ذكرى 1150 عامًا على ولادة الفارابي تمرُّ باحتفالات افتراضية

 

ترعى منظمة اليونسكو هذا العام ذكرى مرور 1150 على ولادة المفكّر المشرقي أبو النصر بن محمد الفارابي، الذي اشتهر في العصور الوسطى باسمه باللاتينية Alpharabius.
وككثير من عباقرة ذلك الزمن، تدّعي شعوب عديدة انتماء الفارابي إليها، هو المولود في منطقةٍ فاراب التي تقع في كازاخستان الحالية. لكن الأتراك يرون أن الفارابي تركيّ الأصل، وتدَّعي أفغانستان أنّه أفغاني.
يأتي ذلك تأكيدًا لملحوظة ابن خلدون: “من الغريب أنّ غالبية حملة العلم في الدولة الإسلامية هم من العجم (غير العرب)، سواءً كانوا من علماء الشريعة، أو العلوم العقلية (ابن سينا – عباس بن فرناس – إبن بطوطة – الفارابي – إبن البيطار). والعرب، وخاصة السوريين، ينسبون إلى الفارابي أنه قضى معظم حياته في دمشق، وهذا حقيقي”.
بدأت كازاخستان احتفالاتها بذكرى الفيلسوف منذ بدايات عام 2020. وأولت الدولة الذكرى أهمية، لدرجةٍ جعلت الرئيس الكازاخي، قاسم جومارت توكاييف، يؤكد على أهمية العودة إلى تراث الفارابي الروحي، في سياق تطوير الإدراك المجتمعي الكازاخي عند رسم محاور القيم التي يجب أن يربّى عليها الجيل الجديد.
وإنْ كانت مقولة ابن خلدون لا تعني حربًا ثقافية على العرب، ولا تزويرًا لتاريخهم، بل إحقاقًا للحق، بعدم نسب أولئك زورًا للعرب، وهم ليسوا كذلك، غير أنّ كلامه لا يجوز أن يبخس دور العرب ولغتهم في النهضة العلمية التي أهداها العرب للعالم. ففي ظلّ الدولة العربية ذات الصبغة الإسلامية، ترعرع العلماء من قوميات مختلفة، وكانت معظم مؤلفاتهم بلغة الضاد. هكذا كانت الحال في ظلّ الإمبراطوريات على مرّ العصور، ومن دون أن ننسى أن الفارابي عاش في عصر ما قبل القوميات، بالمعنى الحديث للكلمة، الذي بدأ، أوروبيًا، فقط في القرن الثامن عشر الميلادي.
  • احتفاليات عن بُعد

نتيجة للظروف التي يمرّ فيها العالم جراء انتشار جائحة كورونا، عُقد مؤتمر يومي 14 – 15 من شهر أيار/ مايو الماضي تحت عنوان “تراث الفارابي”، نظمه مركز الفارابي العالمي في

جامعة الفارابي في كازاخستان، وشارك فيه، إلى جانب علماء مركز الفارابي في كازاخستان، علماء من الجامعة الوطنية في أوزبكستان، وباحثون في الفارابية من دول الشرق والغرب القريبة والبعيدة (دول رابطة الدول المستقلة، فنلندا، تركيا، الهند، اليونان، الولايات المتحدة الأميركية، وغيرها).

الشاعر ماشانوف يرى أنّ تعاليم الفارابي تمثّل تجسيدًا لجذور الثقافة الكازاخية العميقة، ولجوهرها الروحي والأخلاقي، ولأصوله التركية والإسلامية. وفي هذا الصدد، وجّه ماشانوف رسالة إلى رئيس أكاديمية العلوم الكازاخية السوفييتية بضرورة البدء بأبحاثٍ معمقة حول الفارابي، مشدّدًا على أنّ “الفارابي العظيم ذو أصول كازاخية، ونحن لا نعرف سوى القليل عنه”. كما جاء في الرسالة: ولد الفارابي في منطقة (أورتراريه، بين تركمانستان وآريس، التي كانت بالعربية تعني فاراب، ومن هنا جاء اسمه).

يقول أستاذ العلوم الفلسفية، البروفيسور في جامعة كازاخستان الوطنية، جاكيب بيك ألتاييف، إنّ المخطط كان القيام بأكثر من 500 مشروع مكرّسٍ لذكرى هذا المفكر المشرقي العظيم، موضحًا: “سيكون هناك العديد من الندوات. ولكن للأسف لا يمكن القيام بهذه الفعالية بالشكل المطلوب، نظرًا للحجر المفروض بسبب فيروس كورونا، وسنكتفي بعقدها على الإنترنت حاليًا… صدر في هذا العام، وسيصدر، عدد من الكتب والأفلام، بما فيها بعض من أفلام الرسوم المتحركة، عن الفارابي. وتمّ تنظيم عرض أفلامٍ أنتجت في استوديوهات في هولندا، وتركيا، مما أثار اهتمامًا كبيرًا بين المشاهدين من الجيل الجديد. بالإضافة إلى ذلك، ستنظم رحلة استكشافية لتتبع المناطق التي مرّ فيها الفارابي يومًا ما. وكان من المخطط، أيضًا، القيام بزيارة مرقده في دمشق. غير أنّ فيروس كوفيد – 19 خلط الأوراق كلّها موقتًا، وأجلّت البعثات إلى وقتٍ لاحق”.

  • المعلم الثاني

لاقت تعاليم الفارابي تقديرًا عاليًا في الشرق والغرب. وأعماله ترجمت في أوروبا العصور الوسطى إلى اللاتينية والعبرية، وكانت معروفة منذ القرنين الثاني عشر والثالث عشر. ترك

الفارابي ما يزيد على 200 مؤلّف وبحث علميٍّ ودينيّ، من أكثرها شهرةً: “لآلئ الحكمة”، و”آراء أهل المدينة الفاضلة”، و”مجموعة أبحاث فلسفية”، وكتاب “كتاب الموسيقى الكبير”. وكان للكتاب الأخير الفضل في شهرة الفارابي في الغرب، وخاصّةً عندما نشرت ترجمة كتاب “كتاب الموسيقى الكبير” إلى اللغة الفرنسية بين عامي 1930 و1932 على يد الفرنسي دي لانجيه.

يعدّ الفارابي أحد مؤسسي التعددية الشرقية (من اليونانية: περι-πατέω، أي التسكّع، وتُرجمت إلى العربية باسم الرواقية: أطلق في البداية على تعليمات أرسطو بسبب عادته في إجراء المناقشات الفلسفية أثناء سيره في الأروقة).

مستندًا إلى أعمال أرسطو، قام الحكيم المشرقي أبو النصر الفارابي، بإنجاز فلسفة إسلامية خالصة في العصور الوسطى، لينال بجدارة لقب “معلِّم البشرية الثاني” (أرسطو المعلِّم الأول). ومن المعروف حاليًا أنّ نسخًا من مخطوطات تتضمن أعمال الفارابي موجودة في المراكز العلمية في كلٍّ من إسطنبول، والقاهرة،

وطهران، ودمشق، وبغداد، وبيروت، وكذلك لندن، وبرلين، وباريس، ولايدن.
وفي عام 1990، أطلق مرصدٌ أميركي اسم الفارابي على أحد الكويكبات التي اكتشفها. وجاء على الموقع الفضائي المتخصص ما يلي: “أطلق على الكويكب رقم 7075 اسم الفارابي تكريمًا للفيلسوف البارز، صاحب نظريات العلميّة والموسيقية”.

وهذه جائزةٌ لعالم وفيلسوف عاش حياته متقشفًا، عازفًا عن الزواج، مكرّسًا وقته بالكامل في طلب العلم وتأليف الكتب.

  • ما نعرفه عن الفارابي قليل

يعود الفضل في إحياء ذكرى الفارابي في كازاخستان إلى الباحث الطاجيكي، باباجان غفوروف، والعالم الكازاخي، آكجان ماشانوف، الذي كان أوّل من لفت الانتباه إلى أنّ ميراث

مفكر العصور الوسطى أبو النصر الفارابي يكاد لا يدرس في الاتحاد السوفييتي. وبدأ الاهتمام العالمي بالفارابي يتصاعد في النصف الأول من القرن العشرين، مع ظهور كتاب الفيلسوف الألماني، أوسفالد شبينغلر “أفول أوروبا”، وكذلك نشر مقالات وكتب المستشرق، فاسيلي بارتولد، وعالمي الموسيقى، آرنولد شبيرينغ، وهنري فارمر، وغيرهم.

في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، بذل عدد من المثقفين القوميين الكازاخ، وعلى رأسهم الشاعر والحقوقي، ماغ جان، العضو في حزب (آلاش)، جهودًا حثيثة في إبراز أهمية الفارابي، باعتباره حكيمًا قوميًا وعالميًا. بيد أنّ النسيان طوى أعمال هؤلاء بعد الاضطهاد الذي تعرض له الحزب وأعضاؤه على يد السلطة السوفييتية آنذاك. 

  • عام الفارابي

اليوم، يبجّل الشباب الكازاخي سلفهم العظيم، وتفتخر جامعة كازاخستان الوطنية بتسميتها عام 1991 باسم المفكر العظيم أبو النصر الفارابي. افتتح في الجامعة عام 1993 مركز أبحاث الفارابي، الذي تغيّر عام 2013 إلى “الفارابي والوقت المعاصر” ليستقبل طلاب كليات العلوم الطبيعية للخضوع لدوراتٍ نوعية، لأنّ الفارابي كان موسوعيًّا يهتم بالفلسفة والرياضيات، بالفيزياء والكيمياء، وبالفلك والجيولوجيا”، يقول البروفيسور آلتاييف.
كما يستحق الإشادة تنظيم منظمة اليونسكو عام 2010، وبمبادرة من الشاعر والدبلوماسي الكازاخي، أولجاس سليمانوف، طاولة مستديرة تحت عنوان “الفارابي والبعث الأوروبي”، بمشاركة علماء من عشرات البلدان، لمناقشة تأثير الفارابي في النهضة الأوروبية الحديثة.

رجل يقرأ مخطوطة في علم الفلك للفارابي في مكتبة جامعة القرويين في مدينة فاس المغربية (21/11/2016/فرانس برس)

وعلى الرغم من تعدد أعمال الفارابي، فإنّ بعضهم يرى أهمية كبيرة في آرائه المتعلقة بالدولة والسياسة، أو بحسب تعبير الفيلسوف نفسه “الاستخدام العملي للفلسفة”. فقد قسّم الفارابي على سبيل المثال المجتمع إلى فئتي: “الصالحين” و”الطالحين”. كما قسّم الفئة الأخيرة (الطالحين) إلى ثلاث فئات فرعية: جهلة، أشرار، وضالّين. ويعد عالم الدين الفرنسي المشهور، هنري كوبرين، أنّه يجب النظر إلى أفكار الفارابي السياسية باعتبارها “نبوءاتٍ فلسفية”.


المصدر 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يستحسن طباعة المقال !!