ستيجلز: الأزمة الحالية تُظهر فظاعة الليبرالية (حوار)

 

رغم أن الولايات المتحدة الأمريكية تعد القوة الاقتصادية والعسكرية الأولى عالميا، فإن جوزيف إي.ستيجلز، الحائز جائزة نوبل للاقتصاد، يعتقد أن بعض الإجراءات التي اتخذتها لمواجهة جائحة كورونا المستجد، مستوردة من الخارج.

على سبيل المثال، استوردت الإجراء الذي اتخذته بعض الدول الأوروبية، والمتمثل في الحفاظ على عقود الأجراء المرتبطين رسميا بالمقاولات خلال فترة تعليق العمل مؤقتا بعد إعلان الحجر الصحي وحالة الطوارئ وإغلاق الحدود، وهذا «سيكون مهما جدا في الولايات المتحدة، خاصة أن أغلب الأجراء لديهم تأمين صحي عن طريق رب العمل».

ووفق جوزيف إي.ستيجلز، فإنه لن يكون من السهل، للأسف الشديد، على الدول الأوروبية الاستفادة في الوقت الراهن من الامتياز الأمريكي لمواجهة هذه الأزمة، والمتمثل في إصدار ديون لتمويل إجراءات الإنقاذ. «يجب إصدار سندات أوروبية. وهذا في الحقيقة ما أراه عين الصواب، لكن، في الوقت الراهن، ليس هناك ما يكفي من التضامن في أوروبا لدعم مثل هذا الإجراء»، يشرح صاحب جائزة نوبل في الاقتصاد سنة 2001 في حوار عبر الهاتف مع صحيفة «إلباييس».

هل يمكن القول اليوم إن المشروع الأوروبي أصبح على كف عفريت؟

إنه وقت الإبداع من أجل البقاء وإلا فإن المشروع سينهار. سيتقوى الاتحاد الأوروبي إذا ما أدرك أنه في الوقت الذي كان في حاجة إلى تماسك الأمة، وجد المواطنين الأوروبيين في صفه. لكن، قد يحدث العكس تماما إذا ما ستمر البعض أيضا في أنانيتهم، كما هو الحال دوما، وإذا استُمِر في إطلاق عبارات المواساة فقط دون الانتقال إلى ما يجب القيام به في الحقيقة، وهو الدعم المالي. هذا وقت حرج بالنسبة إلى مستقبل أوروبا.

هناك مخاوف في ألمانيا من إمكانية أن ترتفع أسهم اليمين المتطرف إذا تقاسمت الحكومة التكلفة المالية اللازمة مع دول الجنوب الأوروبي التي تضررت بشكل كبير (إيطاليا وإسبانيا)؟

هذا يجعلنا نستحضر الخطأ الجسيم الذي سقطت فيه المستشارة، أنجيلا ميركل، في سنتي 2010 و2011. في ذلك الإبان، لم تقل إن اليونانيين كانوا يشتغلون ساعات أكثر حتى من الألمان، ولم تكلف نفسها عناء قول إنه يجب دعم شريك أوروبي يمر بمرحلة عصيبة جدا، في إطار التضامن.. ما قاموا به هو إنقاذ الأبناك فقط، فيما تركوا ثقل الأزمة على كاهل الشعب اليوناني. بل أكثر من ذلك، وصفوا اليونانيين بالكسالى. ما نعاينه الآن، بعد عقد من ذلك، هو نتيجة لذلك الخطاب المانوي (عقيدة تؤمن بأن هناك إلهين؛ أحدهما هو إله النور والخير والآخر هو إله الظلام) القائم على تحميل اليونانيين مسؤولية أموال أقرضتها الأبناك الفرنسية والألمانية لليونان. لكن، بعد قول كل هذا، فالسؤال الأساسي الذي يطرح نفسه بقوة هو: ما هو مستقبل أوروبا؟ إذا لم يكن هناك رد أوروبي في المستوى المطلوب، سيزداد الشعور المعادي للوحدة الأوروبية في بلدان مثل إيطاليا (يقارب عدد الإصابات 140 ألف شخص في إيطاليا و18 ألف حالة وفاة).

هل نحن في زمن القطيعة مع الليبرالية الاقتصادية؟

هذا ما آمله، حيث تظهر الأزمة الحالية فظاعة الليبرالية. إن الأسواق لا يمكنها وحدها أن تدبر هذه الأزمة، لذلك، نلجأ إلى الحكومة. فحتى الأسواق لم تهيئنا لمثل ظروف كهذه، لأنها كانت لها دوما نظرة غير واضحة بخصوص المخاطر.

وقد أماطت الأزمة الاقتصادية لسنة 2008 اللثام عن أخطار مالية جمة، وهذه الأزمة الحالية دليل آخر على تزايد المخاطر. مثلا، في الولايات المتحدة، لم تكن المستشفيات تتوفر على أسرَّة إضافية (احتياطية)، كما أن الشركات كانت تشتغل بمنطق الجرد في الوقت المناسب. أي أن كل شيء على ما يرام حتى يظهر لك المشكل. وهذا نهج كارثي بالفعل؛ فالأمر أشبه بقيادة سيارة دون العجلة الاحتياطية، فإذا ظهر ثقب في إحدى العجلات، تكون التكلفة باهظة. يقترح الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، خفض دعم البحث العلمي بنسبة الثلث، كما قلص ميزانية مراكز مراقبة الأوبئة. لقد جعلتنا هذه الاقتطاعات الطائشة من ميزانية القطاع العمومي دون حماية ولا استعداد قبلي لمواجهة الأزمات.

أعتقد أن الناس أدركوا أن السبب الذي جعل الولايات المتحدة غير قادرة على القيام بفحوصات الكشف عن الفيروس على نطاق واسع هو تفكيك القطاع العام. وهنا، تجدر الإشارة إلى أن كوريا الجنوبية توجد في وضع أحسن بكثير من الولايات المتحدة الأمريكية. نحن هنا في نيويورك نشعر بتكلفة تفكيك القطاع العمومي بطريقة درامية.

كان يُتحدثُ سنة 2008 عن فشل النموذج النيوليبرالي، مع ذلك، وصلنا إلى هنا؟

سيكون هذا أكبر تحدٍّ يواجه السياسة. في عز هذه الأزمة، اقترح الجمهوريون، بشكل غير قابل للتصديق، إحداث صندوق دعم للمقاولات قيمته 500 مليار دولار، وتقديم مساعدات قليلة جدا للأشخاص الذين سيعانون بشكل كبير ويلات هذه الأزمة. لقد كانت الحاجة ضرورية إلى الإجراء الحاسم الذي اتخذه الحزب الديمقراطي من أجل تمرير قانون سيكون في الواقع الخلاص المحتمل للاقتصاد الأمريكي. هكذا، يبدو لي أن أحد الحزبين لم يتعلم أي شيء، لكني آمل أن يكون السواد الأعظم من الناخبين الأمريكيين قد تعلموا الدرس بالفعل، ووعوا النتائج الوخيمة لوجود قطاع عمومي غير ممول بما فيه الكفاية. لكنها ستكون معركة سياسية يهيمن عليها الاستقطاب، مثل جميع النقاشات التي سادت في السنوات الثلاث الأخيرة.

هل تخدم هذه الأزمة مصالح ترشُح بيرني ساندرز للرئاسيات داخل الحزب الديمقراطي، أم إنه أصبح خارج السباق؟

لقد أصبح عمليا خارج السباق، لكن الأزمة ستساعد مرشح الحزب الديمقراطي في أن يشير بأصابع الاتهام إلى الدولة التي ينافح عنها ترامب، وإلى الحزب الجمهوري الذي تركنا دون موارد لتدبير الجائحة لحماية الأمريكيين، وتهييئنا لمواجهة أخطار من هذا القبيل. تبين هذه الأزمة جليا الاختلاف الأساسي في القيم بين الحزبين.

بتصرف عن «إلباييس»

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يستحسن طباعة المقال !!