تربية وتعليم

ترتيب الدول العربية على المؤشر العالمي لجودة التعليم (2025/2026)

يُعدّ التعليم حجر الزاوية في بناء الاقتصاد المعرفي، ورافعة أساسية لأي مشروع حضاري يسعى إلى تحقيق التنمية المستدامة. وفي السياق العربي، يكتسب تقييم جودة التعليم أهمية مضاعفة في ظل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، ومساعي الدول العربية إلى الارتقاء بمنظوماتها التربوية والجامعية.

تعتمد هذه المقالة على أحدث التقارير الدولية المتعلقة بمؤشرات المعرفة والتعليم، وعلى تصنيفات الجامعات العالمية، بهدف تقديم قراءة علمية معمّقة لوضعية التعليم في العالم العربي، وبيان مدى دقة الادعاءات الشائعة حول ترتيب الدول العربية عالميا في جودة التعليم.

  • 1. الإطار المنهجي: بين المؤشرات العالمية وتعدد المقاييس

تختلط في النقاش العام كثير من المؤشرات المتعلقة بالتعليم، مثل مؤشر التنافسية العالمي، ومؤشر المعرفة العالمي، ومؤشر التعليم العالمي، وتصنيفات الجامعات. غير أن كل مؤشر منها يقيس جانبا محددا؛ فبعضها يركز على البنية التحتية المعرفية، وبعضها على جودة التعليم الأساسي، وبعضها على الجامعات والبحث العلمي.

ولذلك، لا يمكن الاعتماد على مؤشر واحد لتقييم “جودة التعليم” بشكل شامل، بل يجب قراءة شبكة من المؤشرات المتكاملة من أجل بناء صورة دقيقة.

  • 2. قراءة في مؤشر المعرفة العالمي (GKI): الدول العربية بين الصعود والتراجع

يشكّل مؤشر المعرفة العالمي أحد أهم الأدوات الحديثة لقياس مكونات المعرفة، بما فيها التعليم قبل الجامعي، والتعليم التقني، والبحث العلمي، والابتكار.

2.1 الإمارات… الريادة العربية

أظهر تقرير GKI 2024 أن الإمارات العربية المتحدة تتصدر الدول العربية باحتلالها المرتبة 26 عالميا، وهو موقع يعكس استثمارات ضخمة في البنية التحتية التربوية، وتحديث المناهج، وبرامج الابتكار.

2.2 المغرب… تراجع في المؤشر رغم حضوره الجامعي

سجّل المغرب تراجعا لافتا بحلوله في المرتبة 98 عالميا وفق تقرير 2024، وهو ما يشير إلى فجوات في التعليم الأساسي والبحث العلمي، رغم التقدم النسبي على مستوى الجامعات من حيث عدد الأساتذة الحاصلين على الدكتوراه.

2.3 غياب دولة عربية في المراتب العشر الأولى عالميا

تكشف قراءة منهجية لتقارير GKI أنه لا توجد دولة عربية ضمن المراتب الأولى عالميا في مكونات المعرفة أو جودة التعليم بشكل عام، وهو ما يدحض كثيرا من الادعاءات المتداولة في بعض المواد غير الموثقة.

  • 3. مؤشر التعليم العالمي 2025: معطيات واقعية بعيدا عن التهويل

وفق مؤشر التعليم العالمي 2025 الصادر عن Global Citizen Solutions، احتل المغرب المرتبة 64 من أصل 71 دولة. يرتكز هذا المؤشر على معايير دقيقة تشمل:

هذه النتائج، شأنها شأن نتائج باقي الدول العربية في نفس التقرير، تؤكد أن المنطقة العربية تتحرك تدريجيا نحو تعزيز أنظمتها التعليمية، لكنها ما تزال بعيدة عن تصدر المشهد العالمي.

  • 4. تصنيفات الجامعات: العرب بين التقدم المؤسسي وغياب الريادة العالمية

تلعب الجامعات دورا مركزيا في قياس جودة التعليم، نظرا لارتباطها بالبحث العلمي والابتكار ورأس المال المعرفي.

4.1 QS Arab Region Rankings 2026

ضمّ تصنيف QS لعام 2026 في المنطقة العربية 298 جامعة من 20 دولة عربية، حيث جاءت:

  • جامعة الملك فهد للبترول والمعادن (السعودية) في المرتبة الأولى إقليميا.
  • جامعات من الإمارات وقطر ضمن المراتب المتقدمة.
  • 9 جامعات مغربية ضمن أفضل الجامعات من حيث نسبة الأساتذة الحاصلين على الدكتوراه.

4.2 مؤشرات أخرى

تشير بيانات Times Higher Education وQS Global إلى تحسن ملحوظ في أداء الجامعات العربية، لكن هذا التقدم يظل نسبيا وغير كافٍ لوضع أي دولة عربية ضمن قائمة أفضل الأنظمة التعليمية عالميا.

  • 5. تحليل نقدي للادعاءات الشائعة

بناء على مراجعة البيانات الحديثة:

  1. لا توجد دولة عربية في المرتبة الأولى عالميا في جودة التعليم وفق أي مؤشر محترم أو معترف به دوليا.
  2. غالبا ما يتم الخلط بين «مؤشر التنافسية» و«جودة التعليم»، رغم أنهما يقيسان أبعادا مختلفة.
  3. بعض المواد الصحفية أو الرقمية تعيد نشر بيانات قديمة أو غير دقيقة دون توثيق، مما يخلق صورة مضخمة لا تستند إلى أساس علمي.
  4. التفاوت بين الدول العربية كبير، إذ تحقق بعض الدول أداء جيدا في الابتكار والبحث، بينما تعاني أخرى من اختلالات بنيوية.
  • 6. توصيات علمية لتعزيز جودة التعليم في العالم العربي

6.1 بناء مؤشرات محلية دقيقة

يجب على الدول العربية تطوير مؤشرات وطنية لقياس جودة التعليم وفق خصوصياتها، بدل الاعتماد فقط على المؤشرات العالمية.

6.2 الاستثمار في المعلم والبنية التربوية

لا يمكن تحسين جودة التعليم دون:

  • تكوين المعلمين
  • تحديث المناهج
  • تزويد المؤسسات التعليمية بمعدات رقمية حديثة
  • تقليص الفوارق بين المؤسسات الحضرية والقروية

6.3 دعم البحث العلمي وتشجيع الابتكار

الارتقاء الجامعي مرتبط بالبحث العلمي؛ لذلك ينبغي دعم:

  • مشاريع الدكتوراه
  • اللجان العلمية
  • مراكز البحث
  • الشراكات الصناعية والتكنولوجية

6.4 نشر البيانات بشفافية وتقييم دوري للسياسات

وجود بيانات جادة ومعلنة بانتظام هو أساس أي إصلاح تربوي مستدام.

  • خلاصة:

تكشف قراءة المؤشرات الدولية المعاصرة أن التعليم في العالم العربي يشهد تحولات تدريجية، لكن الطريق نحو الريادة العالمية ما يزال يتطلب إصلاحات عميقة وتخطيطا بعيد المدى. ورغم غياب أي دولة عربية ضمن المراتب الأولى عالميا، فإن بعض التجارب الخليجية والشمال إفريقية تبعث على التفاؤل، خصوصا في جانب الجامعات والابتكار.

إن بناء تعليم عربي قوي لا يتحقق عبر الشعارات أو الأرقام غير الموثوقة، بل عبر سياسات معمّقة، واستثمار فعلي في الإنسان، وشفافية في البيانات، وربط التعليم بالاقتصاد المعرفي المستقبلي.

بالعربية

بالعربية: منصة عربية غير حكومية؛ مُتخصصة في الدراسات والأبحاث الأكاديمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

الإعلانات هي مصدر التمويل الوحيد للمنصة يرجى تعطيل كابح الإعلانات لمشاهدة المحتوى