المنافقون، الكذابون، النمامون في الشعر
يُحكى أن صالح بن عبد القدوس أوجز في أبياته الشعرية واقع المنافقين الذين يظهرون الود ويبطنون الغدر، فقال:
قل للذي لست أدري من تلونه
أناصحٌ أم على غشٍّ يناجيني
إني لأكثر مما سمتني عجباً
يدٌ تشج وأخرى منك تأسوني
تغتابني عند أقوامٍ وتَمدَحُني
في آخرين وكلٌ عنك يأتيني
لقد أدرك العرب قديمًا أن النميمة لا تقرّب مودة إلا أفسدتها، ولا تزيد العداوة إلا اشتعالًا. وكما قال الخليفة المأمون:
“النميمة لا تقرب مودة إلا أفسدتها، ولا عداوة إلا جددتها، ولا جماعة إلا بددتها.”
فالنمام أشبه بالسمّ الذي يسري ببطء في العلاقات حتى يدمرها، وكما قال أحد الشعراء:
من نمَّ في الناس لم تؤمن عقاربه
على الصديق ولم تُؤمَن أفاعيه
كالسيلِ بالليل لا يدري به أحدٌ
من أين جاء ولا من أين يأتيه
- الكذب: مفتاح الخيانة وأساس الزور
أما الكذب، فهو الصفة التي ترافق النمام، إذ أنه يعمد إلى تحريف الحقيقة وتشويه الوقائع. وقد وصفه علي بن عبيدة قائلًا:
“الكذب شعار الخيانة وتحريف العلم وخواطر الزور واعوجاج التركيب.”
وقد أدرك العرب منذ القدم أن الكاذب لا يؤتمن، وأنه قد يمزج الكذب بالصدق ليضلل الناس، فقال أحدهم:
إياك من كذبِ الكذوبِ وإفكهِ
فلربما مزَجَ اليقينَ بشكِّهِ
ولربما ضَحِكَ الكذوبُ تفكُّهاً
وبكى من الشّيءِ الذي لم يبكهِ
ولربما صمتَ الكذوبُ تخلّقاً
وشكا من الشّيءِ الذي لم يشكهِ
النميمة والكذب، هما وجهان لعملة واحدة، وهما من أخطر الصفات التي قد تهدم الثقة، وتفرق الجماعات، وتؤدي إلى زوال الاحترام بين الأفراد. لذا، كان الابتعاد عنهما من الفضائل التي دعا إليها الحكماء والشعراء، لأن الصدق يحفظ المودة، والنزاهة تحمي العلاقات، بينما الكذب والنميمة لا يجلبان سوى الخراب والندم.
- المصدر
المقال مقتبس من كتاب: “مجاني الأدب في حدائق العرب“ للمؤلف رزق الله بن يوسف بن عبد المسيح شيخو (المتوفى عام 1346هـ)، وهو من أبرز الكتب التي جمعت الحكم والأمثال والمأثورات الأدبية عبر العصور.