“قيصر”… القانون القاهر للفيتو

 

  • البعد الإنساني في السياسة الدولية

مع اقتراب موعد تطبيق القانون الذي وافق الكونغرس الأميركي عليه وأُقرّت موازنته؛ هناك حالة جديدة من صيغ العلاقات الدولية، خاصة في ظل عجز المنظومة الأممية المتمثلة بالأمم المتحدة وجهازها السياسي التنفيذي (مجلس الأمن الدولي) الذي يمتلك الأدوات اللازمة لتطبيق قرارته، إلا أنه يعجز، في غالب الأحيان -مع الأسف- عن التنفيذ، بل عن الوصول إلى قرار منطقي، إذا لم يتمكن من الوصول إلى قرار عادل إلى حدّ ما.

  • ما هو قانون قيصر؟

هو قانون أقرّه الكونغرس الأميركي تحت مسمى (قانون حماية المدنيين في سورية)، ويعرف بقانون قيصر (سيزر) وهو الاسم الحركي الذي أُطلق على الشخص الذي استطاع تسريب آلاف الصور لضحايا التعذيب الذي مارسه النظام السوري ضد السوريين، داخل السجون والمعتقلات، ويهدف القانون إلى معاقبة النظام السوري ورموزه، بدءًا برأس النظام، وكل ما يدعم قوته العسكرية واستمرار نهجه القائم على سحق معارضيه، الأمر الذي أدى إلى مئات الآلاف من القتلى والمعتقلين ومئات الآلاف من المهجرين واللاجئين.

وينال القانون أيضًا الأفرادَ والكيانات التي تتعامل مع هذا النظام، حتى غير السورية، وهذا يشمل حلفاءه من الدول والأشخاص، وينصّ على فرض عقوبات على الأجانب المتورطين في بعض المعاملات المالية أو التقنية، مع مؤسسات “الحكومة السورية” والمتعاقدين العسكريين والمرتزقة الذين يحاربون بالنيابة عن النظام السوري أو روسيا أو إيران.

ويعرف كثيرٌ من المتابعين للشأن السوري والمختصين القانونيين مدى شمول هذا القانون للقطاعات المختلفة حتى المؤسسات السيادية، ومنها المصرف المركزي وتأثيره الواسع حقيقةً في الدولة المرتهنة أصلًا لنظام فاسد فاقد للسيادة وللشرعية الوطنية.

الصيغة التي أتى بها القانون والأسس الإنسانية التي استند إليها، والتي جمعت بين الدوافع القيمية الأخلاقية والمبررات الإنسانية بالرجوع إلى القانون الدولي الإنساني الذي يفرض على جميع الدول احترامه، تجعل من هذا القانون سابقة حميدة في السياسة الدولية.

ولا بدّ هنا من إيضاح بعض الأمور والحقائق التي تسلّط الضوء على أهمية هذا القانون، سياسيًا وإنسانيًا، فتفعيل هذا القانون يحتلّ أهمية كبيرة في ضوء تعطُّل آلية مجلس الأمن، بسبب الفيتو الروسي والصيني، في ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ويشكل القانون تأكيدًا بالغ الأهمية، بشأن جدية الولايات المتحدة والمجتمع الدولي في منع الإفلات من العقاب ومساءلة النظام بشأن استمراره في خرق الأعراف والقوانين، وخاصة القانون الدولي الإنساني، واستخدام الأسلحة المحرمة دوليًا الكيميائية والبراميل المتفجرة ضد المدنيين، كما يضغط باتجاه تفعيل العملية السياسية والمرحلة الانتقالية، وفقًا لقرارت الأمم المتحدة والمرجعيات الدولية التي تقوم على حل سياسي، لا على فرض أمر واقع عسكري.

ومن النقاط المهمّة أيضًا أن القانون يستهدف الحلقـة المحيطة ببشار الأسد، وكل الأشخاص الذين يستخدمهم النظام كواجهات مالية، وكذلك الأشخاص المرتبطين بـ “حزب الله” والحرس الثوري الإيراني، وأفراد أُسرهم الذين يُستخدمون عادة للتغطية على حركة الأموال، ويستهدف الشركات والمؤسسات المالية، سواء أكانت عراقية أو لبنانية أو إيرانية أو سورية، لتهريب السلع والأموال لحساب النظام وحلفائه، وهو ما لمسنا تأثيره حتى قبل البدء بتطبيق القانون في لبنان وفي سورية، حيث انخفضت قيمة العملة الوطنية في البلدين انخفاضًا دراماتيكيًا.

ومن المنطقي القول إن هناك حاجة إنسانية ملحّة لتطبيق القانون، لكل الشعب السوري الذي يرى أن الخلاص من الطغمة المسيطرة على الاقتصاد السوري هو الحل للظروف المعيشية من جهة، وأن الخلاص من الدكتاتورية وإطلاق الحرية هو السبيل للوصول إلى العيش الكريم والأمان والاستقرار المنشود. حيث إن هذه العصابة المتحكمة في مقدرات الدولة الاقتصادية والخدمية تقوم -منذ إقرار قانون قيصر- بجمع وشراء العملات الصعبة، وتهريبها للخارج؛ وقد أدى ذلك إلى إفقار الغالبية الساحقة من السوريين، نتيجة جشع تلك العصابة وفسادها، وليس الأمر كما يصوّره النظام وحلفاؤه أن سبب الأزمة المعيشية هو القانون خاصة.

ومن يتابع آراء الشارع السوري يرَ أن القانون يمثل واقعًا جديدًا، بالنسبة إلى السوريين، وبارقة أمل، لكونه صادرًا عن الولايات المتحدة الأميركية الدولة التي تمتلك أدوات تنفيذه والأدوات اللازمة للضغط على الدول الأخرى للالتزام بذلك.

إن الصيغة التي أتى بها القانون والأسس الإنسانية التي استند إليها، والتي جمعت بين الدوافع القيمية الأخلاقية والمبررات الإنسانية بالرجوع إلى القانون الدولي الإنساني الذي يفرض على جميع الدول احترامه، تجعل من هذا القانون سابقة حميدة في السياسة الدولية، وبادرة ذات بعد حضاري يصبُّ في المصلحة المشتركة للمجتمع الدولي، ضمن أهداف ومبادئ الأمم المتحدة والاتحاد من أجل السلام ورد المعتدي، في ظل وجود تناقض في المصالح الدولية أدى إلى عجز المنظمة الدولية أمام أسوأ الكوارث والانتهاكات في عصر العولمة الذي يفترض أنه زاد حالة التضامن الإنساني وإمكانية الشراكة للرقي الإنساني وتحقيق التنمية المستدامة ومواجهة التحديات العالمية الأخرى.

ومن هنا أرى أن من الواجب على الجميع، أفرادًا ومؤسسات ومنظمات ودولًا، التعاون على تقديم المعلومات والدعم، لمعاقبة من أساء إلى الإنسانية جمعاء، ومن أجرم بحق الشعب السوري المسالم الذي كان كلّ ذنبه أنه أراد العيش بكرامة وأن يمارس حقه في التعبير عن رأيه بحرية وديمقراطية، كما الشعوب المتحضرة.


بشار علي الحاج علي / دبلوماسي سوري سابق.


مركز حرمون للدراسات المعاصرة

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يستحسن طباعة المقال !!