المرأة .. بين الطبيعة الأنوثة وازدواجية المعايير الفكرية 

0

 

  •   ملخص:

    في موضوع المرأة بالذات، وفي هذا المجتمع العربي بالذات، يشعر الباحث أنه يواجه أرضا مليئة بالمخاطر غير المألوفة وأنه في كل خطوة من خطواته يصطدم بالمقدسات الحساسة في المجتمع، ولا يمكن لأي “باحثة” أن تجري بحثا فكريا في أي شيء يتعلق بالمرأة، ولا تجد نفسها أمام تقاليد دينية خارجة عن المألوف والفكر في بعده الراقي نفسه، وخاصة تلك التقاليد المجحفة المتعلقة بقشور الدين، ولطالما استخدم الناس الدين كأداة حادة مشهرا في وجه أي باحث عن الحقيقة، ولأني مع فكرة  أن الدين الجوهري لا يدعوا الناس إلى الكذب وإخفاء مشاعرهم الحقيقية، وممارستها في الخفاء سرا وإظهار العفة أمام الناس، ولأن الدين الحق دائما مع الحقيقة، فإن هذه الورقة ستكون عبارة عن محاولة للوصول إلى حقيقة نفس المرأة في شتى أبعادها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية…وإلى فهم البعد الإنساني للمرأة.


– مقدمة:

      إن قضية تحرير المرأة هي قضية سياسية بالدرجة الأولى لأنها لا تمس حياة نصف المجتمع فحسب ولكنها تمس حياة المجتمع كله، ولأن القيود المفروضة على الإنسان رجلا وامرأة، وسواء كانت هذه القيود فكرية ونفسية أو جسدية، فإنها تعرقل تطوره الطبيعي وتؤخر نضجه الفكري أو النفسي أو الجسدي وبالتالي تتعارض مع صحته الجسدية والنفسية، وعلى هذا فإن القيود المفروضة على النساء فكرا ونفسا وجسدا تضر بصحتهم وتضر أيضا بصحة الرجال وصحة الأطفال وينشأ الجميع في مزيد من التخلف.

لذلك تعتبر قضية تحرير المرأة وإطلاق إمكانياتها وطاقاتها الفكرية جميعا ضرورة ملحة لإثراء المجتمع فكريا وإثراء حياة الناس وخاصة النساء بالعمل المنتج والمشاركة في تطوير وتقدم المجتمع، أي أنها قضية تتمثل في مناشدة حرية فكرية للنساء من أجل العمل الخلاق في ظل مساواة كاملة بين الجنسين وليس مجرد حرية جنسية من أجل قتل الفراغ والملل…

ولأن المجتمعات العربية لا تحقق الحرية والمساواة لجميع فئاتها المختلفة، فإنه يصعب على فئة النساء وحدهن أن ينلن الحرية والمساواة.

فالمرأة هي أفصح الأمثلة على وضعية القهر بكل أوجهها في المجتمع المتخلف، حيث في وضعيتها تتجمع كل تناقضات المجتمعات، إنها مثال معبر عن العجز والقصور، وعقد النقص والعار، ودليل على اضطراب الذهن المتخلف من حيث طغيان العاطفة واستحكام الخرافة، إنها رائدة الانكفاء على الذات والتمسك بالتقاليد، فوضعيتها تمتل أقصى درجات التماهي بالمتسلط من خلال معاناتها من الاستيلاب.

إن توجه المرأة الوجودي تتحكم فيه وسائل السيطرة الخرافية على المصير، حيث تتفاوت مكانتها في نظر المجتمع والرجل بين أقصى الارتفاع، )الكائن الثمين، مركز الشرق الذاتي، رمز الصفاء البشري الذي يبدو في الأمومة، الطيبة، المحبة، رمز التضحية… إلخ(، وبين أقصى حالات التبخيس، )المرأة عورة، المرأة رمز العيب والضعف، المرأة القاصر، الجهالة، وسيلة للتفريغ، وسيلة للتفريخ(

إنها منبع حالات التجاذب الوجداني المتناقضة، فهي من جهة أكثر العناصر الاجتماعية تعرضا لأشكال التبخيس في قيمتها على جميع الأصعدة، )الجنس، الجسد، الفكر…(، يقابل هذا التبخيس مثلنة مفرطة نادرا ما نجد نظيرها عند الرجل، حيث تتمثل مظاهر هذه المثلنة في إعلاء من شأن الأمومة والإفراط في الصفات الإيجابية عليها… كما تشكل مصدرا، المشتهاة جنسيا من مكانة خرافية عند الرجل المحروم.

    حتى نفهم الخزعبلات التي أحاطت بالمرأة وبعلاقتها بالرجل فلا بد أن ندرك الامتيازات التي حظي بها الرجال دون النساء في مختلف العهود البشرية، ومن  أجل أن تعود علاقة الرجل والمرأة إلى شكلها الطبيعي غير المشوه، فلا بد من محاربة هذه الامتيازات في كل زمان ومكان، ومحاربة الخزعبلات في التاريخ وفي كل العلوم.

تتمثل أبرز مظاهر هذه الخزعبلات في حالات التجاذب الوجداني الأخرى المتمثلة في التبعية والطفيلية، فالمرأة تابع لا حرية ولا إرادة ولا كيان له، إنها ملكية الأسرة منذ أن تولد وحتى تموت، )الأب أولا، ثم الأخ، وبعد ذلك الزوج(، مما يتبين أن أهمية المرأة تكمن في  أن تكون ما أريد لها ليس إلا وليس ما تختاره.

نفهم من خلال هذه التجاذبات اللصيقة بالمرأة، بما فيها الاضطراب الاجتماعي  والاضطراب النفسي، أنه ليس هناك من خلل هو أكثر فصاحة في التعبير عن التفاعل واللقاء بين المستويين الاجتماعي واللاواعي في الحياة، من حالة المرأة…لأنها السب في تسخير القوانين  العديدة التي تقيد المرأة دينيا ومدنيا في حريتها.

إن إفراط مثلنة المرأة نادرا ما نجد نظيرها عند الرجل، هذه المثلنة، تبدو في إعلاء شأن الأمومة وفي إفراط الصفات الإيجابية عليها، )رمز التضحية، الطيبة، المحبة..( كما تبدو فيما ترفع إليه المرأة المشتهاة جنسيا، من مكانة أسطورية عند الرجل المحروم.

اجتماعيا : نلاحظ بشكل واضح التجاذبات المحيطة بالمرأة من خلال الأساطير التي مثلت كيان المرأة، وتحويلها من المرأة الإنسانة، إلى مجرد سند هوامي لكل العقد والمخاوف والإحباطات المكبوتة.

إن المرأة بهذا الأساس أداة المجتمع، وخصوصا المتسلط كما أنها مصدر اللاوعي، في كلا المجالين، حيث تحرم من الاعتراف بوجودها ككائن قائم بذاته له غيرته وأصالته، نتيجة تربيتها ومحيطها والقوانين العديدة المدنية والدينية التي تكبل كيانها الإنساني، في حريتها وقدرتها على الاحتيال وفي حركة جسدها وإمكان التصرف به، حيث تمارس عليها مختلف أشكال السيطرة الاجتماعية، وتحول بذلك إلى أذاة للإنجاب، ومكان التفريغ والإمتاع والإنتاج وأشكال السيطرة الهوامية على وجودها الذي هو منبغ الرغبات اللاواعية وملتقى اضطرابها، فمن جهة تمتل المرأة أداة للمجتمع المتسلط، وأداة لتكون ضحية رغباتها اللاواعية التي تم هندستها إلى ما يلائم كيان المجتمع ورغبته في ضبط المرأة وقمعها وتسخيرها لخدمته من جهة تانية.

لا يمكن أن يبرر هذا العنف الموجه تجاه المرأة بتخلف المجتمع، وخاصة الرجل، فالمستوى الاجتماعي للمرأة المضطرب ليس أكثر تبخيسا من مكانتها في لاوعي الرجل المقهور، فإسقاط الرجل العيب والعار والضعف عنده على المرأة اجتماعيا، يقابله إسقاط نقص الخصاء وخجله على المستوى اللاواعي.

ولتعويض هذا الخجل الذي يحسه الرجل جراء تخلفه وضعفه وعيوبه التي لا تحصى وتعد، يذهب إلى استخدام المرأة كوسيلة للتعويض عن المهانة التي يلقاها الرجل المقهور اجتماعيا وللتعويض عن قصوره اللاواعي بإسقاطه الدائم عيوبه على المرأة، حيث في جميع الحالات تفرض على المرأة وضعية من القهر تقضي على إمكاناتها الذهنية والإبداعية والاستقلالية والمادية.

يعتبر هذا القصور الذي تعاني منه المرأة، والمتداول في مختلف المجتمعات غبنا وقهرا لها هو نتاج لوضعيتها المأساوية في المجتمع ومكانتها الرديئة في لاوعي الرجل، جزء من طبيعتها وكيانها الوجودي والاجتماعي، ويعتبر أشكال التبخيس هو نتيجة للقهر الذي مورس عليها بشكوى الرجل من قصورها وجهلها ونزوتها.

فالرجل في آخر المطاف يشكو من جهة من ثمار ما صنعت يداه اجتماعيا، ومن آثار إسقاطاته اللاواعية في آن معا ومن جهة أخرى يتنكر لعاره الاجتماعي الذي ألصقه بالمرأة ولخصائه اللاواعي الذي أسقطه عليها.

بسبب هذا التنكر يتحرر من مسؤوليته ويتجنب تفجر القلق الشديد الذي كاد أن يسيطر على كيانه لو لم يتهرب من عاره بهذا الشكل.

تعتبر هذه التناقضات اللصيقة بالمرأة هي أقصى حالات الغبن والاستغلال الذين يصيبان المرأة باعتبارها أكثر العناصر قهرا في المجتمع، فإذا لم تمطر السماء مثلا فبسبب حرية التصرف في جسد المرأة، وإذا أصابها الطاعون فبسبب قدر المرأة وإذا تزايدت البطالة فبسبب مشاركة المرأة للرجل في المراكز التي تشتغل فيها…

حيتما وجد قهر واستغلال لابد أن يصيب المرأة منها القسط الأوفر، وحيتما وجدت الحاجة إلى حشر كائن ما في وضعية المهانة لابد أن يقع الاختيار على المرأة، ولكن الواقع أن طبيعة المرأة لا علاقة لها بهذا القهر. فالفروق البيولوجية والتشريحية بين الرجل والمرأة لا تبرز مطلقا ما فرض على كيانها من تبخيس ولا تقدم أي سند طبيعي فعلي لما يلحق بها من غبن.

بسبب الظلم الواقع على المرأة والفكرة الخاطئة النابعة من الفلسفة الذكورية، والتي تقول بسمو جنس الرجال على جنس النساء استطاع العالم العظيم “ليستر وورد” بذكائه وملاحظاته وصدق إحساسه ألا يقع في شرك الأفكار المتوارثة، حيث لاحظ أن الظاهرة الاجتماعية والتي تقول بسمو جنس الرجال ليست طبيعية في الانسان وليست طبيعية حتى في حياة الكثير من الفصائل الحيوانية والنباتية حيث لو لاحظنا بعض النباتات، لفهمنا أنه في فصائل النباتات العليا عامة لا يكون الذكر إلا مخصبا للأنثى فحسب، أما الأنثى فتظل وتستمر وتنضج الثمرة. إن ذكور هذه النباتات تذبل وتموت بمجرد أن تفرز مادة الإخصاب، فليس لهم وظيفة أخرى.

يدفعنا هذا الطرح، إلى التساؤل عن مدى صحة فكرة سمو جنس الرجال على جنس النساء.

إن تطور علاقة الرجل والمرأة بيولوجيا لا يمكن فصلها عن الدراسات الاجتماعية والحضارية والثقافية والاقتصادية التي أترت بشكل كبير على هذه العلاقة بين الجنسين والتي كان تأثيرها يواكب التطور البيولوجي طبعا. لأن الانسان حيوان اجتماعي بطبعه يؤثر في المجتمع من حوله ويتأثر به على الدوام ويتشكل بيولوجيا ونفسيا حسب هذا التأثير من أجل الاستمرار والتطور أيضا. وفي ضوء هذا التطور البيولوجي والاجتماعي والاقتصادي، يرى علماء الأنثروبولوجيا أن الأسرة لم تنشأ بدافع حب الرجل للمرأة والأطفال وإنما نشأت بدافع الاستغلال الاقتصادي والطمع والكراهية لذلك اعتبرت غيرة الرجل على امرأته وفرض عليها العفة والعذرية في الزواج لم تنشأ بسبب الحب بل بسبب الامتلاك والسيطرة.

ويزيد  تأكيدنا لذلك، حينما نجد أن الأسرة من بداياتها لم تكن إلا عضوا ذكريا زائدا ومتطفلا على المجتمع الانساني، حيث مهما بدت الاسرة في البلاد متحضرة إلا أنها في أصلها ومنشئها لم تكن إلا مؤسسة لاستعباد المرأة والأطفال أكثر فأكثر، ولأنها قلبت الأوضاع الطبيعية التي كانت فيها الأم هي التي تحدد من يكون الأب وهي من تحمي الأطفال بحبها الذي وجد فيها بالطبيعة، حيث لا يبدأ الأب في إدراك معنى الأبوة نفسيا وعاطفيا إلا بعد أن يكبر الطفل ويصبح نافعا اقتصاديا، ومعنى هذا أن الأب البدائي لم يكن أب في بعده الأخلاقي والنفسي والإنساني الصحيح، وأنه تخلف عن المرأة كثيرا من جميع الأبعاد، حيث كان الرجل بطيئا في تطوره النفسي بانشغاله الدائم بغرائزه، لذلك كان دائما كارها لوضعية أمومة المرأة جراء ما قد يشغلها ذلك عن أداء مهامها من خدمة وإشباع رغبة الرجل الجنسية، على عكس المرأة التي تطورت منذ البداية أمومتها كشعور عاطفي إنساني، لذلك لم يكن غريبا  أن يكره الرجل المرأة ، كرها دفينا على هذا الحب الذي يحوطها من أمومتها، وتلك المشاعر الإنسانية القادرة على أن تحب وعلى أن يبادلها الآخرون.

1- وضعية المرأة في المجتمع:

لقد كان التحكم في طبيعة المرأة أمرا ضروريا لقيام الحضارة الذكورية والأسرة الأبوية المبنية على ملكية الأرض وتوريتها للأطفال، ولا شك أنه بسبب قوة طبيعة المرأة فقد استلزم الأمر قمع هذه القوة بجميع الوسائل القانونية والفلسفية والدينية والأخلاقية، ولهذا فإن أشد القوانين عنفا وصرامة تلك المتعلقة بالتحريمات والمحظورات على حياة المرأة الجنسية، ولازالت المرأة حتى يومنا هذا تقتل في أماكن مختلفة من العالم إذا مارست الجنس في غير الحالات التي ينص عليها القانون أو التقاليد التي لها فعل القانون، ويمتلئ التاريخ في مختلف العصور، حيث نشهد مجالات من التعذيب أشد من القتل وكلها بسبب خروج المرأة، )ولو قيد أنملة( على القانون الصارم الذي يحكمها جنسيا.

إن اعتبار المرأة كأداة التحالف والتلاحم العشائري يدفعنا لفهم أن وجودها لا يتمثل خارج هذا الدور، بمعنى هي أداة للإنجاب ذات الجسد فقط تقتل في ذاتها كل ما يعقلن كيانها وتجعل من عقلها هو النسيان، قيمتها كلها لا تختصر إلا في عفافها الجنسي المتمثل في غشاء بسيط “البكارة” وأخلاقها لا تختزل إلا في صفة تشريحية، كما سبق أن عبرت الدكتورة نوال السعداوي، “قد يولد بها الإنسان أو لا يولد، ومع ذلك نجد جرائم الشرف منتشرة بسبب انعدام ثقافة الناس الجنسية وليس غريبا أن يسقط الإنسان العشائري كل عاره على المرأة مما يتيح له الاحتفاظ بمظهر القوي، بعد تحميل الزوجة والبنت والأخت كل مظاهر القهر كما يكشف هذا عن ركاكة الوضع الداخلي وازدواجية المعايير الفكرية”.

 يخبرنا مصطفى حجازي أنه من خلال لعب الرجل دور السيد الذي يخضع المرأة من خلال استعبادها واستغلالها وتحويلها إلى أداة فهو يعوض من خلال كل ذلك قهره ومهانته، حيث تموت نفسيا من خلال اعتبارها كأداة للقهر والمهانة من أجل ضمان وهم الحياة له، حيث يوضح مصطف حجازي، هذا التناقض الذي يعيشه الجنسين معا بالقول: “بين العلاقات الجنسية بين الرجل والمرأة، يقع العزم عل المرأة دائما، فهي مذنبة إن  استسلمت للإغراء قبل الزواج، ومذنبة إن حرمت المتعة برفقة زوجها نظرا لما تعرض له جسدها من قمع، ومذنبة إن لم تنجب الذكور، تتحمل الوزر كله، كما يتحمل الرجل الكادح الوزر كله في حياته اليومية، )هو الجاهل الكسول، غير المنتج…(، فإفلات الرجل من المسؤولية والمحاسبة هو كإفلات المتسلط والمستغل والإقطاعي بالتمام، هكذا فإن علاقات الرجل الجنسية مع المرأة تسودها الأنانية الذاتية، إنه لا يفكر إلا بنفسه ومتعته والمرأة ليست إلا أداة لهذه المتعة، تماما كأي علاقة استغلال، فالرجل الكادح بهذا المعنى مجرد أداة الغني وكما يتخذ الرجل من ضعف المرأة مبررا كي يستغلها، كذلك يفعل الإقطاعي بالفلاح العاجز الذي لا يصلح في زعمه إلا للعمل المضنى”

وبناءا على ما سبق،  نطرح سؤال، هل هذا التحكم وإخضاع غريزة المرأة طيلة هذه السنين استطاعت أن تضعف هذه الغريزة وتفقدها صفاتها الأصلية القوية غير المحدودة؟

إن كل ما تم عرضه، هو لتفنيد الفكرة القائلة بأن جنس الرجل أقوى من جنس النساء أو أن طبيعة المرأة أضعف من الرجل، أو أن الطبيعة هي التي جعلت الرجل يسود والمرأة تستعبد..

كل هذا يحتاج إلى تفنيد علمي وإلى إثبات حقائق بيولوجية وتاريخية ونفسية.

ولا أظن أنه من الممكن الآن، بعد وضوح بعض هذه النواحي البيولوجية في طبيعة المرأة وقوتها، أن نقتنع بتلك الأفكار التي تعطي الأولوية للرجل في الحصول على حرية جنسية أكثر من المرأة، لأنه بطبيعته البيولوجية الجنسية  لا يستطيع الاكتفاء بزوجة واحدة كما تستطيع المرأة أن تكتفي بزوج واحد وأن غريزته أرقى من غريزة المرأة، وغيرها من الأفكار التي يحاول أن يبررها الرجل للحرية الجنسية التي يعطيها لنفسه ويحرم المرأة منها.

إن الطبيعة ليست مسؤولة عن تلك القيود الجنسية، )والتي تقتفي بالضرورة أيضا قيودا نفسية وفكرية واجتماعية( المفروضة على المرأة.

إن الواقع البيولوجي يذهب في اتجاه معاكس تماما، فالمرأة أكثر مناعة من الرجل وانبناءها البيولوجي الوراثي أكثر متانة كذلك، فإن الرصيد العلمي الدماغي الذي تولد فيه لا يقل بأي حال من رصيد الرجل، هو في المكانة التي تعطى لكل منهما وما فيها من فرص تنفي إمكانات الرجل وتطمس إمكانات المرأة، حيث يسري القمع المنظم لعدوانية المرأة في تعبيراتها الحركية العضلية وقمع تعبيرات الجسد عندها عموما، أما الجانب الآخر من عدوانيتها فيتخذ سبيله إلى ممارسات الكيد والدس والحقد والحسد الذي يشاع اجتماعيا اشتهارها بها.

أما استفحال الخرافة عندها فهو ليس سوى ثمرة ما فرض عليها من تجهيل بسبب حرمانها من فرض تنمية طاقاتها الذهنية التي تسمح وحدها بسيطرة العقلانية والمنطق.

فسجنها في حدود المنزل مع ما يتضمنه من حرمان لفرض التعامل مع الواقع والتدريب على السيطرة الفعلية عليه واستيلابها إرادتها وقدرتها على الاختيار هو الذي أدى إلى تفشي الخرافة في وجودها وممارستها ونظرتها إلى العالم كما أن وضعها موضع المهددة الفاقدة للسيطرة على مصيرها لا يترك لها مجالا سوى الشعوذة والتطير وجبروت الفكر السحري والسيطرة الخرافية على المصير.

لذلك نحن بصدد وضعية تفرض عليها، ومكانة تعطى لها، حيث تناط بالمرأة وظائف اجتماعية علائقية ولا واعية محددة، تتلخص في ضرورة اسقاط الاضطراب على المرأة كي يستقيم الأمر على الرجل والمتسلط، ذلك هو لب وضعية القهر التي تخضع له المرأة أي تحويلها إل أداة لخدمة أغراض المتسلط وإلى محط لتناقضات المجتمع.

2- وضعية القهر عند المرأة:

تتمثل وضعية القهر عند المرأة بشكل كبير في جنايات الشرف التي تكشف لنا عن مرض خطير جدا تعاني منه المرأة عموما وهو ازدواجية التصرف، فمن جهة يفسح لها المجال ولو ضيق لحياة جنسية تحت وصاية الأهل والزوج، وقبل ذلك العشيرة، ومن جهة أخرى لا تعطى لها هذه الحرية الضيقة إلا تحت وصاية غيرها، وهذا ما يؤزم الوضع، بل تصبح هذه الحرية ضيقة خانقة أحيانا حينما يتطفل عليها وصاة، لذلك فجناية الشرف هي بكل بساطة فعل لردع المرأة التي حاولت البحث عن ذاتها وإعادتها إلى وضعيتها كأداة تمتلكها العشيرة وتنتقل ملكيتها لقاء مصلحة أو لقاء مقدار من النقود من الأب والأخ…إلى الزوج.

هذا على مستوى  الجانب القبلي من المجتمع المتخلف، أما على مستوى الجانب الحضري من نفس هذا المجتمع فيرصد مصطفى حجازي ثلاث مستويات هي على الشكل التالي:

وضعية المرأة في الطبقة الكادحة، وضعية المرأة في الطبقة المتوسطة والمثقفة ووضعية المرأة في الفئة ذات الامتياز ونلاحظ كل هذه المستويات عموما في الأوساط الحضرية، أما في الأوساط العشائرية المغلقة، فوضع المرأة أكثر إفصاحا وتخلفا في تعبيره عن الواقع الحقيقي، حيث يختصر كيانها كله في جسدها الذي يتم تحويله إلى مجرد أداة للتفريغ وإنجاب الأولاد، وإلى مجرد لحم قيمته في مدى إثارته للرجل السيد، وإلى مجرد رقم قيمته في درجة خصوبته وتحديدا في قدراته على إنجاب الصبيان، إلا أنه عندما يستنزف وتنتهي مدة صلاحيته، تهمل هاته المرأة ويذهب الرجل السيد للبحث عن غيرها مهما كان عمره وشيخوخته، فهو يبقى صاحب سلطة ورجل فحل في نظر العرف وعادات المجتمع.

  1. المرأة في الوسط الكادح:

نلاحظ في هذه الأوساط تعارضا وتناقضا صارخا لتصرفات وخصائص الذكورة والأنوثة، حيث إنه هناك مبالغة في قوة الرجل وفحولته، وفي مقدار مدى تحمله وعدم شكواه وهناك مبالغة في قدرته على كسب الرزق وتدبير أحوال الأسرة، )أسطورة الرجل الذي ينزع اللقمة من فم السبع(.

فالرجل باعتباره كاسب الرزق، والطرف الذي يجابه العالم، يثم شحنه بالقوة أو وهمه بالقدرة الكبيرة وحتى يثم تحويله إلى أسطورة الكفاءة التي تصور عنده، لابد من إسقاط الضعف والهوان على المرأة، وهكذا تلعب هذه الأخيرة دور المعبرة عن المأساة، الناطقة بالمعاناة، و دور الكائن القاصر الذي يحتاج إلى وصي.

إن هذا التناقض الحاصل بين المرأة والرجل يدفعنا إلى استنتاج أنه إذا تم الاعتراف بحق الرجل في العقل والذكاء، فالمرأة يوكل إليها دور العاطفة وإذا توجهت حياته إلى خارج البيت فيوكل إليها البقاء في حدود منزلها وأسرتها، وإذا كان للرجل نصيب من الذكورة وفرض السيطرة يوكل إلى المرأة دور الرضوخ للأقدار، وفي مقابل كبرياء الرجل وغروره الزائد بنفسه وفحولته يوكل إليها التعبير عن أسى جسدها وإخفاءه باعتباره مصدر الفتنة وكأن الطبيعة أخذت إذنها حينما أوجدتها، وبمقدار تهديد مكانة الرجل في الخارج، تتعزز قوته داخل المنزل جراء ما يفرضه من سلطة وهمية على الأسرة، فهو السيد في آخر المطاف.

يتناسب القهر الذي يفرض على المرأة مع درجة القهر الذي يخضع له الرجل في المجتمع، فكلما كان الرجل أكثر غبنا في مكانته الاجتماعية، مارس قهرا أكبر على المرأة.

  1. المرأة في الطبقة المتوسطة:

إن ما يفرض نفسه هنا هو حقيقة وحيدة يكمن في أن رقي الرجل رهن بارتقاء المرأة، تلك حقيقة تفرض نفسها على الواقع ولا مجال للمكابرة فيها.

ففي هذه الطبقة قد أتيح للمرأة أن تخرج من سجنها التقليدي وأن تأخذ قسطا متفاوتا من العلم وأن تبدأ حياة منتجة وتشارك الرجل الأعباء والمسؤوليات داخل الأسرة وخارجها، كما أن الرجل من ناحيته، بدأ يعي وضعية المرأة الفعلية وأهمية مشاركتها وضرورة نمو شخصيتها وبناء كيانها الذاتي كشرط لإرتقاءه هو بدوره.

فالمرأة تريد أن تنطلق ولكنها لا تجرؤ على طرح قضيتها جذريا، والحق يقال إن الرجل لا يشجعها على هذا الطرح الذي يضعه هو في المقام الأول موضع تساؤل، ولابد أن يدفع به إلى إعادة النظر بوضعيته وأسلوب علاقته بها. فالرجل يتحدث عن المساواة وعن تحرير المرأة ولكنه لا يستطيع التخلي عن امتيازاته بسهولة، وهكذا يعاني كل منهما من صراعات نفسية وتناقضات داخلية وعلائقية، فهي ما زالت محافظة مقيدة داخليا مع تحرر ظاهري وهو ما زال متمسكا بوضعية السيد وامتيازاته مع ادعاء المساواة وتأييد حقوق المرأة.

نجد في مقابل ذلك أن المرأة تخشى الإقدام على تحمل مسؤولية مصيرها وفرض ذاتها لما غرس في نفسها من مخاوف بغية إبقائها في حالة تبعية، كما أنها تخشى أن يسيء فهمها  الرجال الذين لم يعوا بعد ضرورة تحررها، أو الذين يحرصون على امتيازاتهم. 

أما الرجل فمعاناته أكثر، فهي ليست بدورها بالبسيطة، فهو متحرر فكريا وثقافيا وهو من أنصار المساواة ولكنه ينتظر أن تقوم المرأة بذلك دون أن يشارك فيه بشكل فعال والغالب أن يكون حماسه نظريا، أما في الممارسة اليومية التلقائية، فما زال أسير التقييم العبودي للأدوار، ما زال شديد الحساسية لكل ما يمكن أن يعتبر نيلا من سلطانه وحقوقه على المرأة.

وهكذا فأكثر الرجال تحررا مازال عمليا يتصرف انطلاقا من توزيع الأدوار، يعطيه بعض المكاسب ويشد المرأة إلى الوراء ويتصرف خصوصا من موقع تغيب وضعية امتحان قدراته الفعلية ووضعها موضع تساؤل.

  1. وضعية المرأة في الفئة ذات الامتياز:

تتعرض المرأة في هذه الفئة إلى أخطر أنواع العبودية، وهي الاستيلاب العقائدي حين تزين لها وضعيتها كأداة وتربط قيمتها، بمقدار كلفتها، حيث نفهم من ذلك أنها مجرد أداة ثمينة يقتنيها زوجها ولكنه يعتز بقدرته على ذلك ويتباهى، فالمردود دائما أكبر من الكلفة أو هو مواز لها على أقل تقدير. فهو على كل حال لم يتزوج امرأة إنسانة  بل أسطورة جمال أو جاه أو مال.

إنها ببساطة المرأة القناع، ونظرا لفراغ شخصيتها من كل محتوى يحدد قيمتها ويحقق لها ذاتها وبمقدار خوائها الداخلي، تتمسك بالمظاهر وهكذا تختزل قضيتها الوحيدة في الظهور كأسلوب للوجود، وتتحول إلى أداة إعلان عن كل مستجد من السلع واللباس والأثاث، وهذا ما وضحته الدكتورة نوال السعداوي بعمق في القول: “إن إفراغ المرأة من مسؤوليتها، هو إفراغ لشخصيتها من لب الإنسان وجوهره وتميزه عن سائر المخلوقات. بهذا الإفراغ لم يعد للمرأة إلا قشرتها الخارجية، للظاهرة أمام الأعين، لم يعد للمرأة إلا غلافها الجسدي الخارجي ويؤكد لها المجتمع من حولها هذه الحقيقة. فالصحف والمجلات حين تخاطب المرأة، تخاطبها كطبقة من الجلد تحتاج إلى تدليك بأنواع خاصة من الكريم وكرموش تحتاج إلى تقوية وتغذية وكشفاه تحتاج إلى طلاء بلون الورد وكشعر يحتاج إلى صبغات تتناسب مع لون الفستان”

وهكذا فإذا أفلتت المرأة في هذه الفئة من القهر المادي، فإنها ستعيش أسيرة قهر قد يكون أمّر وأدهى وهو الاستيلاب المعنوي لكيانها الذي لا يقل عن كونه موتا نفسيا

لاشك من التساؤل عن العوامل المسؤولة إلى حد كبير عن تأخر تحرر المرأة.

 يحدد حجازي تلاث أسباب أساسية كلها شكلت الاستيلاب القاهر عند المرأة أهمها:

الاستيلاب الاقتصادي والاستيلاب الجنسي الذي يعدان من موضوعات الساعة في حركة تحرير المرأة، ولكن هناك استيلاب أخطر من الاثنين السابقين وهو الاستيلاب العقائدي ونعني به أن تتبنى المرأة عقيدة استعبادها معتبرة ذلك جزءا من طبيعتها الأنثوية وهو تبني آخر إلى حد كبير يؤخر المرأة.

الاستيلاب الاقتصادي: هناك طبقية واضحة في توزيع النشاطات المهنية بين الرجل والمرأة فهي تعطى لها دوما الأعمال الثانوية أو الهامشية التي تخلو من أي إبداع وتظل في حالة تبعية للرجل الذي يحتكر الأعمال الأساسية مما يتيح له بسط نفوذه عليها، ويقسم العمل عادة انطلاقا من اعتقاد ضمني بالدونية المهنية للمرأة، وتحاط هذه بمجموعة من الأساطير والمعتقدات حول إمكاناتها الذهنية، حيث أتبثث الدراسات النفسانية الحديثة بطلانها بشكل قاطع كأسطورة عدم صلاحية المرأة للنشاطات العقلية والرياضية والعلوم المجردة والتطبيقية والبحث العلمي الحالي.

إن الأمر لا يستند إلى أي أساس بيولوجي أو ذهني بقدر ما هو نتاج عملية تشريط اجتماعية تخضع لها المرأة منذ نعومة أظافرها.

توضح الدكتورة نوال السعداوي خطأ التحليل الذي توصل إليه فرويد وزملائه من العلماء الذين ذهبوا بالقول، إلى أن نسبة قليلة جدا من النساء يظهرن عبقرية في الفن أو الأدب أو العلم، حيث تذهب الدكتورة أن سبب هذا الخطأ يكمن في تجاهل الظروف الاجتماعية التي تفرض على المرأة الانغلاق داخل جدران البيت.. وتضييع الوقت في خدمة الآخرين والغسل والطبخ وأرجعوا ذلك إلى الفروق التشريحية بين المرأة والرجل، بل وبعضهم أخرج نظرية تقول “إن قدرة المرأة على الخلق تمتصها بيولوجيا وظيفتها كأنثى تحمل وتلد. بمعنى أنها تخلق أطفالا بولادتهم، ولذا لا حاجة لها إلى الخلق في مجال آخر، كالفن والأدب…وحيث إن الرجل لا يلد فإنه يستطيع أن يخلق في مجالات أخرى، لهذا كان بديهي أن يتركوا للمرأة الوظيفة البيولوجية وهي الولادة كسائر الحيوانات”.

فمنذ البداية حرمت المرأة في المجتمع المتخلف، من كل فرص الارتقاء النفسي والذهني وكل فرص التقدم المهني من خلال سجنها في البيت وفرض مهمات الخادم عليها..)كنس، مسح(، بينما احتفظ الرجل بالأعمال ذات القيمة مترفعا عن أعمال المنزل التي تستنزف كيان المرأة بحجة أنه كاسب القوت ومعيل الأسرة وأن له حق الخدمة على زوجته التي ستجوع وتموت من دونه.

هذا التشريط أدى إلى خمول المرأة وطمس طاقاتها الذهنية وغرس في نفسها دونية ذهنية ومهنية من الصعب علاجها، جعل من الرجل المتسلط يتخذ من هذا التبخيس حجة وسلاحا يحاربها  به ويطمس كيانها أكثر فأكثر في التبعية.

الاستلاب الجنسي: في البداية هناك اختزال للمرأة إلى حدود جسدها، واختزال لهذا الجسد إلى بعده الجنسي، المرأة مجرد جنس أو أداة الجنس ووعاء المتعة، هذا الاختزال يؤدي مباشرة إلى تضخيم البعد الجنسي لجسد المرأة بشكل مفرط، وعلى حساب بقية أبعاد حياتها، إنه يمحور المرأة ويركزها حول المسألة الجنسية، يركز كل قيمتها في هذا البعد من حياتها كما يفجر كل مخاوفها الوجودية حول كارثة ما تعصف بوجودها، فهاجس المرأة قبل الزواج، يتحول إلى قلق حول غشاء البكارة وسلامته، وإلى قلق حول قدرات الجسد على حيازة إعجاب الرجل بضمان الزواج، هذا التركيز يفجر عند المرأة أشد الرغبات وأعظم المخاوف في آن معا.

تلك هي المعضلة الأولى التي تتعرض لها المرأة في الاستيلاب الجنسي خصوصا أنها تعيش كيانها بشكل مهدد، تتهدد رغباتها الذاتية، وتتهدد رغبات الرجل خارج الزواج وتتهدد الحوادث على اختلافها، )تشويه الجسم، إصابته بعاهة، فقدان البكارة لسبب ما..إلخ(

يقابل التركيز الجنسي المفرط والاختزال لجسد المرأة قمع له، يبلغ أقصى درجات الشطط والقسوة. فالممنوعات التي تفرض على جسد المرأة، في حركية هذا الجسد وتعبيراته، ورغباته المختزلة إلى بعده الجنسي، هو عورة يجب أن تستر وتصان وتحصن، وهو قبل ذلك ملكية الأسرة ومن ورائها المجتمع. أسرة الأب في البداية ثم أسرة الزوج فيما بعد، ليس للمرأة سلطة على جسدها، )جنايات الشرف تشهد على ذلك بشكل صارخ وفادح(وهذا ما وضحته الدكتورة نوال السعداوي بالقول، “أنه بالرغم من حرية المرأة  إلى حد ما بعد كل تلك السنين من القمع، حيث لم يعد هناك حزام عفة حديدي، لكن تؤكد أن أثر الحزام لازال موجودا، بل إن المرأة تصنع الحزام خوفا من تلك الحرية الجسدية التي لن تتعود عليها، وهي في الحال أشبه بالسجين الذي قيدت قدماه بالسلاسل الحديدية سنين طويلة، وحيث رفعت السلاسل أصبح خائفا من مجرد السير على قدميه…والمرأة أيضا أصبحت تحث قيودها، وليس ذلك بسبب الفروق التشريحية بينها وبين الرجل ولكن بسبب القهر الاجتماعي الطويل، وخوفها الدفين الآن من أية حركة أو حرية”. حيث يعتبر الجسد التابع للمرأة ما يزال مادة غنية التشريع وتحديد المسموح والممنوع من تحركات الجسم وتعبيراته ومتطلباته تبعا لأنماط مقبولة اجتماعيا أي تبعا لأنماط تخدم مصلحة المتسلط التي يمتلك هذا الجسد.

هناك قوة المنع المدنية، وقوة التحريم الدينية التي تقتل جسد المرأة بقيود الخطيئة ومشاعر الإثم الحركية الحرة للجسم جنسيا التي هي أساس معنى العيب، وضبطها المقنن أساس معنى الشرف، فالخلاصة، أن جسم المرأة مقيد تاريخيا، إنه جسد مؤسس، بكل قوانين التحريم والمنع التي تهدف لاحتواء هذا الجسد ووضع مفاتيحه في يد الرجل.

فالقوانين هي إذن وسيلة للرجل وسلاحه لامتلاك جسد المرأة والسيطرة على كيانها بالتالي، إذ من المعروف أن أقصى درجات السيطرة تتم من خلال الجسد والتحكم به، لأنه عندما يفلت الجسد ويعبر عن طاقاته ورغباته بحرية، يفلت الإنسان بدوره من التسلط والقهر، ولذلك فالمرأة حينما تتمرد، فإنها تفعل ذلك من خلال إعطاء نفسها حرية التصرف بجسدها جنسيا في المقام الأول.

وهكذا يمتلك الرجل جسد المرأة، أي يمتلكها بعد اختزال كيانها ضمن حدود جسمها في أغلب الأحيان، لا من خلال رضى وتوافق متبادلين، بل من خلال قوة القانون، فالعلاقة على هذا الأساس حقوقية قبل أن  تكون عاطفية، ولكن حقوقية العلاقة لا تترك المرأة أي حق تقريبا، بينما تعطي الرجل كل الحق مما يدفع به إلى الأنانية حتى في المتعة، إذ إنه لا يراعي حاجاتها ووثيرة الإثارة والمتعة عندها، بل حتى الجماع يتحول في معظم الأحيان إلى فعل سيادة الرجل على جسد المرأة من خلال إثبات القوة القضيبية في العلاقات الجنسية المتخلفة المتسمة بالقهر، بدل أن يكون وسيلة للمتعة المتبادلة.

وفي ما عدا هذه الحالات، فإنه عندما تقمع الحياة الجنسية للمرأة كليا في حالة من التنكر الاجتماعي الصريح لها، تتحول المرأة إلى كائن متزمت، وتتحول الطاقة الجنسية إلى مسارب نزوة العدوان متخذة شكل الحقد، والتزمت، يفتح السبيل أمام التعصب على اختلاف أشكاله، تغرسه المرأة بدورها في أطفالها، حيث تنشأ على يديها نماذج بشرية تحمل بذور الفاشية.

والنتيجة تكون هي مساهمة هذه النماذج في قمع حياتها الجنسية وطاقة الحب لديها.

وهكذا فالمرأة التي قُهرت في جسدها، سوف تساهم دون أن تدري بتنشئة رجال فاقدين للقدرة الجنسية، والقدرة على الحب والمتعة، حيث كلما كانت المكانة الاجتماعية العاطفية للمرأة ضمن ثقافة ما، هي مكانة خصاء، كلما زاد ميلها اللاواعي إل خصاء طفلها الذكر أي القضاء على رجولته الجنسية وقدرته عل المتعة، تلك هي كارثة الاستيلاب الجنسي، بمعنى أن الثقافة الذكورية تعطي للمرأة فرصة في المساهمة في إنتاج نفس البضاعة الذكورية الذي أخذتها من الزوج ومن أبيها قبله.

-الاستيلاب العقائدي: وهو أخطر الاستيلابات، حيث تتبنى المرأة كل الأساطير والاختزالات التي يحيطها بها الرجل، كما أنها تجتاف أحكامه الجائرة بصددها فتتقبل مكانتها، ووضعية القهر التي تعاني منها كجزء من طبيعتها عليها أن ترضى بها وتكيف وجودها بحسبها، ولاشك أن خطورة الاستيلاب العقائدي يكمن في كونه ضد كل تغيير، فهي لا تتصور لنفسها وضعا مغاير عن وضعها الذي تجد نفسها فيه.

الاستيلاب العقائدي هو أن تقتنع المرأة بدونيتها تجاه الرجل، وتعتقد جازمة بتفوقه وبالتالي يسيطر عليها، وتبعيتها له، حيث لا يسمح المجتمع للمرأة بالعمل إلا بشرط ألا يتعارض عملها مع واجبها الأول في الحياة، )زوجة-أم( وإذا تعارض فلا بد لها أن تعود فورا إلى البيت ودورها الأول، بل إن خروج المرأة للعمل ليس، )في منطق المجتمع(، من أجل أن تنمي قدرتها الفكرية وترضى طموحها الإنساني والفكري وإنما من أجل أن ترفع المستوى الاقتصادي للأسرة الأبوية.

الاستيلاب العقائدي هو في النهاية أن تقتنع المرأة في أعماقها أن من واجبها الطاعة للزوج وللأب قبله، وأن لها عليهما حق الستر والحماية والإعالة وأن طبيعتها تتلخص في جسد يلبس، وقوام يجذب ورحم ينجب، ولسان يشكو ويتطلب ويكذب، وأيد تطهو وتغسل وتمسح.

من خلال هذا الاستيلاب يصل القهر أقصاه، لأن المرأة تعتز عندها بمظاهر قهرها، وتعرف نفسها من خلال استيلابها، وبالتالي فإن هذا الاستيلاب يطمس إمكانات الوعي بوضعها ويطمس الرغبة في التغيير، كما يطمس القدرة على التحرير، وهكذا تفتح أبواب استغلال المرأة على مصراعيها، وتكون هي المتواطئة الأولى على مصالحها الحقيقية.

المهم أن الاستيلاب العقائدي للمرأة، وما تتلقاه من تعزيز دائم من الخارج ومن الذات في آن معا، يحكم عليها بالبقاء رهينة وضعية القهر، لا هي تعيها ولا هي تقبل أن تغيرها، إنها تتمسك بها باعتبارها طبيعة الأنثى وقدرها، وينعكس ذلك لا محالة على التغيير الاجتماعي بأكمله فيكبحه لا محالة. لا تطوير دون تغيير وضعية المرأة، ولا تغيير لوضعيتها دون تمزيق حجب الاستيلاب العقائدي التي تمنع عنها رؤية ذاتها، ورؤية العالم على حقيقته.

3-التضخم النرجسي: 

بالإضافة إلى التضخم المفرط في أدوار الأمومة، تعمل المرأة على تعويض نرجسي من خلال مثلنة جسدها كموضوع جنسي مرغوب فيه، وتتضخم هذه المثلنة خاصة حينما يحرم الرجل جنسيا من خلال ما تحيطه المرأة بجسدها من ممنوعات، وكل ممنوع الرغبة، )الرغبة الجنسية(، يتعرض لتضخم قيمته في اللا واقعيته، وتعتز المرأة بهذا التضخم لقيمة جسدها، وتشعر برضى زائف لذاتها. من خلال اعتقادها أنها تملك شيئا ثمينا، تمنعه من الرجل، كما تملك إمكانية جذبه إليها وربطه بها، من خلال نذرة أمل الذي تبعثه في نفسية الرجل.

يحدث هنا انقلاب في الأدوار يستند إلى أساس طفلي قوامه علاقة الطفل بأمه، كينبوع كل عطاء ومصدر كل متعة، ينكص الرجل المحروم جنسيا إلى مستوى الطفل المتلهف إلى حنان الأم وحليبها، وتحس المرأة هذا الواقع مما يمدها بمشاعر الانتصار، فهي التي تعطي أو تمنع .

تستخدم المرأة هذا السلاح من الحرمان كي تستمد منه أهمية واعتبارا يعوضان لها قهرها ، لكنه تعويض زائف، وهكذا فهي تحول التحريم الذي فرضه الرجل على جسدها وعلى حرية تعبيره عن رغباته إلى سلاح للسيطرة عليه، تلك واحدة من مفارقات وضعية القهر، وتتدرب المرأة على ذلك منذ نشأتها بفعل بؤس المحيط، فهي لعبة ماتعة تغطي حرمانها الجسدي والجنسي من خلال تعبيرها الجسدي الذي يمتنع، يجدب الرجل ويفلت منه.. ولكنها لعبة مرضية ليس فيها سوى وهم الإشباع ووهم إرضاء الجسد والنفس.

هناك تضخم نرجسي يحمل تعويضا هاما للمرأة خصوصا في المجتمع الاستعراضي من خلال المظهر، كالتوظيف العاطفي والجنسي الذي يحدث عند المرأة بالنسبة إلى استخدام الملابس والزينة وهي ظاهرة ليست بحاجة إل برهان. وهكذا تتباهى المرأة بلعب دور عارضة الجاه والثورة، من خلال ما تلبس، وما تتحلى به، )وكأن جسد المرأة لا يتضمن قيمة كافية بحد ذاته، فهو بحاجة إلى الأدوات والأمتعة من كل نوع كي تخفي قصوره، أو ما أسقط عليه من نقص(، وهنا أيضا يزيف كيان المرأة، وتزييف عواطفها الحقيقية من خلال تحولها إلى آلة لاستعراض، تعتز بهذا الدور لدرجة يلهيها عن القيم الذاتية والإثراء العاطفي والعلائقي.

تلك أمثلة سريعة عن تعويضات تجد المرأة لنفسها قيمة ذاتية من خلالها وتدفعها إلى التمسك بها، ولكنها تنسى أن هذه التعويضات تدخل جميعها ضمن حالات الاستيلاب الذي تتعرض له، جنسيا وعقائديا.

4- السيطرة غير المباشرة على الرجل:

من أشهر ما تلجأ إليه المرأة هو التنغيص الذي تتفنن فيه بعض النساء فتطارد الرجل بلا هوادة حتى تسمم حياته، وتقضي على سكينته، وتتير في وجهه الصراعات  لتخرجه عن طوره وتدفع به إلى الهروب بعيدا عن العلاقة الزوجية، )التي فرضت عليها العبودية(، أو تدفع به إلى فقدان سلطته المعنوية في الأسرة من خلال حشره في سلوك  عدواني يدينه في المقام الأخير، ذلك أيضا محتوم، بما تفرضه عليها وضعيتها من استيلاب وجودي حرمها تحقيق ذاتها. ناهيك عن أساليب الاحتماء بالمرض، أو اللجوء إلى محاولات السيطرة الخرافية على المصير من خلال السحر والشعوذة والأولياء والكتابات وغيرها.. تلك هي درع الحماية الأخيرة يلازم المرأة عادة للدفاع عن نفسها من خلال التماهي بالرجل المتسلط وإدانته بحرمانه من الأنوثة التي تلجأ إليها المرأة في وضعية القهر المفرط.

نستنتج من خلال ما سبق أن دفاعات المرأة السابقة تذهب جلها في اتجاه مرضي، لأنها وليدة علاقة مرضية بين الرجل والمرأة، )علاقة التسلط والقهر(، وهي دفاعات لا تفسح مجالا أمام بروز علاقات معافاة. تحمل الإثراء المباشر والمتبادل لكل من الرجل والمرأة، ذلك مستحيل في وضعية القهر، لأنها تنخر إنسانية الإنسان في العالم المتخلف، وتلقي به في كل أشكال الاضطراب والاختزال. ولا يمكن في هذه الحالة أن يصل إنسان هذا العالم إلى التوازن النفسي و إلى شخصية المعافاة والمتوازنة، إلا في حالة واحدة وهي إذا تحرر من وضعية القهر التي تفرض عليه.

 لا يمكن للرجل أن يتحرر إلا بتحرر المرأة، ولا يمكن للمجتمع أن يرتقي إلا بتحرر وارتقاء أكثر فئاته غبنا، فالارتقاء إما أن يكون جماعيا عاما، أو هو مجرد مظاهر وأوهام.

فأغلب المثل العليا التي تتمتلها المرأة منذ نشأتها حتى وفاتها، في الإعلام والأسرة والمدرسة والشارع والأفلام والصور والكتب…كلها لا تدفع بها إلا إلى طريق مسدود، إلى رجل، والحصول عليه بشتى الأشكال، والزواج منه بأي شكل وإلا فقد فاتها القطار

 كما تضيف نوال السعداوي، “إن القوانين التي تفرض على المرأة العفة وغيرها من القيم التي تقمع جسدها، نجد لها مطابقا في القوانين التي يفرضها المتسلطون على المقهورين والأغنياء عل الفقراء وأصحاب رؤوس الأموال على العمال، من خلال غرس قيم الطاعة والزهد في الحياة والقناعة بضآلة الأجور، بينما يستمتعون هم بقيم الجشع والنهب والربح المتزايد، والإفراط في كل المتع التي حرموها على الطبقات الكادحة.”

 إنها أمثلة تجسد من جهة ما يفرض على المرأة من قهر وغبن، حتى يتمكن الرجل المغبون من الاحتفاظ بشيء من توازنه وكبريائه الظاهري، حيث ما تعيشه المرأة ظاهرا صريحا من قهر وغبن واستغلال هو نفسه ما يعانيه الرجل الكادح بشكل ضمني، ومن جهة ثانية توضع المرأة في المكانة الأكثر إجحافا وقهرا وتنكرا لكيانها، ذلك هو السبيل الوحيد أمام الرجل المقهور والمستغل كي يكون رجلا قويا مزيفا، طالما لم تتيسر إمكانات التغيير، والقضاء على القهر، من خلال عملية تحرير اجتماعي، فإن قهر المرأة على هذا المستوى هو دفاع الرجل ضد القهر الذي يصبه عليه المتسلط، ذلك أن كل قهر يصيب المرأة في علاقتها بالرجل يقابله قهر عند هذا الأخير يصيبه به المتسلط.

ولهذا تنظر المرأة إلى العمل كأنه محطة انتظار ليس إلا، إذا جاءها عريس غني فهي تترك العمل فورا، وإذا جاءها عريس فقير فهذا  حظها، وعليها أن تعمل حتى تصبح أقل فقرا ثم تترك العمل إذا ما سمحت الحالة الاقتصادية بذلك وإذا لم تسمح بأن تترك العمل أبدا فهذا حظها ويجب القبول به. وتحسد في أعماقها الرجل الذي يمنعه تراؤه، ورجولته من تشغيل زوجته متلما هي تشتغل.

غالبا عند النساء أن العمل والطموح الفكري أدنى أهمية من شيء ضروري ولابد أن تنتمي إليه كل امرأة لأنه مفروغ منه وضروري ولا يحتاج لأي مجهود، وهو الزواج، حيث قليل جدا من يعتبر أن العمل أهم من الزواج وإن كان الأول يتطلب مجهودا جبارا بخلاف الثاني الذي اكتسى أهميته من تقاليد المجتمع والطقوس فقط. من الناذر جدا أن ترسم لنفسها قيمة فكرية وقامة مهمة وعالية في المجتمع، فهذا طموح غالبا ما يتجه إلى الرجال في معتقدهن، لتضطر في مقابل ذلك إلى إخفاء ذكائها من أجل اكتمال أنوثتها التي تختصرها في طبقة قشرية وهو جلدها الخارجي الذي يحتاج تفرغها من العمل والطموح الفكري، لتجد له وقتا من أجل العناية به بالكريمات والمساحيق التجميلية.. وهذا كله ناتج من المناخ العام والثقافة الذكورية التي تتعرض لها المرأة منذ ولادتها، والدور الذي يفرض عليها، )دور الزوجة والأم( بكافة الوسائل التي توهمها بأن هذه هي أنوثتها وهذا هو جمالها، وبالتالي يصعب عليها أن تحارب الطبيعة.

وعلى هذا النحو ترضى المرأة بدورها المفروض، وتتفاخر به، وكم من نساء يتفاخرن بأنهن لسن إلا زوجات وأمهات، وأنهن لا زلن أطفالا وساذجات، وكم من نساء يتفاخرن بتصرفاتهن البلهاء، كم يتفاخرن بالغباء، ظنا منهم أنها سعادتهم الأنثوية الكاملة.

ولا يمكن أن ننكر أن بعض النساء العاملات، ورغم كل هذه المعوقات، يتفوقن و يظهرن نبوغا في العلم أو الفن أو الأدب، ولكن هؤلاء النساء قلة قليلة بالطبع، كما أن هؤلاء النساء، رغم كونهن طبيعيات جدا، يفاجأن حين يجدن أن باب الزواج أصبح مغلقا في وجوههن، وسبب ذلك ليس لأنهن مسترجلات أو منحرفات أو شاذات ولكن السبب هو أن الرجال يرفضون الزواج منهن، وإذا حدث وتزوج رجل واحد منهن، فغالبا ما يفشل الزواج، إما لأن الرجل لا يطيق أن تتفوق المرأة عليه، وإما لأن المرأة نفسها بعقلها المتفتح أصبحت غير راضية بالحياة مع زوج له عقل مغلق.

يدفعنا هذا القول إلى الإشارة إلى أهمية الحالة التي تصل إليها المرأة المتمثلة في انفصامها الشخصي بين تفكيرها وفعلها إنها تفكر في شيء معين وتفعل غيره قد يكون مناقضا لأفكارها. وهذا ما يدفع للقلق الناتج عن الصراع الدائر على الدوام بين هذه الأفكار وبين أفعالها التي تعبر عن هذه الأفكار أو عن عدم قيامها بالفعل الذي تريده.

إن المرأة بهذا المعنى، ومن أجل أن تكون مقبولة في المجتمع تضطر أن تكبت حقيقتها لذلك تضطر إلى ضرورة التكيف مع المجتمع وهذا خطأ في حقها، حيث لا يمكن أن ينتج عن هذا الاندماج والتكيف سوى قتل لوجودها الحقيقي، والمرأة الطبيعية هي المرأة التي نجحت في قتل وجودها الطبيعي في نظر المجتمع. أما المرأة التي تسمى بالمرأة العصابية، فهي التي فشلت في قتل وجودها الحقيقي، لهذا عبرت الدكتورة السعداوي عن أسفها الشديد حينما قالت “كم هو خاطئ تعريفنا للعصاب على أنه الفشل في التكيف مع المجتمع، إن هذا التكيف معناه أن يقبل الإنسان على قتل الجزء الأكبر من وجوده من أجل الإبقاء على جزء صغيرا جدا من هذا الوجود، وأن ما نراه من أعراض العصاب ليس إلا أعراض الإنسان الذي يحاول  الحفاظ على إنسانيته ووجوده…إن القلق بهذا المعنى هي حالة الإنسان عندما يصارع تلك القوى التي تحاول تحطيم وجوده.

ينتج عن هذا ظاهرة الكذب المتفشية في المجتمع، هذا الكذب الذي يحدث انفصاما بين حقيقة المرأة، والرجل أيضا، وبين ما تتظاهر به أمام الناس والانفصام يحدث في الأسرة أيضا، فيصبح للإنسان حياة أسرية ظاهرية هي علاقة الأزواج بالزوجات الظاهرية ثم حياة أخرى خفية هي علاقة الأزواج بالعشيقات أو الزوجات بالعشاق.

ويحدث الانفصام في المجتمع أيضا، فإذا بالتناقض الواضح بين القيم الأخلاقية والدينية وبين القيم التجارية والاقتصادية.

من خلال كل ما ناقشناه، يدفعنا فكرنا على التأكيد أن المرأة القوية الصحيحة نفسيا المتكاملة البناء في شخصيتها تمثل صعوبة أمام الرجل الذي يريد أن يستغلها لصالحه، ولهذا تفشل النساء القويات الواعيات الذكيات في الزواج وتنجح النساء الضعيفات غير الواعيات في الزواج، وترتفع نسبة الطلاق بين النساء القويات الواعيات الذكيات مقارنة مع النساء الضعيفات غير الواعيات في الزواج، ويمجد الرجل في المرأة الضعف وعدم الوعي والغباء والسذاجة ويلعن الرجل في المرأة الذكاء وقوة الشخصية وتكاملها، ويصبح ضروري على المرأة أن تخفي ذكاءها ووعيها إذا أرادت النجاح في الزواج، وهذا يسبب لها صراعا نفسيا قد تعالجه بالطلاق أو عدم الزواج، إذا استطاعت، أو تعالجه الأقراص المهدئة، إذا لم تستطع التحمل، ولا يمكن أن أنكر أن هناك بعض الرجال الذين لا يريدون استعمال زوجاتهم أو استغلالهن، وإذا حظيت المرأة المثقفة الواعية الذكية برجل من هؤلاء فهي تعفى من هذا الصراع، ولا تكون مضطرة إلى إخفاء ذكائها ووعيها من أجل إنجاح زواجها، ولكن هذا النوع من الرجال قليل وناذر، والأغلبية الساحقة من الرجال لا تزال تفزع من ذكاء المرأة ووعيها، وتفضل المرأة التي يسهل استغلالها، والتي تستسلم لحياة العبودية دون تذمر أو مقاومة.

5- الدين والإخلاص والصحة النفسية:

من المعلوم أن الإنسان لا يكفيه أن يأكل ويشرب ويتناسل، ولكنه يريد أن يستخدم عقله من أجل الوصول إلى الحق والعدالة والحرية والحب بين البشر. والصحة النفسية هي قدرة الإنسان على استخدام عقله من أجل الوصول إلى الحق والعدالة والحرية والحب.

فأسئلة من قبيل: ما هو الدين؟ هل هو تلك الفرائض والعبادات التي تؤدى داخل المساجد والكنائس؟ أم أن الدين هو سعي الإنسان لتحقيق الصدق والعدالة والحرية والحب بين البشر؟

تدفعنا إلى التأكيد أن سعادة الانسان أكبر من مجرد الأكل والشرب والسكن، ومعظم علماء النفس أيضا قالوا إن السعادة والصحة النفسية للإنسان أكبر من مجرد أن يعيش الجسد ويستمتع، وأن الإنسان يختلف بلا شك عن الحياة لأن الإنسان لا يكفيه أن يأكل ويشرب ويتناسل، ولكنه يريد أن يستخدم عقله من أجل الوصول إلى الحق والعدالة والحرية والحب بين البشر، والصحة النفسية هي قدرة الإنسان على استخدام عقله من أجل الوصول إلى الحق والعدالة والحرية والحب، لقد ظل الإنسان في حاجة دائمة إلى تحقيق هذه المبادئ الأربعة ليشعر بالسعادة وليشعر بالصحة النفسية.

إن الصحة النفسية للإنسان مرتبطة ارتباطا وثيقا بقضية الحرية في أي مجتمع من المجتمعات، فالحرية لصحة النفس كالهواء أو الأكسجين لصحة الجسد، فإن قلّ الأكسجين فسد الدم وإذا انعدم مات الجسد كله، وكذلك بالنسبة للحرية، إذا قلّت فسدت النفس وإذا انعدمت ماتت النفس..

والحرية المعنية هنا ليست مجرد أن يتحرر الإنسان من قيود العالم الخارجي، ولكن يهدف بها الإنسان لتحقيق ذاته من خلال العمل المنتج الذي يحبه، والذي عن طريقه يستعيد روابطه بالعالم الخارجي لكنها الآن ليست روابطه مفروضة أو قيودا، ولكنها صلات إنسانية تربط الفرد الحر المستقل بخير مجتمعه الأكبر وتطوره المستمر نحو تحقيق العدالة  بين البشر والحق والحب والحرية.

إن نفس الإنسان هي نفس الإنسان سواء كان ذكرا أم أنثى، وإن الإيجابية والقوة والصدق والعدل والحرية صفات المرأة الصحيحة نفسيا كما هي صفات الرجل الصحيح نفسيا.

إن الصحة النفسية للمرأة لا تتحقق إلا من خلال الحب والعمل المنتج تماما كالصحة النفسية للرجل، وإن ثالوث النفس، )الفكر، الرغبة، الفعل(. عند المرأة يحتاج إلى الحرية نفسها. التي يحتاجها الرجل، وإن أي كبث لأي عنصر من عناصر النفس يسبب عند المرأة القلق والضيق والمرض الذي يسببه الرجل، وأن المرأة في حاجة إلى الحرية الإيجابية، )وليس السلبية فحسب(، لتحقيق ذاتها كعضو منتج في المجتمع ولا يكفي للمرأة الطبيعية أن تحقق ذاتها من خلال الزواج أو ولادة الأطفال. إن الأمومة وحدها لا تكفي للمرأة لتستمتع بالصحة النفسية، تماما كالأبوة التي لا تكفي الرجل ليتمتع بالصحة النفسية، فالمرأة كالرجل  تحتاج لتحقيق ذاتها إلى عمل منتج في المجتمع، تحتاج إلى فعل تحتاج إلى أن تفكر وأن تكون أفكارها نابعة من نفسها وليس من الآخرين، وتحتاج إلى أن تكون رغباتها صادقة نابعة من نفسها وليس ممن حولها.


  •    الهوامش

 نوال السعداوي،  الأنثى هي الأصل الناشر مؤسسة هنداوي سي أي سي ، المشهرة برقم 10585970، بتاريخ 26/01/2017 ص 24 

2  مصطفى حجازي، “التخلف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور” المركز الثقافي العربي بيروت، لبنان، ط 9 سنة 2005 ص 257 

3  نفسه  ص 159

4  مرجع سابق، نوال السعداوي، الأنثى هي الأصل  ص 36 

5   مرجع سابق، مصطفي حجازي، التخلف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، ص 199-200 

6 نفسه ص 257 

7   نفسه ص 257 

8  نفسه ص 201 

9  مرجع سابق، نوال السعداوي، الأنثى هي الأصل ص50  

10 نفسه ص 51 

11 نفسه ص 52 

12 نفسه ص 65 

13 مرجع سابق، مصطفي حجازي، التخلف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، ص 202 

14 نفسه ص 205 

15 نفسه ص65 

16 نفسه ص 201

17  نفسه ص 201  

18 نفسه ص 201-202

19 نفسه ص 203 

20 نفسه ص 203 

21 نفسه ص 207 

22 نفسه ص 208 

23 نفسه ص 209 

 24 نفسه ص 210 

25 نفسه ص 201 

26  مرجع سابق، نوال السعداوي، الأنثى هي الأصل ص 19

27  مرجع سابق، مصطفي حجازي، التخلف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، ص 212

28 نفسه ص213 

29 نفسه ص 214

  30 مرجع سابق، نوال السعداوي، الأنثى هي الاصل ص 121

31 مرجع سابق، مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور ص 214 

32 نفسه ص 215 

33 نفسه ص 215 

34 نفسه ص 217 

35 نفسه ص  217

36 مرجع سابق، نوال السعداوي، الأنثى هي الاصل ص 124

37 مرجع سابق، مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور 

  ص 217-218 

38 نفسه ص 219 

39 نفسه ص 224

40  نفسه ص 225 

41 نفسه ص 226 

42  نفسه ص 226 

43 نفسه 206

44  مرجع سابق، الأنثى هي الأصل، ص 126 

45 نفسه ص 126 

46 نفسه ص 157 

47 نفسه ص 162 

48  نفسه ص 185


  •   قائمة المراجع والمصادر

– نوال السعداوي،  الأنثى هي الأصل الناشر مؤسسة هنداوي سي أي سي ، المشهرة برقم 10585970، بتاريخ 26/01/2017

– مصطفى حجازي، “التخلف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور” المركز الثقافي العربي بيروت، لبنان، ط 9 سنة 2005

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.