الأدب الأمازيغي ولغات الكتابة

0

يطرح الأدب الأمازيغي على الباحثين أسئلة تحتاج إلى تأمل عميق. وتعنى أولى هذه الأسئلة بتحديد رقعة الأدب الأمازيغي؟ هل يمكن أن نحصر المجال الجغرافي لهذا الأدب في حدوده الوطنية أم أنه مُتعالٍ على الحدود القطرية مما يفرض الانفتاح على كل فضاء تامازغا الممتد من ساحل المحيط الأطلسي حتى حدود مصر؟ ثم، هل الأدب الأمازيغي هو المكتوب بالأمازيغية أم الذي كتبه أمازيغ؟ وبهذا المعنى هل بإمكاننا قراءة كل ما أبدعه القديس أغوسطين، واسمه بالأمازيغية “أوراغ”، باللاتينية في الماضي البعيد، وكذا محمد خير الدين بالفرنسية ومحمد شكري بالعربية في زمننا الحالي أدبا أمازيغيا صادرًا عن وجدان أمازيغي حتى وإن لم تكن لغة الكتابة لدى هؤلاء هي الأمازيغية؟

أيضًا، هنالك مدخلان مختلفان لمقاربة الأدب الأمازيغي. الأول يتناوله باعتباره أدبا عريقا يعود إلى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد وهنا يتمّ استحضار لوكيوس أبوليوس، واسمه الأمازيغي “أفولاي”، صاحب رواية “الحمار الذهبي” المكتوبة باليونانية، إلى جانب القديس أغوسطين صاحب كتاب “مدينة الله”. فباستحضارهما يتمّ إدراج الأدب الأمازيغي ضمن الآداب العريقة.

أما المقاربة الثانية فتعتبر الشفاهية خاصية أساسية تميّز الأدب الأمازيغي. فالشعر الأمازيغي مثلا موجّه في غالبه للاستماع، أي أنه وليد اللحظة محكوم بطقوس المناسبة التي يُنشد فيها. فيما لا يتجاوز السرد الأمازيغي في مجمله حدود الحكايات الشعبية والأحاجي والأمثال. وهذا التراث الشفاهي على قيمته، هناك من الباحثين الأمازيغ أنفسهم من يقرّ بصعوبة المراهنة عليه من أجل بناء مادة الأدب بمفهومه الحديث.

ومع ذلك، فالانتقال من الشفاهة إلى التدوين قد تحقق للأدب الأمازيغي منذ سبعينيات القرن الماضي. فالشعر الذي يُعدُّ أكثر الأجناس حيوية في الأدب الأمازيغي منذ شعر “أسايس” التقليدي الراقص والمرتبط بالإنشاد الجماعي، حتى شعر “الروايس” الجوّالين الذين أخرجوا الشعر الأمازيغي من الغنائية الجماعية إلى الغنائية الفردية كما هو الحال بالنسبة للرايس بلعيد، سيعرف في المرحلة الحديثة نوعا من الانفصال عن الغناء ليصدُرَ مطبوعا في دواوين. فمنذ أن أصدر الشاعر محمد مستاوي سنة 1976 ديوانه الأول “إسكراف” (القيود) في خمسة آلاف نسخة نفدت عن آخرها تأكد للجميع أن للشعر الأمازيغي قراء متعطشين يريدون القطع مع مقولة الشفوية التي تضع الشعر والأدب الأمازيغيين في صف أدنى من الأدب المغربي المكتوب بالعربية والفرنسية.

وفي مجال السرد، حاول الأدباء الأمازيغ تحقيق نوع من القطيعة مع الموروث السردي التقليدي من خلال إصدار بعض العناوين الروائية والقصصية والمسرحية. ويبقى أهم مأزق يعانيه الأدب الأمازيغي هو إغراقه في المحلية وتشتت تجاربه بين المناطق واللغات حيث يصعب تفاعل التجارب الأدبية بين التنويعات الأمازيغية الثلاث إلا عبر وساطة لغة أخرى كالعربية أو الفرنسية. بل حتى الباحث في الأدب الأمازيغي لا يعرف عن هذا الأدب إلا ما كتب بأمازيغيته الخاصة دوّن التنويعات الأخرى مما يجعلنا بعيدين عن مقاربة الأدب الأمازيغي في شموليته.

ومع ذلك، أجد اليوم صعوبة في قراءة روايات محمد خير الدين المكتوبة بالفرنسية خارج أمازيغيته. بل إن روايات مغربية بدأت تصل إلى لوائح البوكر، تصدر في عمقها عن وجدان أمازيغي إحداها “موسم صيد الزنجور” لإسماعيل غزالي التي سبق أن اعتبرتُها روايةً أمازيغية بلسان عربي مبين. فيما تزدان لائحة البوكر القصيرة هذه السنة برواية “نوميديا” لطارق بكاري التي اعتبرها محمد برادة رائدة في مجال استثمار الفضاء الأمازيغي بالمغرب. هكذا، وإخلاصا لتاريخ عريق من الانفتاح اللغوي، يواصل الأدب الأمازيغي تحقّقه خارج أبجدية “تيفيناغ” وعبر لغة الضاد أيضا.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.