فن تشكيلي

تجربة التشكيلي “أحمد الجليلي” انعكاس جماليِّ على الواقعية السحرية

Farhat Art Museum Collections

أعماله تستدرج المتلقي نحو جماليات صاخبة الهدوء، تناقضها العجيب والمثير يلقي الضوء على الرمز بتجرّد حر ومنطلق أبعد في الدلالات التي يتكاثف فيها تنوعه التجريبي بين التفكيك والتركيب، مع تركيزه اللوني المتراوح بين ثقل وخفة، يجتاح تفاصيل المفاهيم وهي تنغمس بدقة احترافية حتى تقتحم عوالمه الواقعية والسحرية الرائعة في تناوله المدرك لحقائق الواقع.


هذا الأسلوب الغارق في دهشة السرد البصري الحر والمتخيّل والمتفوّق على واقعه، اختاره التشكيلي العراقي أحمد الجليلي، ليرتّب منافذ الصور والمشاهد التي خزّنتها ذاكرته المتشعّبة في تفاصيل محاكاتها البصرية حتى انعكست على مراياه لتعيد تركيب وتشكيل مواقفه من الواقع بالارتكاز على حواسه الذهنية ومعارفه وأحاسيسه التي تماهت مع رؤاه التشكيلية الناضجة.


يقدّم الجليلي تجربته على مراحل مختلفة تجيد أولا تمريغ السطح في تكاثف اللون وتحترف ثانيا ترتيب المشاهد المتنوّعة لتغوص بها أبعد في صور استطاعت أن تظهر في حضوره الجدّي والمتعمّق شيئا فشيء بين ألوانه المندفعة في تراكماتها من الأزرق البارد والساحر إلى الترابي الثابت والواقعي، وبين ذلك وذاك يتلألأ المفهوم في علاماته وتتفاعل التجربة، التي يقدّمها الجليلي في المشروع الذي انخرط فيه مع نخبة من الفنانين من مختلف أنحاء العالم بعنوان “مدن الخيم” والذي يقدّمه “متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية”.


فالجليلي يطرح موقفه في “الخيمة” التي اقترح تفاصيلها انطلاقا من انتمائه وهويته وبيئته بتشكيل تفاصيل متنوعة مكّنها من أن تحاكي الحضارات المتعاقبة على العراق وتنطلق بها نحو العمق في قصصها بين المبدأ الثابت والوجع الدافق استطاعت تلك التفاصيل أن تجادل الواقع مع الأسطورة، فهذه الرؤية الشاملة هي التي عبّر عنها في جدران الخيمة الرمز أو الخيمة الوطن.


يظهر دجلة والفرات في الخيمة كانتماء حقيقي يميّز العراق الحضارة “بلاد الرافدين”، كما تميّزه الوجوه التي تنبثق من عمق الأسطورة والرموز التي أعاد محاكاتها في مجسّم الثور الذهبي السومري والجاموس المتداخل مع وجع الواقع في رقعة الشطرنج التي تشير إلى تحديات التناقض بين الوجود والعدم في تراكمات مركّبة تنسجم بين فكرتي الحضور المجادل لخواء الفناء في المعازف الحزينة التي تنشد الخلود.


حاول الجليلي في الخيمة التي يعرضها أن يقدّم جزئية هامة وعميقة من الواقع الداكن الذي هدّد ويهدّد منطقة “الأهوار” التي تقع جنوب العراق في منطقة الناصرية وميسان والمحافظات المُحيطة والتي تعدّ منطقة أثرية تمّ إدخالها إلى لائحة التراث العالمي اليونسكو.


وبما أنها من المناطق المهمة في تاريخ العراق الحضاري قامت عليها أولى الحضارات الإنسانية الأولى الحضارة السومرية التي ارتبطت بشكل كبير بالمخلوقات التي عاشت على ضفاف النهر وكذلك الكائنات المائية والأسماك وقد أنتجت تفاصيل الحياة القديمة والحضارة العريقة من خلال آثار متنوعة، وهنا اختار الجليلي أن يقدّم واقع المنطقة استنادا على تاريخها ساردا ما تتعرّض له من تهميش وإهمال بيئي أدى إلى هجرة سكانها ونفوق الحيوانات والتلوث البيئي.


فهو يقول “إن طرحي الفني في الخيمة التي أقدّمها يرتكز على موضوع الأهوار لأني أقدّمها في شكل البيوت القديمة التي تقام من القصب ارتكز الضلع الأول فيها على الهجرة والنفوق والصراع المتناقض بين البقاء والفناء الذي يبدو في رجل يركب زورقا ومعه رفاة هيكل عظمي لجاموس يمضي عكس التيار ويتقدم عكس اندفاع الحضارة التي تجري تحته إلى الأمام بحثا عن ما تبقى من تلك الحضارة ومن آثارها،

وهي رؤية لا تقف عند المنطقة فحسب ولا عند الحضور البيئي والحياة الطبيعية بل تنشد عودة الحياة بتفاصيلها واسترداد الملامح البهيجة في تفصيلات الحياة اليومية التي تميّز الانسان العراقي”.


يبدو الإطار العام للمشهد جماليا ينعكس في ثراء المنطقة وتاريخها، يظهر فيه التمشي الميتافيزيقي أشبه بخيال دافع للواقع ضمن غرائبية شاسعة الخيال رقراقة التدفق والتهاطل خاصة وهي تحاكي أمثولة الأنثى والسمكة والرجل والمركب الزورق وعلاقة السعي المندفع بين غواية الحياة والعمل فيها وبين الاندفاع الحالم والتدفق العميق،

فالسمك في معانيه التشكيلية ورمزيته السومرية يعتبر رمزا للخصوبة وتجدّد الحياة والتمازج مع السمك خلق كائنا أسطوريا كان له تأثيره على مختلف الحضارات القديمة وبالخصوص حضارة بلاد الرافدين كما هي الأسطورة السومرية في “شوروباك” مثلا التي تجسّد تزاوج الانسان والأسماك.


في تكاملات العمل الذي يقدّمه الجليلي لا ينفصل الانسان عن بيئته بل يتجاذب معها في تدفق منسجم في تفاصيلها المتعبة والمرهقة وحنينها المتجدّد بالأمل لا يختلف عنها ولا يشعر بالاغتراب منها فهو يتكامل مع فصولها ومواسمها مع مصاعبها وأزماتها، لذلك يجسّد الجليلي تلك الغربة الحالية بأسلوب الواقعية الساحرة حتى يتحرّر في رموزه ومفاهيمه وهو يربط الواقع بالأسطورة وحتى يجد المتلقي متعة في الانصهار الكامل مع مشاهده وخياله.


  • الأعمال المرفقة:

متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية – Farhat Art Museum Collections

close

مرحبا 👋

قم بالتسجيل في النشرة البريدية لتتوصل بجديد مقالات منصة "بالعربية"، كل أسبوع.

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

بشرى بن فاطمة

صحفية وكاتبة تونسية؛ خريجة معهد الصحافة وعلوم الاخبار بتونس صحافة مكتوبة اختصاص ثقافة وفنون. عملت بعدة صحف ومجلات تونسية وعربية وانخرطت في عدة جمعيات تونسية تعنى بالأنشطة الثقافية العربية وتنظيم التظاهرات الفنية. قدمت عدة بحوث في مجال الفنون التشكيلية منها كتاب تأثير الاستشراق في الحركة الفنية التشكيلية العربية والغربية الصادر عن مؤسسة الديوان الثقافية المصرية وسيصدر لي قريبا بحث بعنوان "مفاهيم الفراغ في التشربة التشكيلية النسائية العربية". لي عدة محاولات في ترجمة مقالات انجليزية وفرنسية عن الفنون البصرية شاركت بها في عدة مشاريع بحثية أهمها كتاب "الفيديو آرت وتأثيره على التجربة العربية والخليجية" للكاتب والباحث السعودي يوسف الحربي. نشاطي الجمعوي والتنشيطي الميداني قدمت ورشات في التحليل والقراءة الفنية للوحة والصورة الفتوغرافية والكتابة النقدية والتحرير والسرد من خلال ربطها بالجوانب الأدبية والمشاركة في الكتابة متعددة الوسائط والجمع بين الفنون. شاركت كمستشارة فنية بالتعاون مع جمعية الثقافة والفنون بالدمام بالملتقى الدولي الأول لفن الفيديو في دورته الأولى التي اختصت لأول مرة في الفيديو آرت بالمملكة العربية السعودية 2018.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لمشاهدة المحتوى يرجى تعطيل كابح الإعلانات