التداولية في التراث العربي: الجذور المفهومية وأبعاد الاستعمال

تُظهر دراسة التداولية، في ضوء المنجز اللساني الحديث، أن كثيرا من مبادئ التداولية المعاصرة لم تكن غريبة عن التراث العربي، وإن وردت فيه بمصطلحات ومفاهيم مغايرة. فمنذ البدايات الأولى للدرس اللغوي، مرورا بالنحاة والبلاغيين، وصولا إلى الأصوليين، نجد حضورا واضحا لقضايا القصد، والسياق، والمخاطب، والتأثير، وهي القضايا نفسها التي تشكل اليوم لبّ النظرية التداولية.

يُعدّ مبدأ القصدية من الركائز الأساسية في التداولية الحديثة، وهو المبدأ الذي يربط البنية اللغوية بمراد المتكلم. وقد تجلّى هذا المبدأ بوضوح في أعمال سيبويه، لا سيما في تحليله للأفعال التي تتعدى إلى مفعولين، مثل فعل ظنّ.

فسيبويه يبيّن أن اختيار المتكلم لصيغة المفعولين، صريحين كانا أو في صورة جملة مصدرية، إنما يخضع لقصد المتكلم ومراده: أ意ريد الإخبار عن يقين، أم عن شك؟ وبذلك تصبح البنية النحوية تابعة للغرض التداولي، لا مجرد قالب شكلي.

تبلغ القصدية التداولية مستوى أعمق في نظرية عبد القاهر الجرجاني، الذي أقام تصوره البلاغي على مبدأ إلحاق الألفاظ بالمعاني وربطهما بمقاصد المتكلمين. فذكر المفعول أو حذفه، والتقديم والتأخير، والوصل والفصل، كلها عنده عمليات تخضع لغرض الناطق وما يسميه بـ «معاني النفس».

ويؤكد الجرجاني أن اختلاف الأغراض يؤدي إلى اختلاف البنية، وهو ما يجعل الخطاب نتاجا لتفاعل المعنى، واللفظ، والمقصد، لا مجرد تركيب لغوي معزول.

لا تقتصر التداولية على قصد المتكلم وحده، بل تمتد إلى مراعاة المخاطب بوصفه عنصرا فاعلا في التواصل. وقد نبّه سيبويه إلى هذا البعد في حديثه عن الإخبار بالنكرة، حيث يربط قبول الصيغة أو حسنها بحال المخاطب ومعرفته السابقة.

فقوله: «ما أحد مثلك»، لا يُقاس فقط من حيث صحته النحوية، بل من حيث ما يضيفه للمخاطب من فائدة جديدة، وهو ما يقارب مفهوم الإفادة التداولية في اللسانيات الحديثة.

يبرز الجاحظ بوصفه من أوائل من صاغوا تصورا واضحا لمبدأ المقام في التواصل. فقد جعل من شروط البلاغة الناجحة أن يراعي المتكلم حال مخاطبه، مؤكدا:

«لا يُحدّث سيد الأمة بكلام الأمة، ولا الملوك بكلام السوقة».

ويرى الجاحظ أن نجاح الخطاب مرهون بميزان دقيق بين:

وهو ما يجعل لكل مقام مقاله، ولكل فئة خطابها المناسب.

يركز حازم القرطاجني على أن التأثير هو الغاية النهائية للخطاب، وأن بعض الخصائص الشكلية قد تُنتهك إذا كان ذلك يحقق الغرض التداولي. ويذكر لذلك وسيلتين أساسيتين:

  1. الإقناع المرتبط بالحجاج
  2. التخييل بوصفه أداة تأثيرية مركزية في الشعر والخطابة

ويعضد ابن سينا هذا التصور حين يقرر أن الشعر العربي يُقصد به إما التأثير في النفس استعدادا للفعل أو الانفعال، أو إثارة العجب عبر التخييل، وهو ما يضع الخطاب في صميم الوظيفة التداولية.

تولي التداولية أهمية خاصة لما يمكن تسميته بـ العقد اللغوي، أي القاسم المشترك بين أطراف الخطاب من أعراف لغوية وتأليفية وتأويلية. وقد أشار سيبويه إلى هذه المرجعية الجماعية حين ربط الاستعمال الصحيح بعهد البيئة اللغوية، كما في تشبيه لات بـ ليس عند أهل الحجاز.

كما يتجلى ذلك في تقسيمه لأضرب الكلام إلى مستقيم ومحال، حيث يُرفض القول لا لخلل نحوي فحسب، بل لعدم انسجامه مع منطق الاستعمال والسياق الزمني.

من أبرز الإسهامات التراثية في التداولية العناية بالجانب غير اللغوي في التخاطب. فقد ميّز الجاحظ بين أنماط متعددة للدلالة، من أهمها:

ويرى أن هذه الوسائط قد تؤدي من المعنى ما يعجز عنه اللفظ وحده. ويكمل ابن جني هذا التصور حين يبين أن الأداء الصوتي وحركات الوجه قد تحسم الدلالة بين المدح والذم، كما في بعض التراكيب المحتملة.

بلغ الوعي بأطراف العملية التخاطبية ذروته عند الأصوليين، بحكم انشغالهم بفهم الخطاب الشرعي وآثاره العملية. فقد درسوا:

مع مراعاة السياق، والمقصد، وحال المخاطب، وهو ما يشكل نموذجا تداوليا متكاملا قبل ظهور التداولية الحديثة.

يتضح مما سبق أن مفاهيم التداولية الأساسية، مثل:

كلها مفاهيم قابلة للتوظيف في قراءة التراث العربي قراءة تداولية، بما يثبت أن التداولية ليست وافدا معرفيا صرفا، بل لها جذور راسخة في الفكر اللغوي والبلاغي العربي.

صاغ الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن سنة 1970 مصطلح التداوليات بوصفه مقابلا عربيا لمصطلح Pragmatics، وعرّفها بأنها:

«الدراسات التي تختص بوصف – وإن أمكن تفسير – العلاقات التي تجمع الدوال الطبيعية ومدلولاتها وبين الدالين بها».

ويؤكد أوزفالد ديكرو أن التداولية تهتم بكل ما يتعلق بمعنى القول في مقام استعماله، لا بالبنية اللغوية وحدها، بل أيضا بأثر القول في المقام، مما يجعل موضوع التداوليات هو العلاقة التفاعلية بين التعبير اللغوي والتأثير غير اللغوي في سياق التواصل.

إن التداولية، في بعدها الحديث، تمثل أداة تحليلية فعالة لإعادة قراءة التراث العربي، والكشف عن عمق التفكير اللغوي الذي تعامل مع اللغة بوصفها فعلا تواصليا مقصودا، لا مجرد بنية شكلية.

Exit mobile version