) ثلاث مرات بتحقيق منير صالح عبدالقادر: أبو ظبي 1984 – دار البلدية بالخرطوم 1998.
ترك جمّاع في ديوانه (لحظات باقية) خلجات وجدانية معتمدا على الشعر الكلاسيكي، وفي الوقت ذاته لم يحاول الذهاب إلى قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر رغم علمه بها بل اكتفى بإحداث تغيير بسيط في الوزن والكتابة المقطعية للقصيدة، وتميزت أوزانه بالخفة؛ حيث ابتعد عن البحر البسيط إلى مخلّع البسيط وابتعد عن البحر الطويل إلى مجزوئة، وغيرها من الأوزان الخفيفة السهلة على لسان قائلها بكلام مختصر وموسيقا هادئة.
- وفاته:
توفي عام 1980 بعد معاناة مع مرض نفسي أقعده طويلا بمستشفى الأمراض العصبيّة بالخرطوم بحري وقد أُرسل للعِلاج إلى لبنان في عهد حكومة الرئيس إبراهيم عبود وعاد إلى السودان دون أن تتحسّن حالته الصحيّة.
ترك الشاعر إدريس محمد جمّاع إرثا وعمرا خالدا وترك كل شيء بالحياة لآخر نفس.
في ربيع الحُبّ كنّا
نتساقى ونغنّي
نتناجى ونناجي الطير
من غصن لغصن
ثم ضاع الأمس منّي
وانطوى بالقلب حسرة
**
إنّنا طيفان في حلم سماوي سرينا
واعتصرنا نشوة العمر ولكن ما ارتوينا
إنّه الحبّ فلا تسأل ولا تعتب علينا
كانت الجنّة مأوانا فضاعت من يدينا
ثم ضاع الأمس منّي
وانطوى بالقلب حسرة
المصدر : مجلة فكر الثقافية












