هل يستطيعُ غيرُ الأوروبي التفكير ؟

0

 

كان قد نشر المفكر الإيراني – الأميركي حميد دباشي مطلع عام 2013 مقالاً يحمل سؤالاً تهكميا بعنوان:”هل يستطيع غير الأوروبي التفكير؟”، أثار المقال نقاشا حادا وصل إلى حدّ إثارة غضب الفيلشوف الأوروبي الشهير سيلافوي جيجك، الذي رد على أحد مدافعي طرح دباشي “حسن، تبًّا لك يا والتر ميغنولو، من هم هؤلاء المفكّرون ’غير الأوروبيّين‘ الأكثر أهمّيّة؟ دعني أقول إنّني لم أكن منبهرًا للغاية”.

يشكّل السؤال ذاته عنوان هذا الكتاب الصادر عن منشورات المتوسط (2016) بترجمة أنجزها عماد الأحمد، والذي جاء في خمسة فصول موزعة على عدد من المقالات حول نظرية ما بعد الاستعمار وعن ثورات الربيع العربي واحتجاجات الحركة الخضراء في إيران، وهو الجزء الثالث والأحدث في ثلاثية حملت عنوان: (ثلاثية الانتفاضة)، ويستكمل فيها دباشي ما بدأه في كتابيه: (الربيع العربي- نهاية حقبة ما بعد الاستعمار)، والذي أردفه بـ (ما بعد الاستشراق- المعرفة والسلطة في زمن الإرهاب). واختار لها وسم الانتفاضة لأنها -حسب ما يقول تحمل في جذور كل منها المنطق الموسع للانتفاضة الفلسطينية، كمثال لحركات التحرّر العابرة للحدود.

في هذا الكتاب – الذي يشكل أغلبه مقالات سياسية عن الأحداث السياسية التي عصفت بالعالم الإسلامي في السنوات القليلة الماضية كالاحتجاجات التي شهدتها إيران عقب انتخابات 2009 والربيع العربي في سنواته الأولى نقرأ تطور الوضع في العالم العربي والإسلامي، ويظهر دباشي بصورة المثقف المنخرط بالشأن العام القادر على تحليل ما يجري بحمولة فكرية ومعرفية عميقه.

كما يرصد دباشي في هذا الكتاب النزعة المركزية التي يعاني منها الأوروبيون، ويؤكد الحاجة الملحّة للتفكير فيما وراء الاستعمار وحقبة ما بعد الاستعمار، وقبل كل هذا، يقول؛ إنه لا بد من البحث فيما وراء الوجود الواضح أو الضّمني للمحاوِر الأوربي الذي يراقبنا أثناء الكتابة. ويقول على سبيل السخرية: “كما أن الملّا نصر الدين ظنّ بأن الموقع الذي ثبت فيه لجام بغلته هو مركز الكون، يفكر الأوروبيون أنهم مركز تفكير العالم، فلماذا يفكر كذلك الأوروبيون أو نصر الدين؟”.

  • هل يقرأ الأوروبيون؟

يُبدي دباشي اهتماماً بسؤال غريب حول ما إذا كان الفلاسفة الأوروبيون قادرين فعلا على قراءة شيء ما، والتّعلم منه بدلاً من الاكتفاء بإحالته إلى المعرفة الاستشراقية الخاطئة، ويتأمل في هذا السياق بما يدفع مفكراً أوروبيا مثل جيجك لاستخدام هذه العبارات عندما تتم مواجهته بشيء قد يقوله شخص قادم من خارج أوروبا وسلالة مفكريها.

يتساءل قائلا: “لماذا يتعيّن على الأوروبيين ألّا يكونوا قادرين على القراءة، حتى عندما نكتب باللغة التي يفهمونها؟”، يرى أنهم لا يستطيعون القراءة، لأنهم يحيلون ما يطلعون عليه مجددا إلى فخ ما يعرفونه، وبالتالي فهم غير قادرين على رؤيته على أنه شيء لا يعرفونه، ولكن بالإمكان تعلمه. الظروف التاريخية هي حجر الأساس للأفكار، العالم بأسره يتغير، والعالمان العربي والإسلامي على وجه الخصوص”.

يتهم دباشي جيجك وزملاءه بأنهم يغفلون جغرافية الآخر، ويقول إنهم لا يستطيعون قراءة أي سيناريو آخر، أو أي طريقة أخرى سوى النص الاستعماري والخريطة الاستعمارية التي قرأها الأوروبيون، لأنهم يتعامون عن مناطق جغرافية بديلة مقاومة لذلك الاستعمار، وبالتالي فإن كل ما يقوم به جيجك وأتباعه، هو إحالة العالم مرة أخرى إلى الحالة الاستشراقية، لعدم قدرتهم على قراءة التغيرات التاريخية التي طرأت على الحالة القديمة. لا يرمي دباشي من هذا التفكير إلى نقد الاستشراق الجديد وحسب، والذي يتوافق مع المصالح السياسية الآنية للإمبريالية الأميركية، بل إلى تجاوز أوروبا كفكرة وجعلها تتعامل مع نفسها، كواحدة من بين المجازات العديدة المستنفدة الأخرى.

لكن دباشي يستدرك قبل دفن المحاوِر الأوروبي إلى محاولة تغييره إلى محاورِ نناقش معه شروط عوالمنا الناشئة: “لم يعد ينبغى علينا مخاطبة محاور ميت بعد اليوم، لقد مات الإسلام الذي كانوا قد اخترعوه في استشراقهم،… وبدأ التاريخ من جديد على مستوى العالم من الحركة الخضراء في إيران، إلى الربيع العربي إلى الاحتجاجات الإسبانية في أوروبا، وحركة احتلوا وول ستريت في الولايات المتحدة”، وستشكل هذه الانتفاضات–حسب ما يقول أنظمتها المعرفية الخاصة، بصرف النظر عن القوى الرجعية والمعادية للتغيير التي أطلقت ضدهم.

  • ما بعد الاستشراق

يدعو دباشي كما يفصل في كتاب يحمل عنوان: “ما بعد الاستشراق: المعرفة والسلطة في زمن الإرهاب” إلى تجاوز حقبة ما بعد الاستعمار في حد ذاتها، لأنها نتاج للخيال الاستعماري الأوروبي بحسب قوله، ويعلن أن المرحلة الاستعمارية التي ولدت فكرياُ أصوات ما بعد الاستعمار بدءاً من الشاعر الأفريقي إيمي سيزير مروراً بفانون وحتى إدوارد سعيد، أخذت مجراها، ولم يعد لهذا النظام المعرفي أية نتيجة معرفية ذات مغزى، ولم تعد كلمة (نحن) تعني الشعوب المجتمعة في الجنوب. فبالنسبة للبعض من هذا (النحن) قد هاجر إلى شمال العالم مطاردين رؤوس المال بحثاً عن فرص عمل، وذهبت رؤوس الأموال تطارد العمالة الرخيصة في جنوب العالم، وبذلك فإن كلمة (نحن) لم تعد متعلقة باللون وبالقارة، بل تشمل جميع أولئك المحرومين من العملية العالمية لرأس المال سواء في شمال كوكب الأرض أو جنوبه، أصبح رأس المال المعولم هذا في حداثته الأصلية أوروبيا بشكل أسطوري. إنه يدعو بلا مواربة إلى شكل يتجاوز في حال أسلافنا من الحقبة الاستعمارية وما بعد الاستعمارية وما بعد الحداثة.

تتلخص صياغته تلك، كما يطرحه في كتابه -آنف الذكر بالنظر إلى أن الاستشراق كوسيلة لإنتاج المعرفة ليس مشروعا مغلقاً ومكتملاً، وأن الاستتشراق كان نتاجا للحظة معينة في تاريخ الاستعمار الأوروبي، وأن تفكيك طريقة إنتاج المعرفة والتي كانت موضوع النقد الرزين لإدوارد سعيد والتي كانت في المقام الأول وجهة نظر نقدية أدبية حول أزمة التمثيل كجزء لا يتجزأ من العلاقة ما بين المعرفة والسلطة قد تفكّكّت الآن. وأنه لتجاوز التنظير الفوري لإدوارد سعيد ينبغي أن تتغير مقاومة الاستشراق إلى شكل يتداعى ويتواكب مع مصير الإمبريالية، وهكذا، يسعى دباشي إلى صياغة استشراق مختلف من الناحية التاريخية، حيث يرى أن تحول الاستشراق الكلاسيكي إلى دراسات المناطق ومنها إلى المعرفة، التي تستعمل لمرة واحدة بواسطة مراكز البحوث الأميركية والأوروبية جاء بالتزامن مع صعود إمبراطورية دون هيمنة، وأن فكرة مراكز البحوث اليمينية اليوم مثل معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى الصهيوني أو معهد هوفر التابع للمحافظين الجدد يعتبر انعكاساً مؤسسيا لهذا التحول، وقد حلت إلى حد كبير محلّ الجامعات كمؤسسات أساسية لهذه الأنماط من إنتاج المعرفة، التي تعمل تحت الخدمة الفورية للإمبراطورية.

وفي هذا المسعى، فإنه يوجّه نقدا لاذعاً إلى المعرفة السريعة التي يتم إنتاجها على غرار الوجبات السريعة، فيقول: “مع إشباع معرفي كاذب تغزو الولايات المتحدة أفغانستان أو العراق وتبدأ هذه المراكز البحثية بإنتاج المعرفة حول تلك البلدان، تصدر عن معرفة ضئيلة أو منعدمة، ويجري التخلص منها تماما”. أصبحت اليوم مراكز القوى المتغيرة بلا ملامح، وأصبحت تنتج أنماطا من المعرفة، على القدر نفسه من عدم الاستقرار، ولذلك، لا مندوحة من أن يتشارك العالم اليوم بفاعلية في ما يدعوه دباشي (جغرافيا التحرر) في إعادة تخيّل نفسه، ثم إنجاز معرفة عن الحاضر كشكل من أشكال الشهادة على التاريخ.

  • هل يستطع غير الأوروبي التفكير؟

يستهل دباشي مقالته الشهيرة تلك بنص لسلافوي جيحك، يتحدث الأخير فيه عن الفلاسفة الهامين والفاعلين في هذا الزمن، يذكر منهم “جوديث بتلر في الولايات المتحدة، سيمون كريتشلي في إنكتلرا، فيكتوريا كامبس في إسبانيا، جان لوك نانسي في فرنسا، شانتال موفي في بلجيكا، جياني فاتيمو في إيطاليا، يتر سلوترديك في ألمانيا وفي سلوفينيا سلافوي جيجك”.

ما ينتقده دباشي على الفور عند هذه الفقرة الافتتاحية هو ذلك الطابع الأوروبي الواضح، والنزعة نحو الأشياء التي يعدها الكاتب فلسفة اليوم، حيث يؤسس زعمه بالتالي على كل من الذات والزمن الغربيين، واللذين يعدّان في الحقيقة ملكية حصرية لأوروبا. في الرد على ذلك يشير دباشي إلى المفكرين خارج أوروبا، والذين تحظى شمولية الفلسفة التي يمارسونها بدرجة معينة من الثقة الذاتية الواعية، والتي لا يمكن لأي تفكير من دونها أن يفترض العالمية.

من السؤال الذي طرحه دباشي في مقالته، يستنتج بالنظر إلى الرد اللّاحق الغاضب لجيجك أن هناك خللاً هيكليا في تركيبة العقل الفلسفي الأوروبي، على الأقل في النسخة التي يمارس هذا الفيلسوف الفلسفة من خلالها، أنه غير قادر على قراءة أفكار الآخرين، حتي عندما يعبرون الفجوة اللغوية ويتكلمون بواحدة من لغاتهم؛ إحدى تلك اللغات التي فرضها الاستعمار على العالم بأسره، كما أنه بالتالي حين يتعامل مع العوالم الأخرى، لا يقرأ نصوصهم، ولا يمكنه فهم أكوانهم ويرجع كل ما يقرأه بشكل منتظم واعتيادي إلى ما يعرفه بالفعل، ويقول إن “هذا أمر طبيعي بالنسبة إليه دون شك، ولكنه مصدر إزعاج كبير لقاطني العوالم الأخرى، الذين اجتاحتهم الإمبريالية الأوروبية وتركتهم في حالة من الخراب، تلك العوالم التي قد يفهم قاطنوها الأمور -في يوم ما من تلقاء أنفسهم”.

يعدّد دباشي في معرض رده على جيجك أسماء من المفكرين في الهند واليابان والعالمين العربي والإسلامي وأفريقيا وأميركا اللاتنيية، ويشير إلى أن مسألة النزعة الأوروبية اليوم مسألة منتهية تماما، فالأوروبيون يتمتعون برؤية العالم من وجهة نظرهم التقنية، ويحملون في داخلهم الغطرسة الوهمية لإمبراطوريات بائدة. يقول: “إنهم يعتقدون بأن فلسفتهم الخاصة هي الفلسفة وتفكيرهم الخاص هو التفكير” بينما كل شيء آخر هو كما كان يقول الفيلسوف الأوروبي إيمانويل ليفيناس دائما “مجرد رقص”. يعلق دباشي قائلا: “يطمئن – ليفيناس – القارئ بأنه لا يقصد أي عنصرية في ما يقول”.

  • لحظة إداور سعيد

يخصص دباشي فصلا من فصول كتابه للحديث عن الصداقة الحميمة التي جمعته بالفلسطيني الأميركي إدوارد سعيد، صاحب كتاب الاستشراق (1978)، ويعلّق عن لقائه بسعيد بالقول: “إذا نزعت الاستشراق وإدوارد سعيد من وعينا في تلك الفترة، فإن جيلي من المثقفين المهاجرين سيكونون مجرد حفنة، من الأرواح المتشائمة التي تعيش عرضة للحزن أو قد تتحول -وبشكل مثير للشفقة إلى هذا النوع أو ذاك، من الجواسيس والمخبرين المحليين، ممن يبيعون أرواحهم، إلى سلاطين بلا روح، في واشنطن العاصمة، أو للآباء الخرفين في بريستون”.

ويعدد الأشياء التي تعلمها من إدوارد سعيد، ومن بينها البلاغة والحماسة الشديدة، والثقة والشجاعة والجرأة ورباطة الجأش، وفي قاموسه اللغوي والتي يقول إنه بدونها، كان سيقع جيله من المثقفين المهاجرين تحت رحمة الأكاديميين المرتزقة والصحافيين المغروسين الذين يملؤون اليوم مزاريب وسائل الإعلام، ينطقون بأمراضهم بعربية وفارسية رطنة أو لهجات جنوب آسيا، ولكنهم يتحدثون بلهجة (النحن)، التي تدعو للغثيان، بحد توصيفه، ولكن “في ظل وجود صوت إدوارد سيعد، في موقفه النبيل وفي محيطه الرزين من الثقة، فإن لهجتنا الهشّة من الاعتراضات الصامتة تقريبا وضعف أقوالنا في هذا الأمر، من شأنها أن ترتقي فجأة لتصبح على مستوى الحدث”.

  • في سبيل الختم: هل يستطيع الصومالي التفكير؟

في آذار/مارس 2015 أطلق بعض الناشطين الصوماليين هاشتاق CadaanStudies# (وترجمته دراسات البيض) في وسائل التواصل الاجتماعي، على خلفية إنشاء مجلة أكاديمية باسم “صوماليلاند للدراسات الأفريقية”، وهي مجلة تصف نفسها بأنها: “تُعني بالشؤون الأفريقية عموما، مع التركيز بشكل خاص على شرق أفريقيا والقرن الأفريقي”، كان النقد العام الموجه للمجلة بأن مجلس تحريرها ومستشاريها يتكون من باحثين أجانب، ويخلو من بينهم أي باحث أو كاتب صومالي. بوقت قصير أخذ النقاش عن المجلة ينحو منحى آخر، وتحول إلى مسائل الهيمنة الاستعمارية الأوروبية وإنتاج المعرفة في الأراضي الصومالية، – وهو حقل ما زال بيد الأكاديميين الغربيين، وتهميش الباحث المحلي في الخطاب الأكاديمي الغربي، برز خلالها تعليق لأحد الباحثين الغربيين في حقل الدراسات الصومالية، وهو الألماني ماركيز هنونو؛ العضو في مجلس استشارة المجلة، زعم ماركيز أنه لا يوجد باحث صومالي في العلوم الاجتماعية، وهو ما استدعى ردا من أزيد من مئة باحث وباحثة صوماليين في شتى التخصصات وقّعوا رسالة مفتوحة بعنوان “هل يستطيع الصومالي التحدث؟” انتقدوا من خلالها تلك النزعة الأوروبية الإقصائية في خطاب ماركيز و”مجلة صومالاند”. ونبّهو كذلك إلى أن حقل الدراسات الصومالية بوضعه الحالي برز جنباً إلى جنب مع قدوم الاستعمار الأوروبي، لأجل توفير المعرفة اللازمة لقوى الاستعمار. ومع وضع مابعد الاستعماري الحالي؛ ترتبط الدراسات الغربية بالمقام الأول من أجل توفير الاحتياجات الإعلامية للإمبريالية الأميركية وحلفائها الأوروبيين على ما يسمى “الحرب على الإرهاب”.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.