أخبار ومتابعاتنقد

“محمد الداهي” يتوج بجائزة الشيخ زايد للكتاب فرع الفنون والدراسات النقدية

توج الباحث والناقد الأكاديمي المغربي الأستاذ محمد الداهي بجائزة الشيخ زايد للكتاب فرع الفنون والدراسات النقدية خلال الدورة السادسة عشرة (ماي 2022) عن عمله الموسوم بالسارد وتوأم الروح؛ من التمثيل إلى الاصطناع (2021) عن المركز الثقافي للكتاب، ويعد العمل استكمالا لمشروعه التنظيري لأشكال الكتابة عن الذات بعد كتابيه: شعرية السيرة الذهنية؛ محاولة تأصيل (2000)، والحقيقة الملتبسة؛ قراءة في أشكال الكتابة عن الذات (2007)، الكتاب من تقديم الكاتب سعيد بنكراد؛ ويقع في أربع مئة صفحة من الحجم المتوسط، وتم تقسيمه إلى ثلاثة أقسام، وكل قسم إلى ثلاثة فصول، والعمل في مجمله اشتغال على قضايا تهم الزمن، وقضية الحقيقة، وقضية الواقع، وصورة الكاتب، مع التركيز على موقع القرين أو قرنائه في السرد. وحسب صاحبه – الكاتب محمد الداهي – يخوض عموديا في مواقع القرين، وأفقيا على ألاعيب التحقق، من خلال الخطاب المتناول للحقيقة وذلك من خلال ثنائية ملفوظات الواقع والتخييل، ومدى ملازمتها لخطاب المؤلف أو قرينه. 


  • الغاية من المحكيات الذاتية؛

يقدم الكاتب في هذا العمل إجابة لسؤال الغاية من دراسة المحكيات الذاتية ؟ إذ يرى أنها تثير قضايا تم تهميشها من قبل التاريخ، مما يجعلها جزءا من السندات المهمة التي يجب الاهتمام بها لسد فجوات الحقيقة التاريخية، وقد حاول الكاتب محمد الداهي مقاربتها في كتابه النقدي الأخير المعنون بـ”السارد وتوأم الروح؛ من التمثيل إلى الاصطناع”، من خلال اعتبار الهدف من كتابتها ليس منافسة التاريخ – حسب قول الكاتب -؛ بل السعي لإتاحة الحقيقة بطريقة مغايرة وأكثر أريحية أمام المؤرخ، في إثارتها قضايا لم يكن لها أن تثار لولا هاته المحكيات، كيف لا وقد أتاحت فرصة أمام المضطهدين الذين لم ينصفهم التاريخ ووثائقه، ومكنهم الحكي الذاتي من الإدلاء بشهاداتهم إزاء فترة من الفترات التاريخية، وبالتالي فكاتب السيرة الذاتية غالبا ما يكون شاهدا على فترة من فترات التاريخ، أو مشاركا في أحداث بعينها. فالتاريخ بالنسبة إليه لا ينقل الحقيقة (الأحداث كما وقعت)؛ فواهم من يعتقد أن التاريخ يسرد نفسه بنفسه (وهم وحدانية التاريخ)؛ وذلك لتعدد صيغ وزوايا سرده، وبقدر تعدد الزوايا تتعدد الحقيقة، لذلك فالمحكيات تتيح أمام المؤرخ قراءة الواقعة / التاريخ من خلال خطاب القصة والتي تفتح أمامه آفاقا جديدة للكشف عن المغيب والمنسي في الذاكرة الجماعية.


  • الكتابة عن الذات ومواكبة عصر الشك “ما بعد الحداثة “

وفي سعي الكتابة عن الذات نحو مواكبة عصر الشك “ما بعد الحداثة” – حسب الكاتب- فقد انتقلت الذات من التستر عن البوح والكتابة بأسماء مستعارة إلى مشاركة الحياة الحميمية مع الجميع وأصبحت بالتالي إرثا مشتركا بين الجميع من خلال المزايا التي وفرتها التكنولوجيا وخاصة منها الصورة والتي حلت محل الواقع ودفعت بالدراسات النقدية لإعادة النظر في المطابقة بين الكتابة والوجود. هذه المواكبة دفعت بالسيرة الذاتية لتغيير جلدها، ومعها الإفضاء إلى جنس هجين اصطلح عليه “سيرج ديبروفسكي”؛ التخييل الذاتي، وهي كتابة برزخية يتجاذب ويتنازع فيها السير ذاتي والروائي. ” عندما تنتابني الرغبة في التذكر، أخلق من جديد” إن مهمة الناقد أصبحت تتمثل في كشف كيفية تشييد الحقيقة السردية، والتي لا تكمن فقط في علاقات التطابق أو اللاتطابق بين القصة والواقع، وإنما تقتضي مراعاة موقف المتلفظ، ورد فعل المتلقي، وطبيعة العلاقة التي تجمعهما. 


وانطلاقا من هذا المستجد أشار الكاتب محمد الداهي لصعوبة تمثل القارة المجهولة المتمثلة في صياغة الأحداث وعلاقتها بجدلية التخييل والواقع ( الحقيقة الخارجية)، معتبرا قارة اللاشعور (الحقيقة الداخلية) أيضا لا تقل أهمية عن الحقيقتين؛ التاريخية والخارجية، فالمؤلف يتغلغل في هاته الذات – ذاته- ساعيا لاستيعاب امتداداتها الداخلية، إنها على حد قول جيروم كرسان “مسرح حميمي تؤدي فيه الذات دورا على الخشبة مفضية أسرارها الحقيقية والمفترضة، ومستعرضة هندامها على الطريقة الاستعرائية (شكل من أشكال الجرأة والبوح السيرذاتيين) وتعززها الذات أحيانا بما يحيط بالكاتب: صوره حصيلة منجزاته جوائزه المحصل عليها … فهو يعرض بذلك نفسه داخل فنه وخارجه”. وكل ذلك – يعلق الكاتب محمد الداهي – لا يمثل حياته الشخصية إنما مجرد تمثيل لحياتها الحميمية من بين تمثيلات أخرى يمكن أن تقوم بها.


  • الكتابة عن الذات من السيرة الذاتية إلى التخييل الذاتي؛

وقد أبدى الكاتب محمد الداهي رأيه حول اعتبار بعض النقاد التخييل الذاتي امتدادا للسيرة الذاتية، أنه سيرة ذاتية للفترة ما بعد حداثية؛ معتبرا الأمر أعقد من ذلك لكون الكتابة السردية قد واكبت إبدالات الما بعد حداثية ومعها الانتقال من: التمثيل والمشابهة والمطابقة والوعي بالذات، إلى التصنع والاصطناع وتبادل الأدوار والأقنعة وتعدد الذاتيات والأصوات، وتملك ذاتية الآخر، ومعها الانتقال من المشابهة القائمة على (المشابهة؛ أوجه الشبه بين المشبه والمشبه به) إلى (المشابهة الفائقة؛ تشبه المتشبه بالمتشبه به وتصنعه)، وفيه لم تعد تهم مدى صحة الواقع أو زيفه بل توليد الخيال واختلاق الواقع (جون بودريار: إعادة تدوير النفايات والأحلام والاستيهامات)، ولم تعد السلطة السردية تقتصر على السارد الوحيد، بل انتقلت إلى تعدد الأصوات داخل السرد وتقنع القرين بأقنعة مختلفة.

ومنه اعتبر منطقة تقاطع المستويين اللذين يخوض فيهما الكتاب العمودي (مواقع القرين) والأفقي (مشكل التحقق أو ألاعيب الحقيقة) تتمثل في أشكال تأويل العالم وعلاقتنا به، والتي انتقلت من تمثيل الواقع والاعتناء بالأسلوب الأدبي الرفيع، إلى الواقعية الحديثة من خلال الاهتمام بالحياة اليومية وبتعدد الأساليب وتمازجها بين الرفيع بالوضيع والمبتذل بالبديع، وصولا إلى وهم الواقع وشبيهه من خلال الواقع الفائق، ومعه الانتقال من المشابهة إلى المشابهة الفائقة. 

يذكر أن الكتاب نم اختياره ضمن ثلاثة أعمال تم ترشيحها في القائمة القصيرة وضمن سبعة أعمال في القائمة الطويلة وشهدت الجائزة التي ينظّمها مركز أبوظبي للغة العربية التابع لدائرة الثقافة والسياحة– أبوظبي، مشاركة واسعة من فئة الكتّاب الشباب من مختلف دول العالم، وبلغ عدد الترشيحات أكثر من ثلاث آلاف مشاركة من خمس وخمسين دولة من بينها عشرين دولة عربية، وخمس وثلاثين أجنبية، وفاز فيها ستة أدباء ومفكرين ومترجمين؛ فبالإضافة لجائزة فرع الفنون والدراسات النقدية التي حازها الكاتب محمد الداهي فقد عادت جائزة فرع الآداب للشاعرة الروائية الإماراتية ميسون صقر عن كتابها “مقهى ريش، عين على مصر”، كما توجت بجائزة فرع أدب الطفل والناشئة الكاتبة ماريا دعدوش عن قصتها “لغز الكرة الزجاجية”، بينما حصد الكاتب محمد المزطوري جائزة عن فرع المؤلف الشاب عن كتابه “البداوة في الشعر العربي القديم”، وفاز الكاتب أحمد العدوي بجائزة الترجمة عن كتاب “نشأة الإنسانيات عند المسلمين وفي الغرب المسيحي” للمؤلف جورج مقدسي، ونال فرع الثقافة العربية في اللغات الأخرى الكاتب العراقي محسن جاسم الموسوي عن كتابه “ألف ليلة وليلة في ثقافات العالم المعاصر: التسليع العولمي والترجمة والتصنيع الثقافي”، بالإضافة إلى مكتبة الإسكندرية التي حازت جائزة النشر والتقنيات الثقافية، كما شهدت الدورة حجب جائزة فرع التنمية وبناء الدولة لعدم استيفاء الأعمال المشاركة للمعايير الأدبية والعلمية المطلوبة.


عبد الله أبويه. [email protected]

عبد الله أبويه

بالعربية: موقع عربي غير حكومي؛ مُتخصص في اللّغة العربية وعلومِها ومباحثِها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لمشاهدة المحتوى يرجى تعطيل كابح الإعلانات