
تُعدّ التداولية أحد المكوّنات المركزية في النظرية السيميائية الحديثة، إذ تعنى بدراسة العلاقات القائمة بين العلامات اللغوية ومستخدميها في سياقات الاستعمال الفعلي. فهي لا تكتفي بتحليل البنية الداخلية للعلامة، ولا بعلاقاتها الدلالية المجردة، بل تتجه إلى فحص شروط إنتاج المنطوقات، وكيفية تداولها، وتأويلها داخل مواقف تواصلية محددة.
ويؤكد فان دايك أن التداولية ينبغي أن تُخصّص للمجال العملي أو الإجرائي للغة، أي لدراسة القوانين التي تحكم استعمال النظام اللغوي، والآثار التي يخلّفها هذا الاستعمال في إنتاج الخطاب وفهمه. ومن ثمّ، فإن التداولية تسهم أساسا في تحليل الشروط التي تجعل المنطوقات مقبولة أو غير مقبولة في موقف تواصلي معيّن لدى جماعة لغوية بعينها.
2. الجذور الفلسفية والاجتماعية للتداولية:
استمدّت التداولية أسسها النظرية من فلسفة اللغة، ولا سيما من نظرية أفعال الكلام (Speech Acts Theory)، كما استفادت من تحليل المحادثة (Conversation Analysis)، ومن الدراسات الأنثروبولوجية والاجتماعية التي كشفت عن أثر الاختلافات الثقافية في التفاعل اللغوي.
وبهذا المعنى، فإن التداولية تمثل مجالا بينيا يتقاطع فيه اللساني بالفلسفي والاجتماعي، حيث تُدرس اللغة بوصفها ممارسة اجتماعية موجّهة، لا مجرد نسق شكلي مغلق.
3. مجالات تحليل التداولية في الاتصال:
يمكن تناول التداولية في إطار الاتصال اللغوي من أربعة محاور كبرى:
- التداولية وقوانين التفاعل
- التداولية وقوانين التفسير
- التداولية والمقصدية
- التداولية والموقفية
التداولية وقوانين التفاعل
إذا كانت اللغة نظاما يتكوّن من عناصر متفاعلة، فإن السلوك الاتصالي (Communication Behavior) يكشف أن هذا النظام لا يشتغل إلا ضمن شبكة من القواعد التفاعلية غير اللغوية. فالتداولية تنظر إلى اللغة باعتبارها نظاما تفاعليا، يرتبط فيه اللساني بالثقافي، والمؤسسي بالموقفي.
وتُعرّف قوانين التفاعل (Rules of Interaction) بأنها مجموعة من القواعد الكامنة التي تضبط توقيت الكلام، وكيفية أدائه، وتواتره داخل جماعة لغوية معينة. وهذه القوانين تختلف باختلاف الثقافات والمجتمعات.
فمثلا، تُظهر الدراسات التداولية أن المجتمعات العربية، وشعوب حوض البحر الأبيض المتوسط، وأمريكا اللاتينية تميل إلى تقليص المسافة الفيزيقية في التفاعل الشفهي، بينما تفضّل مجتمعات شمال أوروبا الحفاظ على مسافة أكبر بين المتخاطبين. وعندما تُنتهك هذه القواعد التفاعلية، ينشأ الارتباك أو سوء الفهم، ما يبرز دور التداولية في تفسير نجاح أو فشل التواصل.
التداولية وقوانين التفسير
تمتلك الجماعات الكلامية أنماطا خاصة لتفسير الرسائل، سواء كانت لفظية أم غير لفظية. وتُعدّ قوانين التفسير (Rules of Interpretation) جزءا أساسيا من الكفاءة التداولية، إذ تختلف من ثقافة إلى أخرى، بل قد تختلف داخل المجتمع الواحد تبعا لاختلاف الخلفيات العقدية والاجتماعية.
وترتبط هذه القوانين بنظم الاعتقاد، وبالتصورات المشتركة حول المعنى، وهو ما يجعل الوعي بالفروق التأويلية شرطا ضروريا لنجاح الاتصال بين الثقافات، ويجعل التداولية أداة مركزية في تحليل سوء الفهم الثقافي.
التداولية والمقصدية
شكّل التمييز بين العوامل الداخلية للنص والعوامل الخارجية عنه أحد أبرز إنجازات اللسانيات النصية. وقد أُدرجت هذه العوامل الخارجية ضمن مجال تداولية النص، التي تهتم بدراسة الدوافع والاستراتيجيات التي تحكم إنتاج النص واستقباله.
ويشير سفونسكي إلى أن تداولية النص تعنى أساسا بعوامل التحقيق النصي الخارجة عن النص، بوصفها عناصر حاسمة في إنجاز النص وصياغته وتحديد مقصده.
كما حدّد دي بوجراند ودريسلر سبعة معايير للنصية (Textuality)، واعتبرا القصدية (Intentionality) والموقفية (Situationality) من المعايير التداولية الأساسية. فالقصدية تعبّر عن نية منتج النص، وعن الاستراتيجيات التي يعتمدها لتحقيق غاياته التواصلية، وقد تشمل أحيانا تقليل درجة الحبك أو الغموض المتعمّد من أجل إحداث تأثير مخصوص.
ويؤكد دِل هايمز أن الأغراض والأهداف (Purposes and Goals) مكوّن جوهري في كل حدث كلامي، إذ يمكن للمتكلمين تسخير النظام اللغوي لخدمة أهداف شخصية أو جماعية أو فنية.
التداولية والموقفية
تشير الموقفية إلى جملة العوامل الاجتماعية التي تشكّل خلفية إنتاج الخطاب، مثل عدد المشاركين، وعلاقاتهم، وطبيعة المجال التداولي، وما يصاحب الكلام من أفعال جسدية وإشارات.
وقد عرّف فيشمان الموقف بأنه حدث تواصلي يقع بين متحدثين أو أكثر، يرتبطون بعلاقة خاصة، ويتواصلون حول محور محدد في وضع معين.
أما برونيسلاف مالينوفسكي فقد قدّم مفهوم سياق الموقف (Context of Situation)، وأكد ضرورة فهم اللغة في إطارها الثقافي والاجتماعي، مميزا بين سياق الموقف وسياق الثقافة.
وطوّر فيرث هذا التصور عبر بناء إطار تجريدي لسياق الموقف، حدّد فيه عناصره الأساسية:
- المشاركون
- أفعالهم اللفظية وغير اللفظية
- الظروف المحيطة
- آثار الخطاب الناتجة عن التفاعل
وجاء هاليداي ليؤسس المنظور السيميائي الاجتماعي للغة، مؤكدا أن اللغة لا تحيا إلا داخل الموقف، وأن هذا الأخير بنية لغوية اجتماعية وسيميائية في آن واحد، تتحدد عبر ثلاثة أبعاد:
- حقل الخطاب (Field)
- مجرى الخطاب (Tenor)
- صيغة الخطاب (Mode)
وأضاف مورلي بعدا رابعا هو دور الخطاب (Role of Discourse)، أي وظيفته الاجتماعية.
الموقف والسياق: نحو تمييز مفاهيمي
يميل بعض الباحثين إلى الخلط بين مفهومي الموقف والسياق، كما يظهر في بعض تصنيفات فان دايك وإنكست. والأدقّ هو التمييز بين ثلاثة مستويات:
- الموقف: العوامل الاجتماعية والثقافية والسلوكية المحيطة بالحدث التواصلي.
- السياق: المحيط اللغوي الداخلي للنص.
- السياق الموقفي: المجال المشترك بين البنية اللغوية والعوامل الاجتماعية.
النص الأدبي بوصفه حدثا تداوليا
يرى عدد من علماء اللغة أن النص هو نتاج للكفاءة اللغوية لمؤلفه، غير أن اللسانيات النصية أبرزت الطابع الاتصالي للنص، خاصة في الأدب. ففي النص الأدبي لا يتحقق الاتصال بشكل مباشر بين مرسل ومتلقٍ محدد، بل يقوم النص داخل موقف اتصالي مركّب، حيث يتوجّه الخطاب إلى متلقٍ غير معيّن، ويكتسب شرعيته الاجتماعية من قابليته للتأويل والتداول.
وبذلك يُفهم النص الأدبي بوصفه حدثا تداوليا مضاعفا، تتداخل فيه مستويات الإنتاج والتلقي، ويتجاوز فيه الخطاب حدوده المباشرة إلى فضاء ثقافي أوسع.
- خلاصة:
تُبرز التداولية، من خلال مفاهيم التفاعل، والتفسير، والمقصدية، والموقفية، أن اللغة ليست مجرد نظام شكلي، بل ممارسة اجتماعية موجهة، وأن تحليل الخطاب لا يكتمل دون استحضار شروط استعماله وسياقه الثقافي. ومن هنا، تمثل التداولية إطارا نظريا ومنهجيا فاعلا لفهم الخطاب الإنساني في مختلف تجلياته، اللغوية والأدبية والاجتماعية.