مجالات البحث التداولي وبنيته المفهومية

Pragmatics

نشأت التداولية (Pragmatics) في سياق نقد المقاربات اللغوية التي حصرت المعنى في البنية الشكلية أو الدلالة المعجمية، فجاءت لتؤكد أن المعنى لا يُستخلص من الجملة في ذاتها، بل من استعمالها في سياق تواصلي محدد. وانطلاقًا من هذا التصور، اهتمت التداولية بما يمكن تسميته بـ المعنى الاستعمالي، أي المعنى الذي يتشكل داخل علاقة تفاعلية بين متكلم معيَّن ومتلقٍ معيَّن، وفي وضعية تواصلية مخصوصة.

وقد تبلور البحث التداولي تاريخيًا بعد مرحلتين أساسيتين في الدرس اللغوي:

  1. المرحلة البنيوية/التركيبية التي انشغلت ببنية الجملة.
  2. المرحلة الدلالية التي ركزت على معنى الوحدات اللغوية.

أما التداولية فجاءت لتكمل هذا المسار، معتبرة أن المعنى لا يكتمل إلا بإدماج السياق، والنية، والعلاقة بين أطراف التخاطب. ومن هنا اتسعت مجالات البحث التداولي لتشمل دراسة القول في علاقته بالمتكلم والمخاطب والظروف المحيطة به.

وقد استقر الرأي في الأدبيات التداولية على أن البحث التداولي يقوم، في بنيته الأساسية، على أربعة محاور كبرى:

  1. الإشاريات (Deixis)
  2. الافتراض السابق (Presupposition)
  3. الاستلزام الحواري (Conversational Implicature)
  4. الأفعال الكلامية (Speech Acts)

وسيقتصر هذا العرض على المحورين الأولين، لما لهما من مركزية في بناء المعنى التداولي.

1. مفهوم الإشاريات:

تشير الإشاريات إلى تلك العناصر اللغوية التي لا يمكن تفسير معناها إلا بالرجوع إلى السياق الذي استُعملت فيه. فهي وحدات لغوية مرتبطة مباشرة بمقام التخاطب، ويستحيل فهمها أو تحديد مرجعها في عزلة عن وضعية الاستعمال.

ولتوضيح ذلك، إذا قُرئت الجملة التالية خارج سياقها:

«سوف يقومون بهذا العمل غدًا»

بدت شديدة الغموض؛ لأنها تتضمن عدة عناصر إشارية، مثل:

ولا يتضح المقصود بهذه العناصر إلا إذا عُرف:

ومن هنا تُعرَّف الإشاريات – وتُسمى أحيانًا المعينات – بأنها تعبيرات لغوية تُحيل إلى مكونات السياق الاتصالي، مثل: المتكلم، المخاطب، الزمان، المكان، والعلاقة الاجتماعية بين أطراف التخاطب.

2. أنواع الإشاريات:

تنقسم الإشاريات في الدرس التداولي إلى أربعة أنواع رئيسة:

  1. الإشاريات الشخصية (Personal Deixis)
  2. الإشاريات الزمانية (Temporal Deixis)
  3. الإشاريات المكانية (Spatial Deixis)
  4. الإشاريات الاجتماعية (Social Deixis)

تُعد الإشاريات الشخصية أوضح أشكال الإشارة، وتشمل أساسًا الضمائر التي تدل على:

غير أن استعمال الضمائر قد يفضي إلى لبس دلالي، خاصة في الحالات التالية:

فإذا قال شخص مثلًا:

قال زيد: «أنا قادم الليلة»

فإن الضمير «أنا» لا يُفهم إلا إذا أُحيل إلى قائله الأصلي (زيد)، وإلا وقع الالتباس بين المتكلم الحالي والمتكلم المنقول عنه.

تشير الإشاريات الزمانية إلى الزمن، لكنها لا تحدده تحديدًا مطلقًا، بل تقيسه دائمًا على زمن التلفظ، أي الزمن الذي ينطق فيه المتكلم كلامه، وهو ما يُعد مركز الإشارة الزمنية.

فعندما يقول المتكلم:

«نلتقي الساعة العاشرة»

فإن معنى «الساعة العاشرة» يظل معلقًا إلى أن يُعرف:

ومن هنا يتبين أن الإشاريات الزمانية لا تحمل معناها الكامل إلا داخل سياقها التداولي.

تتعلق الإشاريات المكانية بتحديد المكان بالقياس إلى موقع المتكلم وقت التلفظ، أو إلى مكان معلوم لدى المخاطب. وهي تعتمد على مفاهيم القرب والبعد، مثل: هنا، هناك، هذا، ذاك.

ولا يمكن تفسير هذه العناصر إلا بالرجوع إلى السياق المادي المباشر للكلام. فالألفاظ مثل هنا وهناك تظل فارغة دلاليًا ما لم يُعرف موضع المتكلم أو نقطة الإشارة.

في اللغة الإنجليزية:

في اللغة الكورية:

ويُلاحظ أن بعض الأفعال الحركية، مثل يأتي ويمضي، تتأثر بما يسمى التقابل الإشاري:

الإشاريات الاجتماعية (Social Deixis)

تُحيل الإشاريات الاجتماعية إلى طبيعة العلاقة الاجتماعية بين أطراف التخاطب، من حيث:

الإشاريات الاجتماعية في اللغة العربية

تشمل صيغًا متعددة، من بينها:

وتؤدي هذه الصيغ وظيفة تداولية أساسية، تتمثل في ضبط العلاقة الاجتماعية وحفظ مسافة الاحترام داخل الخطاب.

الإشاريات الاجتماعية في اللغة الكورية

تُعد اللغة الكورية نموذجًا غنيًا في هذا المجال، إذ تضم سبعة مستويات للكلام، تختلف باختلاف العلاقة بين المتكلم والمخاطب.

ومن أبرز أنماطها:

كما تُستخدم ألقاب مثل:

وتختلف نهايات الأفعال حسب المقام:

ويظهر ذلك بوضوح في صيغ التحية:

الافتراض السابق (Presupposition)

يشير الافتراض السابق إلى المعرفة المشتركة بين المتكلم والمتلقي، أي تلك المعلومات التي يفترض المتكلم أنها معلومة سلفًا لدى المخاطب، ويبني عليها خطابه.

فإذا قال شخص لآخر:

«أغلق النافذة»

فإن الخطاب يفترض ضمنًا:

وتتحدد هذه الافتراضات من خلال سياق الحال والعلاقة بين أطراف التخاطب، مما يجعل الافتراض السابق عنصرًا جوهريًا في نجاح التواصل وبناء المعنى التداولي.

يتضح من هذا العرض أن التداولية لا تدرس اللغة بوصفها نسقًا مجردًا، بل باعتبارها فعلًا تواصليًا مشروطًا بالسياق والنية والعلاقة الاجتماعية. وتمثل الإشاريات والافتراضات السابقة أدوات مركزية لفهم كيف يُنتج المعنى ويُتداول داخل الخطاب الإنساني.

Exit mobile version