المغرب العربي؛ عنوان المعركة القادمة بين أوروبا والصين

يخشى الأوروبيون من تقدم الصين في أفريقيا، القارة التي يرى العديد من كبار رجال الأعمال الفرنسيين والأوروبيين الآخرين أن أوروبا خسرتها بالفعل باستثناء المغرب العربي

 

علّمنا التاريخ أن التحولات في موازين القوى العظمى في الاقتصاد العالمي يمكن أن تكون خطيرة، حيث يعدّ صعود ألمانيا بعد 1870 وكذلك انتقال الهيمنة من بريطانيا إلى الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الأولى أبرز مثالين على ذلك.

جاء صعود الصين راهنا وحربها التجارية ضد الولايات المتحدة وانحدار موقع أوروبا النسبي في الاقتصاد العالمي ليشجّع على وجوب الإسراع نحو تسوية جديدة بين أبرز الجهات الفاعلة دوليا. كما غيّر فايروس كورونا المستجد سمات العولمة التي عهدها العالم وطرح تساؤلات حول جدوى سلاسل القيمة كما نعرفها.

ومع ارتجاج الصفائح التكتونية، ليست منطقة شمال أفريقيا في وضع مريح، بالتأكيد. حيث تفتقر إلى هدف مشترك يجمع بلدانها تحت راية واحدة، فهي تبقى غير قادرة على الاتفاق على حدود معترف بها دوليا ناهيك عن تطوير مشاريع اقتصادية مشتركة ذات اهتمام متبادل تفيد المنطقة بأكملها وإن كانت ستوفر فرص عمل تعدّ هذه الحكومات في أمسّ الحاجة إلى خلقها. ولا تسهّل مواقف أوروبا تحسين الوضع، حيث تنظر إلى المنطقة المغاربية من زاوية تقتصر على مصالحها الأمنية.

ستشهد سلاسل القيمة الطويلة التي شهدت توجّه الشركات الأوروبية إلى الصين منذ أوائل التسعينات تغيّرات عديدة بعد هذا الوباء. وبعيدا عن قضية الانبعاثات الكربونية الصناعية، لن تسمح فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة بمواصلة اعتماد 80 في المئة من المكونات الصيدلانية النشطة القادمة من الصين.

هل ستنغلق بلدان أوروبا على نفسها بعد الوباء أم أنها ستلقي نظرة على التاريخ لتزاحم بكين في شمال أفريقيا

وستبدأ إعادة هذه الأنشطة جزئيا إلى الاتحاد الأوروبي، وقد ينطلق بعضها في تونس والجزائر والمغرب التي تتميز بقدرتها على التصنيع وفقا للمعايير الدولية.

أقامت الشركات الأوروبية مصانع للسيارات في الصين وفي طنجة. وأبرز موقع المغرب الجغرافي وقدرته على اتمام المهمة فائدة إضافية للتصنيع في منطقة أقرب إلى القارة.

ولا يوجد ما يوضح سلوك أوروبا التجاري أفضل من الطريقة التي تعاملت بها مع المغرب في هذا القطاع. حيث تصدر الشركات الفرنسية الرائدة والشركات المصنعة الألمانية ما يقدر بـ100 ألف سيارة إلى المغرب سنويا. ووافق المغرب على التنازل عن رسوم الاستيراد الجمركية البالغة 22.5 في المئة، وليس هذا ما يطبّق بالنسبة للسيارات من اليابان أو كوريا. وهو ما يمنح شركات تصدير السيارات في الاتحاد الأوروبي أرباحا تكاد تعادل ما يقدمه من مساعدات سنويا.

كما تدفع الدولة المغربية نفقات البنية التحتية اللازمة لبناء المصانع، وتقدّم إعفاءات ضريبية سخية في سنوات التصنيع الأولى. ولا يغيّر وضع المغرب كحليف استراتيجي وسياسي وثيق لفرنسا سلوك باريس. كما يتكرر هذا النمط في تونس. لكن الجزائر مختلفة لأن مواردها النفطية سمحت لها بلعب دور استقلالي أكثر.

 لكن مع انخفاض أسعار النفط إلى 20 دولارا للبرميل، ومع اعتمادها على اقتصاد أقل تنوعا من اقتصاد جارتيها ومواجهتها لتحديات سياسات محلية هائلة، لا تفعل الإدارة الاقتصادية الجزائرية الكثير لتشجيع التصنيع الخاص ولا تعدّ نموذجا في هذا القطاع على أي حال.

في 1995 أعلنت الشراكة الأورومتوسطية (أو عملية برشلونة) ما بدا وكأنه حقبة جديدة من التعاون الاقتصادي بين ضفتي غرب المتوسط. لكن العلاقة اصطدمت بمجموعة من المشاكل، بما في ذلك الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وأحداث 11 سبتمبر، والأزمة المالية في 2008، والانتفاضات العربية سنة 2011.

خلال التسعينات مارست ألمانيا سياسة أكثر فاعلية في التوجّه نحو دول أوروبا الشرقية، التي انضمت في نهاية المطاف إلى الاتحاد الأوروبي. وحققت نجاحات أكثر من التي حلمت بها فرنسا في شمال أفريقيا.

يخشى الأوروبيون من تقدم الصين في أفريقيا، القارة التي يرى العديد من كبار رجال الأعمال الفرنسيين والأوروبيين الآخرين أن أوروبا خسرتها بالفعل باستثناء المغرب العربي. لكن، إذا كانت أوروبا (بتشجيع من فرنسا) تنوي العمل على إشراك شمال أفريقيا بجدية أكبر، فقد تتغير الأمور. وسيسدّ الصينيون بلا شك الفجوة إذا تراجعت أوروبا.

غراف

سيتعين على الجزائر وتونس والمغرب (وإن كان بدرجة أقل)، إصلاح الدولة، وتحديث الحوكمة، وخاصة القضاء.

ويعتمد المغرب بنوكا أكثر حداثة، وتقدّم تونس قوة عاملة أفضل تعليما. وعلى الرغم من أن مسار الديمقراطية قد يبدو صعبا في تونس، إلا أن البرلمان المنتخب قد يثبت قدرته على إصلاح البلاد بالابتعاد عن الطرق الاستبدادية القديمة.

لم يفكر الاتحاد الأوروبي أبدا في التكلفة الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية التي سيتكبّدها بخسارة العنصر المغاربي. ولم يساعد على تقريب الجزائر والمغرب، وألقى تدخل فرنسا والمملكة المتحدة في ليبيا في 2011 بعبء كبير على الجيران، وخاصة تونس التي أصبحت نفقاتها الأمنية تمثل 20 في المئة من الميزانية بعد أن كانت في حدود الـ5 في المئة حتى 2011.

مع خضوع معايير العولمة لتغييرات كبيرة بمجرد احتواء تفشي الفايروس، يمكن لأوروبا (ويجب عليها) أن تقدم لشمال أفريقيا مستوى أكثر جدية من الشراكة الاقتصادية. كما يجب أن تواجه نقاط ضعفها وأن تدرك أن تحوّل شمال أفريقيا إلى منطقة مزدهرة يحمل وائد كبيرة لكلا ضفتي الغرب المتوسطي.

لا يجب على الاتحاد الأوروبي التوقف “عن توجيه” البلدان المغاربية نحو الديمقراطية فحسب بل السماح لها بالعمل على مستقبلها أيضا. إن هذه الممارسات مهينة في ضوء قدرة أوروبا على نسيان موقفها الديمقراطي وحيثما ترى مصالحها. كما سئم سكان شمال أفريقيا هذا الخطاب الذي يمكن حتى للذين لا يمتلكون درجة عالية من المعرفة والإطلاع أن يشعروا بنبرة النفاق فيه.

هل ستنغلق بلدان أوروبا على نفسها أم ستلقي نظرة على التاريخ لترى تقليدا عريقا من التعاون التجاري الذي يتجاوز أي إسفين يحاول المتطرفون من كلا الضفّتين غرسه في هذه العلاقات؟


فرانسيس غيلس / باحث مساعد في مركز برشلونة للشؤون الدولية


المصدر

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يستحسن طباعة المقال !!