
يرتبط البحث في “الاستلزام الحواري” (Conversational Implicature)؛ باسم الفيلسوف اللغوي هربرت بول غرايس (H. P. Grice)، الذي لاحظ أن التواصل الإنساني لا يقوم على التطابق التام بين ما يُقال وما يُقصد، بل يتأسس على فجوة دلالية واعية يستثمرها المتكلم والسامع معا.
ففي المحادثات اليومية، قد:
- يقول الناس ما يقصدونه حرفيا،
- أو يقصدون أكثر مما يقولون،
- أو يقصدون عكس ما يقولون ظاهريا.
وانطلاقا من هذا التعدد، سعى غرايس إلى تفسير الفرق بين الملفوظ المنطوق والمعنى المقصود؛ فالمعنى المنطوق هو ما تدل عليه الألفاظ والتراكيب في مستواها الظاهر، أما المعنى المقصود فهو ما يهدف المتكلم إلى إيصاله بصورة غير مباشرة، اعتمادا على قدرة السامع على الاستدلال، واستحضار أعراف الاستعمال وسياق التخاطب.
ومن هنا نشأت فكرة الاستلزام الحواري، بوصفه جسرا تداوليا يصل بين:
- المعنى الصريح (Explicit Meaning)
- والمعنى المتضمَّن أو غير المصرَّح به (Implicit Meaning)
مبدأ التعاون: الأساس التداولي للمحادثة:
يرى غرايس أن نجاح التخاطب مرهون بوجود مبدأ التعاون (Principle of Cooperation)، وهو مبدأ تداولي يفترض أن المشاركين في الحوار يتصرفون على نحو يضمن استمرار التواصل وتحقيق غايته.
ويُصاغ هذا المبدأ في قاعدته العامة على النحو الآتي:
اجعل مساهمتك في الحوار على القدر المطلوب، وفي الوقت المناسب، وبما يخدم الغرض المشترك للمحادثة.
ويتفرع عن هذا المبدأ أربعة مبادئ جزئية تحكم السلوك اللغوي أثناء التفاعل الكلامي:
1. مبدأ الكم (Principle of Quantity)
ويقضي بأن يقدم المتكلم من المعلومات ما هو مطلوب فقط، دون إفراط أو تقصير، حتى لا يخلّ بتوازن الخطاب أو يربك المتلقي.
2. مبدأ الكيف (Principle of Quality)
ويُلزم المتكلم بألا يقول ما يعتقد أنه غير صحيح، وألا يدّعي ما يفتقر إلى الدليل أو البرهان.
3. مبدأ العلاقة أو المناسبة (Principle of Relevance / Relation)
ويشترط أن يكون الكلام ذا صلة مباشرة بموضوع الحوار، موجّها نحو هدف محدد، دون انحراف عن محور التخاطب.
4. مبدأ الطريقة (Principle of Manner)
ويتمثل في وضوح التعبير وتنظيمه، وتجنب الغموض والالتباس، مع الميل إلى الإيجاز والترتيب المنطقي.
- انتهاك مبادئ التعاون ونشأة الاستلزام الحواري:
على الرغم من مركزية مبدأ التعاون، لاحظ غرايس أن المتكلمين كثيرا ما ينتهكون هذه المبادئ عمدا، لا بسبب الجهل أو الفوضى، بل لتحقيق مقاصد تداولية أعمق.
وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن مبدأ التعاون يمثل تصورا مثاليا أكثر منه وصفا دقيقا للواقع التخاطبي، غير أن غرايس رأى أن هذا الانتهاك الواعي للمبادئ هو نفسه مصدر الاستلزام الحواري؛ إذ يدفع السامع إلى البحث عن معنى غير مصرح به ينسجم مع افتراض التعاون.
- مبدأ التأدب في الكلام: البعد الاجتماعي للتداولية:
إلى جانب مبدأ التعاون، أبرز غرايس أهمية مبدأ التأدب (Politeness Principle) في تنظيم التفاعل اللغوي، وهو مبدأ يفرض على المتكلمين مراعاة المقام الاجتماعي، واحترام مشاعر المخاطب، خاصة في المواقف الحساسة كالإخبار بأمر مزعج، أو توجيه النقد، أو الاعتذار.
ولا يتخذ التأدب شكلا واحدا في جميع الثقافات، بل يختلف باختلاف البيئات الحضارية؛
ففي بعض الثقافات، كالثقافة الكورية، يبدأ الاعتذار بصيغته المباشرة ثم تُذكر الأسباب، بينما يميل المتحدث العربي إلى تقديم الأسباب أولا ثم صيغة الاعتذار. وقد يؤدي هذا التباين الثقافي في استراتيجيات التأدب إلى سوء الفهم بين المتخاطبين من ثقافات مختلفة.
- خلاصة:
يتضح من تصور غرايس أن التداولية لا تدرس اللغة بوصفها نسقا شكليا فقط، بل باعتبارها فعلا تواصليا عقلانيا واجتماعيا، يقوم على التعاون والاستدلال واحترام المقام. ويغدو الاستلزام الحواري أداة مركزية لفهم كيف يُنتج المعنى ويتجاوز حدود اللفظ الظاهر إلى أفق المقاصد غير المصرَّح بها.