“الكتابة النقدية عند محمد برادة – المرجعية والخطاب”

المؤلف: إدريس الخضراوي

0

 

صدر حديثاً عن منشورات أفريقيا الشرق بالدار البيضاء للباحث والناقد المغربي إدريس الخضراوي كتاب نقدي بعنوان “الكتابة النقدية عند محمد برادة- المرجعية والخطاب”. وهو دراسة نقدية مطولة تناول فيها الباحث الكتابة النقدية عند محمد برادة من حيث سياقات تشكلها ومرجعياتها الفكرية والنقدية وطبيعة المفاهيم النقدية التي اشتغل بها، وإسهامه في تأسيس الأدب المغربي الحديث.

يتألف الكتابُ (348 صفحة) من مقدمةٍ وثلاثة أقسام فيها سبعة فصول وخاتمة.
القسم الأول، الحقل الثقافي وإشكالية النقد، يتكون من فصلين، تكرّس الأول للنقد المغربي من التأسيس إلى التجريب والتأصيل، حيث تتبع المؤلف نشأة النقد المغربي الحديث باعتباره ممارسة تَتقصّدُ إلى دراسة النصوص الأدبية وتفسيرها وفق منظور منهجي محدد، اعتمادا على أربع محطات أساسية تلخصُ سيرورة النقد المغربي من التأسيسِ إلى التجريبِ والتأصيلِ هي: النقد قبل الستينيات، ومرحلة التأسيس، ثم مرحلة التجريب، فمرحلة التأصيل.

الهدفُ من هذا التقطيعِ الزمني، كما يقول الباحث، هو الكشفُ عن الدورِ المحوري الذي نهضَ به محمد برادة منذ الستينيات في ظهورِ الأدب المغربي الحديثِ، وفي تأسيسِ النقدِ الأدبي كخطاب يقومُ على المعرفة والوصفِ والتأويلِ. أما الثاني: مسار ناقد تأويلي ومثقف تنويري، فتناول فيه الباحث مسارَ محمد برادة من منظورٍ يُركزُ، أولا، على التكوينِ الثقافي والفكري من خلال الجيلِ الذي ينتمي إليه، وأثرِ الوعي الوطني الذي كانَ يتطلعُ إلى تحرير الوطن في مشروعه النقدي، ومفهومه عن الأدب ووظيفته.

وفي هذا السياق تتبع المؤلف المراحل الأساسية في مساره منذ ولادته سنة 1938 من خلالِ المحطاتِ التاليةِ: الدراسة بالمدارس الوطنية، الدراسة بالقاهرة، الدراسة في باريس، العودة إلى المغرب والتدريس بالجامعة، ثم مرحلة ما بعد الجامعة. حاول الباحث من خلال هذه المحطات، أن يثبتَ كيفَ لعبت المثاقفةُ دوراً محورياً في تشكيلِ الوعي النقدي لدى برادة، وفي تطور خطابه النقدي، ومواكبته التحولات التي عرفها الأدبان المغربي والعربي منذ الستينيات إلى اليوم.

كما ركز على رسم صورة عامة لمحمد برادة باعتباره رائد النقد الحديث، وذلك من خلال ثلاثة محددات أساسية هي: النقد وسوسيولوجية الأدب، النقد والترجمة، والناقد الحواري التأويلي. ومن أجل تركيب هذه الصورة أفاد الباحث من أعماله ومقالاته المختلفة، والنصوص النقدية التي عمل على ترجمتها، بالإضافة إلى جهوده في تحليل المسألة الثقافية من منظورٍ نقدي مقارنٍ، خاصة مفهومه لـ “الثقافة المضادة” باعتبارها أداة أساسية للخروجِ بالمجتمعِ المغربي خاصة، والمجتمعات العربية عامة، من وضعِ التخلّفِ والانحطاطِ إلى وضعِ التقدّمِ والارتقاءِ.

في القسم الثاني، في مفاهيم الأدب والنقد والثقافة، تناول المؤلف في الفصلِ الثالثِ النقد وإشكالية المنهج. وانطلق من محاولةِ تلمسِّ التأثير القوي لطروحات كلّ من رولان بارت ولوسيان غولدمان وميخائيل باختين في الخطاب النقدي لمحمد برادة مقارنة بجورج لوكاش. وبما أن محمد برادة يصنّفُ نفسه ضمنَ النقادِ الذين اشتغلوا بسوسيولوجية الأدبِ، والمناهجِ النقدية الحديثة التي تولّدت عن الفورةِ اللسانيةِ كالمناهج السيميائية والسردية والهيرمينوطيقا التأويلية ونظرية التلقي، فقد عمل الباحث على تَعقّبِ إنتاجه النقدي من خلال ثلاثة محاور: من الانعكاسِ إلى العلاقاتِ والأنساق، والنقد في أفق سوسيولوجيا الأدب، وغواية التأويل: الشعرية السوسيولوجية والهيرمينوطيقا التأويلية.

وإذا كان كتابه: “محمد مندور وتنظير النقد العربي” يمثلُ أهمّ محاولة لتطبيق البنيوية التكوينية في دراسةِ وتحليلِ الإنجاز النقدي لمحمد مندور، فإنّ أعمالَهُ اللاحقة استفادت من الشعريةِ السوسيولوجية والهيرمينوطيقا التأويلية، حيث تطورَ مفهومُ برادة عن النقدِ الأدبي بالانفتاحِ على الافتراضاتِ المنهجية والنقدية الجديدةِ للناقد الروسي ميخائيل باختين، بالإضافة إلى أعمالِ بونوا دوني وتيودور أدورنو وبول ريكور… وآخرين. وقد اتخذ الباحث من كتبه النقدية متناً للكشفِ عن الجوانبِ التي اهتمّ بها برادة في دراسته للعملِ الأدبي، ومنها الشكل الفني بمكوناته المختلفة والدلالة الاجتماعية. أما الفصل الرابع، النقد الأدبي وبناء المفاهيم، فقد تناول فيه المفاهيمَ الأساسيةَ التي فكّر فيها هذا الناقد، أو اشتغلَ بها في دراسة الأدبِ العربي الحديثِ.

من بين المفاهيم التي قام بتتبّع دلالاتها عند برادة، مفهوم الأدب والنقد باعتبارهما مفهومين أساسين تميز برادة بالتشديد على ضرورة التساؤل عن وظيفتيهما والجدوى منهما في كل أعماله النقدية. وبما أن محمد برادة يُعنَى بالدور الذي تلعبه الأفكار داخل العلاقات الاجتماعية، فقد تميز مفهومه عن الأدب بالتأكيد على الوظيفة الاجتماعية. كما بحث تصوره لمفاهيم “الحداثة” و”الالتزام” و”الواقعية” و”الثقافة” باعتبارها مفاهيم مفتاحية شغلت الفكر الأدبي العربي الحديث منذ النصف الثاني من القرن الماضي، بالإضافة إلى قراءته لفانون، وتأثير مفاهيمه في تنظيره للمسألة الثقافية.

القسم الثالث، في النقد الروائي، تَضمّنَ ثلاثة فصول. في الفصلِ الخامسِ، الرواية مستودع أسرار كبرى، تناول المؤلف مقومات التفكير النظري بخصوص الرواية عند محمد برادة من خلال محاور تبرز مستويات وعيه بمفهوم الرواية كمفهوم غير ناجز، في سيرورة من التحول والتبدّل. ويعدّ التعبير عن الصراع بين الفرد والمؤسسات الاجتماعية من بين الركائز الصلبة التي يَنهضُ عليها مفهومه عن الرواية. أما المحاور التي تسلّطَ عليها الاهتمام في هذا الفصل فهي: نوعٌ أدبيٌ يستعصي على التحديدِ، وفي أصولِ جنسِ الروايةِ، والشكلُ والمضمونُ في الرواية. وفي الفصل السادس، في التحقيب: محاولة لتقسيم زمن الرواية العربية، تَركّزَ البحثُ على تحديد الإشكاليات التي فَكّرَ فيها محمد برادة في نقدهِ الروائي من خلالِ ثلاثة محاور: نشأة الرواية العربية بوصفها إشكالا نقديا، في التصنيفِ والنمذجةِ، والرواية ذاكرة المستقبل، فكيف يكون النقد؟

أما الفصل السّابع، الرواية العربية والفضاء العالمي، فقد درس فيه أثرَ مفهوم الأدب العالمي ودراسات ما بعد الكولونيالية في تحليلِ محمد برادة لموقع الرواية العربية في السياقِ العالمي. وفي هذا الإطار ركز المؤلف على تأثيرِ تصورِ بورديو وكازانوفا للحقل الثقافي على تحليلِ برادة لأبعادِ عالمية الرواية العربية التي تنهضُ على التحولاتِ التي طاولت مفهومَ الروائي العربي عن اللغة، حيث يتعيّنُ التعدد اللغوي بوصفه أحد المرتكزات الأساسية لتشخيص التعددية الاجتماعية، بالإضافة إلى الوعي بالذات الفردية، وجنوح السرد إلى الحفر في دهاليز الذات ومناطقها بشكل متحرر من أي رقابة.

يشار إلى أنه صدرت للكاتب إدريس الخضراوي ثلاثة كتب نقدية هي: الأدب موضوعا للدراسات الثقافية (2007)، الرواية العربية وأسئلة ما بعد الاستعمار (2012)، سرديات الأمة- تخييل التاريخ وثقافة الذاكرة في الرواية المغربية المعاصرة (2017).

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.